بقلم ألفريدو مانتيشي

تعاني ليبيا منذ ست سنوات على سقوط نظام القذافي العديد من المشاكل، على غرار الاقتتال الداخلي بين مختلف الفصائل، وتهديدات المجموعات الجهادية، خصوصا تلك المرتبطة بتنظيم الدولة،ولكن هناك مشكلة نادرا ما يتم تناولها في وسائل الإعلام، ولا تقل خطورة عن تلك المشاكل ، ألا وهي تفشي ظاهرة الفساد.

الفساد في ليبيا مستشر على نطاق واسع، خصوصا في المؤسسات الليبية، سواء في طبرق أو في طرابلس ، حيث يتورط العديد من المسؤولين السياسيين من كلا الجانبين في عمليات فساد، من خلال استغلال مناصبهم في المؤسسات الحكومية والقيام بتعيينات عشوائية لموظفين، ليست لهم أي خبرة أو مستوى تعليمي، فضلا عن إهدار أموال الدولة على الميليشيات من أجل كسب ولاءاتهم، وغيرها من الممارسات التي تساهم في مزيد تدهور الوضع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

دخلت ليبيا منذ اندلاع الثورة في فبراير 2011 في حالة من عدم الاستقرار والحرب الأهلية بين الميليشيات المقسمة إلى فصائل مختلفة وحكومات مؤقتة، حاولت إلى حد الآن السيطرة على البلاد، ولكن دون جدوى.

بعد ست سنوات من سقوط النظام، لم تتوصل ليبيا إلى حكومة وحدة وطنية حقيقية، حيث لم تنخرط مختلف الفصائل، بشكل جدي، في البحث عن حل سياسي لحالة عدم الاستقرار التي تعانيها البلاد، بل أصيبت أيضا بمرض ستستمر تداعياته السلبية على مدى سنوات، وعلى جميع الأصعدة: سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ويتمثل ذلك في الفساد المستشري على نطاق واسع.

مشكلة ليبيا حاليا، لم تعد تنظيم الدولة،بل تتمثل المشكلة الوطنية الحقيقية في الفساد المؤسسي الذي يشمل سياسيين من جميع الألوان، فضلا عن الميليشيات و الأثرياء الجدد، الذين اثروا بطريقة غير قانونية، في إطار حالة من الاضطراب المؤسسي على نطاق واسع، ما يفسح المجال أمام سرقة الأموال العامة والأعمال غير القانونية من كل نوع.

ووفق تقرير لخبراء في الأمم المتحدة لسنة 2016، نوعت الجماعات المسلحة الليبية والشبكات الإجرامية في مصادر تمويلها وأنشطتها، حيث لا تشمل فقط عمليات الاختطاف والاتجار بالمهاجرين وتهريب النفط، والاستفادة من أموال الدعم القادمة من الخارج، بل أيضا الاتجار بالعملة الصعبة في السوق السوداء، ما يدر عليها أرباحا هائلة.

وبعد الثورة مباشرة، في تلك الأيام التي بدا فيها الغرب يتوقع بشكل ساذج لا يمكن تفسيره، ولادة ليبيا حرة وديمقراطية، كان السياسيون وقادة الميليشيات المسلحة، وزعماء القبائل، قد أدركوا أن الانهيار المؤسسي من شأنه أن يفتح الطريق أمام الإثراء غير المشروع، حتى أولئك الذين قاتلوا ضد الثورة، كانوا قد أدركوا أن الوقت قد حان لكسب الأموال.

أن الآلاف من الموالين والمدافعين المخلصين عن نظام القذافي، قد تحولوا إلى ميليشيات متمردة، وبدأوا في الاستثراء من خلال أنشطة غير مشروعة، حيث أن نظام الفسادلا يقتصر فقط على الجماعات المسلحة، ولكن أيضا على مؤسسات ما بعد الثورة، في كل من برقة الخاضعة لسيطرة القائد العام للجيش الوطني الليبي (المعين من قبل مجلس النواب) خليفة حفتر ، وفي طرابلس ، حيث توجد حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج ، والمعترف بها من قبل المجتمع الدولي. وحسب رئيس ديوان المحاسبة بطرابلس ، خالد شكشك، حكومة فايز السراج ، تدفع رواتب بشكل منتظم لعناصر الميليشيات المسلحة التي تسيطر وتحمي المنشآت النفطية، والذين يقومون بتهريب النفط الليبي.”

وخلال العامين الماضيين، تضاعفت صفوف السلك الدبلوماسي ثلاث مرات، وأصبحت مليئة بالشخصيات التي لا تملك في أغلبها أي خبرة في المجال، ولا تتكلم أي لغة أجنبية، ولكنها تتحصل على رواتب كبيرة بفضل ولائها للحكام الجدد، خاصة أن الرواتب في السلك الدبلوماسي الجديد مغرية للغاية.

بالإضافة إلى ذلك، هناك ممارسة واسعة الانتشار في الوزارات، تتمثل في وجود موظفين أشباح، ووفق تحقيق لديوان المحاسبة، فإن وزارة العدل ووزارة الداخلية لديهما على التوالي 63% و51% من الموظفين الذين لا وجود لهم، ولكن يتحصلون على رواتب شهرية بشكل منتظم.

البنوك الليبية بدورها لم تسلم من فساد قادة الميليشياتوحلفائهم السياسيين.

إن تهريب المهاجرين، يعد أحد المصادر الرئيسية لاستثراء الميليشياتوالسياسيين على حد سواء، ووفقا لبيانات المنظمة الدولية للهجرة ، المنظمة الدولية التي تأسست سنة 1951، ويشمل نشاطها 166 دولة، غادر في عام 2016، 363 ألف مهاجر من ساحل ليبيا نحو أوروبا، وتختلف تكاليف تهريب المهاجرين غير الشرعيين من بضعة آلاف من الدولارات للفرد الواحد إلى أكثر من 100 ألف دولار للعائلات الغنية، بما فيه الكفاية لعبور البحر المتوسط على متن يخوت مريحة أو سفن صغيرة آمنة.

ويشرف على عمليات التهريب ميليشيات تسيطر على طرق المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء إلى الساحل الليبي، ووفقا للمنظمة الدولية للهجرة، بلغت إيرادات الاتجار بالبشر، للجماعات التي تدير هذا النشاط في ليبيا في عام 2016، حوالي 346 مليون دولار.

***

ألفريدو مانتيشي ـ صحفي إيطالي

***

المصدر: مقال نشر يوم 14 أبريل 2017، بالمجلة الإيطالية لوك آوت مجلة إلكترونية، تهتم بالشأن السياسي والاقتصادي والجوسياسي والثقافي، تصدر عن مؤسسة جي ريسك للأمن والاستخبارات، تأسست في 21 ديسمبر 2012

ترجمة المرصد الليبي للإعلام

___________

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *