التباينات التي حدثت على سبيل المثال بين الرياض وأبو ظبي تجاه القضية السابقة بداية من 2015 فرضت تغييراً في نهج الأخيرة انعكس على توسع مجهودها المشارك في مساعي الأولى سواء في اليمن وسوريا وصولاً إلى إرهاصات تنافس بين البلدين حول التوسع خارج النطاق الجغرافي والحيوي في الخليج، الذي تغلقه أمامهم إيران جغرافياً وتاريخياً ومن حيث توازنات القوى.
نحو توسّع استراتيجي وتصدّر إقليمي
تجدر الإشارة أولاً للطفرة التي حدثت في النشاط العسكري للإمارات في الخارج منذ نشأتها وحتى حرب اليمن الأخيرة، فمن مشاركات شرفية ومراقبة ومهمات لوجيستية إغاثية وحفظ السلام منذ منتصف السبعينيات وحتى منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، إلى مشاركات فاعلة في ليبيا منذ 2011 في دعم إسقاط نظام القذافي، ثم بعد ذلك الحملة الجوية المحدودة بمشاركة مصر على مواقع المليشيات الليبية في 2014 (ومؤخرا في درنة)، إلى المشاركة في الحرب على اليمن 2015 كأول حرب رسمية يخوضها الجيش الإماراتي بمختلف الأسلحة جواً وبحراً وبراً.
والملاحظ أن هذه الطفرة على الرغم من مداها الزمني القصير تطورت إلى قفزات واسعة على مستوى التوظيف الفعال في مختلف الساحات التي امتدت إلى سوريا مؤخراً، وأنه على الرغم من الاختلاف حول تقييمها ومدى النجاحات والإخفاقات التي حدثت، فأن التشعب والقدرة على موازنة فاعلية ومرونة هذا النفوذ العسكري لأبوظبي في الخارج –على الرغم من محدوديته كماً إذا قورن بأي من نظيره للقوى الإقليمية الأخرى– أهّلت الإمارات لأن تكون موضع ثقة لدى واشنطن على مستويات شراكة على نفس مستوى شراكة الأخيرة مع تل أبيب والقاهرة والرياض، من حيث التسليح والتدريب والجهد المشترك، والذي كفل لأبوظبي إطار تعاون أوسع من التدريبات والمناورات الروتينية؛
فمن التدريبات المشتركة بالولايات المتحدة مع سلاح الجو الإسرائيلي إلى تواجد في قواعد مصر الجوية في الصحراء الغربية موجهة للساحة الليبية، مروراً بنواة لنفوذ عسكري في سوريا في مواجهة أنقرة، إلى تنسيق وانحياز كامل من واشنطن وشراكة مع القوات الإماراتية في اليمن، على مستوى لوجيستي وميداني.
ولم يقف هذا الأمر عند التعاون المباشر والتنسيق بين واشنطن وأبوظبي في اليمن وسوريا، بل يمكن القول أن الحرب على اليمن وتحولات الحرب في سوريا في العاميين الماضيين أبرزت التباينات بين “الحلفاء” سواء في اختلاف الأولويات أو خلق تنافس للتمدد في جنوب شبه الجزيرة والقرن الأفريقي والتنافس الوشيك على اتخاذ موطئ قدم في هذه المنطقة الإستراتيجية كمرتكز قوة استراتيجي لكل من الرياض وأبو ظبي، وسعي الأولى لتوطيد نفوذها بشكل عملي خارج إطار دبلوماسية الصحراء التقليدية التي مارستها السعودية منذ نشأتها، إلى دبلوماسية المصالح البرجماتية وترشيد المال السياسي،
فيما ذهبت الإمارات إلى خيار أكثر عملية وهو إيجاد موطئ قدم عسكري في هذه المنطقة الإستراتيجية، والتي تعجّ بتواجد عسكري للقوى الدولية والإقليمية، وهو ما يبدو أنه لا يتسق تماماً مع المساعي السعودية في هذه المنطقة من حيث توازن القوى والنفوذ لدول مجلس التعاون بعيداً عن القيادة السعودية التقليدية، وبالتالي لم يكن من الغريب أن تفتح الرياض أبوابها لاعتراضات وتحفظات محلية وإقليمية حول توسع الإمارات العسكري في القرن الأفريقي،
مع الأخذ في العلم أن جُل أنشطة التواجد العسكري الإماراتي في إريتريا والصومال مركّز حالياً على دعم الحرب على اليمن التي تقودها السعودية، وهذا التناقض بين استفادة السعودية من التواجد الإماراتي في القرن الأفريقي في دعم حربها على اليمن، وما بين تحفظاتها وقبولها بتحفظات الأخريين ومحاولة ضبط هذا التواجد الإماراتي المستجد في اتجاه بوصلة السياسات السعودية.
وتجدر الإشارة هنا أن وجود قاعدتين للإمارات في هذه المنطقة الإستراتيجية التي تعج بتواجد لقوى إقليمية ودولية كفيل وحدة بتلخيص مدى النفوذ العسكري الإماراتي خارج نطاق الجغرافيا السيادية،
وكمؤشر على مصالح خارجية لأبوظبي تفوق مسألة التعاون والتنسيق إلى محاولات فرض مسار ورؤية بمعيار موازين القوى وحاجة الشركاء الأخرين مثل القاهرة والرياض لدور الإمارات الحيوي في القرن الإفريقي؛
فنجاح الإمارات في إيجاد موطئ قدم عسكري في هذه المنطقة الهامة التي أخفقت كل من مصر والسعودية في التواجد العسكري بها يعني أن تحولاً في شكل العلاقات بين البلدين السابقين والإمارات يميل لصالح الأخيرة، وخرج من نطاق التمثيل الشرفي ثم المشاركة الفعالة إلى ضرورة المشاركة في أي مسعى عسكري لأي من الرياض والقاهرة خارج حدودهما.
الأمر السابق لا يقف عند هذا الحد ولكن يمتد إلى خلق فرص وإمكانيات لم تكن متاحة للإمارات، سواء في شكل علاقاتها الخارجية مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، أو على مستوى تحالفها مع القاهرة والرياض وكذلك التأثير على التباينات بينهم؛ فوجود قواعد عسكرية للإمارات في هذه المنطقة الهامة يوفر فرصة ويفتح أفق لتكرار التعاون العسكري بين القاهرة وأبو ظبي في مساحة اهتمام مشتركة قد تضح ملامحها الكاملة مستقبلاً، سواء بعد تدشين الأسطول البحري الجنوبي لمصر ومدى توسعه وتمدده إلى المياه الدولية جنوباً نحو باب المندب والقرن الإفريقي ارتكازاً على الوجود الاستراتيجي الإماراتي ومن منطلق الشراكة العسكرية بين البلدين.
وهذا الأمر حال حدوثه في المستقبل القريب يوفر عامل قوة للقاهرة في إطار صراعات مجالها الاستراتيجي جنوباً وعلى رأسها ملف سد النهضة، كما يمثل فرصة جيدة لأن تتحرر القاهرة من الابتزاز السعودي والإسرائيلي في ذات الإطار، حيث أن التباين بين القاهرة وبين أبوظبي لا يكاد أن يُذكر بالمقارنة بالتباين بينها وبين الرياض وتل أبيب.
الخلاصة
يمكن النظر إلى التوسع العسكري الخارجي للإمارات في السنوات الأخيرة من زاوية مرحلة انتقالية من التبعية والاعتماد على المظلة الأميركية كمعظم دول الخليج، إلى توفير مقومات ومقدرات عسكرية دفاعية، ثم تطوير هذا ليتناسب مع النمو والنهوض الذي شهدته الإمارات في السنوات الأخيرة والذي استدعى ممارسة نفوذ لحماية المصالح وتنفيذ أجندة مستقلة وفق أولويات تتقاطع أحياناً وتتنافر أحياناً أخرى مع حلفاء أبوظبي التقليديين.
ومن ثم يمكن اعتبار أن هذا النفوذ العسكري بدأ وفق أولوية تحجيم أو إعاقة تقدم نفوذ تركيا–قطر في المنطقة بشكل رئيسي، ولكن لعوامل كثيرة على رأسها الانكماش الأميركي وعجز كل من السعودية ومصر عن شغل هذا الفراغ، أهّل الإمارات لأن تطور من هذا النفوذ من مجرد عامل مساعد ضمن مجهود دولي –التحالف الدولي ضد داعش أو تأمين الملاحة في القرن الإفريقي– أو إقليمي –ليبيا واليمن– إلى المبادرة بدور فعال لمستوى أكبر أستدعى الشروع سريعاً في خلق مرتكزات قوة إستراتيجية على المدى المتوسط والبعيد عن طريق توطيد شراكاتها وتطويرها رأسها مع القوى الدولية والإقليمية وعلى رأسها واشنطن وتل أبيب.
أما على المدى القريب فإن أبو ظبي بشكل عام لا تستطيع أن تنفرد بتقدم إقليمي خارج مظلة التحالف الإقليمي بينها وبين مصر والسعودية وإسرائيل، أو مظلة دولية متوفرة حالياً في تقاطع رؤية واشنطن وأبو ظبي في كل من اليمن وسوريا قياساً مع الفارق بين الساحتين.
من جهة أخرى لا يمكن توقع نهوض وطفرة أكبر في المستقبل القريب للنفوذ العسكري الإماراتي الخارجي للحد الذي يجعل الإمارات قوة إقليمية منفردة كما هو الحال بالنسبة لتركيا أو إيران أو مصر أو إسرائيل أو حتى السعودية.
فهذه الدول على اختلاف حجم تأثيرها ونفوذها وتفاوته تجاه مختلف الملفات والقضايا والأولويات يتوفر لها مقومات بنيوية أكبر من التفوق الحادث مؤخراً للإمارات على مستويات اقتصادية وإعلامية وثقافية، مثل الموقع الجغرافي الاستراتيجي والثقل البشري والمعرفي والتراكم المعرفي والثقافي والتأثير الإعلامي، ناهيك عن الفارق في موازين القوى العسكرية التي تجعل الإمارات “أضعف الأقوياء” بين الدول السابقة من الناحية العسكرية تحديداً.
لكن تتمايز الإمارات عن معظم الدول السابق ذكرها في فاعلية إدارة مقومات قوتها العسكرية الصغيرة نسبياً وتوظيفها وفق أولويات سياسية مرنة ومتغيرة، ناهيك عن عدم التشتت والترهل الذي تعاني منه دولة مثل السعودية بميزانياتها الدفاعية الأكبر على مستوى المنطقة والثانية على مستوى مشتريات الأسلحة.
وهذا الأمر السابق لم يوفر فقط قدرة مرنة للاستفادة بفاعلية وجدوى تناسب حدود الهدف السياسي المرحلي، ولكن أيضاً تفتح أفق تطور سريع في المرتكزات الإستراتيجية العسكرية خارج الحدود لا تجاري الإمارات فيه قوى إقليمية مثل السعودية ومصر، وتضع أبو ظبي في نفس مستوى كل من أنقرة وتل أبيب وطهران من حيث إمكانية النفوذ العسكري الخارجي المرتكز على تواجد إستراتيجي متمثل في قواعد عسكرية خارج أراضي هذه الدول في أماكن ذات أهمية جيوستراتيجية،
وكذلك يلفت نظر القوى الدولية المختلفة للإمارات كارتكاز إقليمي آمن غير مرهق أو مشبوه – مثل رعاية السعودية للإرهاب ثم الانخراط في مجهود دولي لمكافحته– في أي مجهود عسكري في المنطقة برعاية القوى الدولية. ويعزز على مستوى إقليمي من أهمية الإمارات كفاعل رئيسي بالسلب أو بالإيجاب لأي من القوى الإقليمية الفاعلة في المنطقة، وربما يمتد الأمر في المدى المنظور إلى منافسة على موقع القاطرة الإقليمية لتنفيذ سياسات الولايات المتحدة في المنطقة كخيار آمن وغير مُكلف كما الحالة بالنسبة للقاهرة والسعودية.
***
إسلام أبو العز ـ باحث متخصص في شئون الشرق الأوسط
___________