بقلم عادل زقاغ و سفيان منصوري
تم إخضاع الأزمة الليبية لعديد الأدوات التحليلية لفهم ديناميكية التصعيد وسبل التهدئة. ولكن عادة ما تركز الأدبيات ذات الصلة على متغيرات سياسية وأمنية.
يحاول هذا البحث استشفاف التبصرات التي يمكن الحصول عليها لدى مقاربة الأزمة الليبية، من منظور الإقتصاد السياسي.
أولا: الاقتصاد السياسي للتصعيد في ليبيا بعد 2011
أصبح معظم الدول العربية ـ وليبيا على وجه الخصوص ـ منذ سنة 2011، مسرحا لظاهرة أطلق عليها بيري أندرسون إسم “الانتفاضات المتراصة” ، حيث كانت هذه الإنتفاضات نتيجة احتقان سياسي، يسنده وضع اقتصادي يتسم بتفاوت واضح في مستويات المعيشة بين فئات العديد من شعوب المنطقة، ازدادت حدة مع تأزم الأوضاع السوسيوـ اقتصادية للمنطقة العربية، إثر تداعيات الأزمة المالية لسنة 2008، والتأثيرات التي خلفتها اللبرلة المفرطة والإقتصاد الرأسمالي في خلق حالة من اللااستقرار المجتمعي، وهو ما يدفع إلى الاهتمام بالارتباطات المحتملة بين المتغيرات المستمدة من الاقتصاد السياسي وديناميكية التصعيد والتهدئة في البلدان التي شهدت انتفاضات أهلية، حيث تكون ليبيا الحالة التي نحاول من خلالها استشفاف هذه الارتباطات.
1ـ تكاليف عقد الصفقات: المدخل العقلاني لتنامي دور القبيلة
جنبا إلى جنب، مع المقاربات الماركسية، تستمد الليبرالية من المعطى الاقتصادي جزءا معتبرا من افتراضاتها الصلبة، بل إنه يمكن للباحث أن يستقي من بنائها التصوري هذا بعضا من أفضل التفسيرات للحرب والسلم، وهي تفسيرات تندرج ضمن الاقتصاد السياسي للحروب الذي يهتم بالمتغيرات العقلانية ذات الطابع الاقتصادي في استشفاف ديناميكية التصعيد والتهدئة للأزمات والنزاعات الدولية، وتعد نظرية تكاليف عقد الصفقات إحدى الأدوات المساعدة التي تلقف عناصر هذه الديناميكية.
وبحسبها فإن مجمل التفاعلات المواطنية هي في النهاية صفقات، فالمواطن يدفع الضرائب للحكومة مقابل حصوله على الخدمات المختلفة (من توفير الحماية الأمنية والقضائية إلى البنية التحتية والتأمين على البطالة والتقاعد).
ومن الناحية النظرية، انفرط عقد أكثر من صفقة بسقوط النظام الزبائني للقذافي، وتعسر مسعى إرساء بديل جاهز، حتى لو توافر التوافق السياسي بهذا الشأن بين الفرقاء الليبيين، وذلك بسبب حالة الترهل الهيكلي السياسي الذي توجد عليه الدولة الليبية، وغياب تقاليد مؤسساتية في الحكم.
إذا ومن وجهة نظر تكاليف عقد الصفقات، فإنه لدي عجز أحد طرفي العقد ـ وهو الحكومة في هذه الحالة ـ عن الوفاء بالتزاماته، بتوفير الحماية للأفراد عبر المنظومة القانونية التي تسندها أدوات القهر المشروع، فهو سيبحث لا محالة عن بدائل تمنحه ذلك، وهذا بالنظر إلى ارتفاع تكاليف الصفقة القديمة، فلا يمكن ضمان استمرار ولاء الفرد للدولة في غياب حكومة مركزية (الطرف الآخر للعقد) أو في ظل عجزها عن استحقاق ما يترتب على التزاماتها.
وفي حالة ليبيا، توجد العشائر والقبائل في رواق جيد لاستمالة الولاءات المواطنية التائهة، فهي الكيان الذي يحصل من خلاله على صفقة مريحة قابلة للتنفيذ والحماية، غير أن هذه العشائر والقبائل لا تملك اقتصاد دولة، ولا بنية مشرعنة، بل تعتمد على نشاطات يدخل جزء مهم منها ضمن “المنطقة الرمادية” (بين المشروع وغير المشروع)، بل وحتى في الدائرة “الإجرامية” كتهريب السلع والاتجار غير الشرعي بمواد لا تخضع للضريبة، كل ذلك للحفاظ على ولاء المنضوين تحتها (دائما في إطار المنطق الزبائني) وصيانة بقائها، بل وأحيانا، بهدف تعزيز مستوى تسليحها في مواجهة التهديدات المتأنية من المجموعات الأخرى.
ولدي انخراطها في مثل هذه النشاطات ينزلق بعضها بعيدا للإتجار بالمواد الأكثر ربحية، كالأسلحة والمخدرات، لتجد نفسها في النهاية متورطة في علاقات وشراكات حتمية مع جماعات إجرامية دولية و | أو شبكات إرهابية تشتغل في خطوط الإمداد والتموين ذاتها. لا يتسبب ذلك في تقاطع المصالح مع هذه الشبكات أو تضاربها وحسب، بل وفي إيجاد بيئة من العنف المتساند الذي يتطلب مرافقة دولية طويلة المدى لضبطه.
2ـ دور التجارة غير الشرعية في تساند العنف
حالة ترهل السلطة المركزية وانهيارها، ومن ورائها الدولة في ليبيا، جعل من إقليمها الشاسع فضاء لممارسات اقتصادية غير شرعية، إذ إنه أصبح ملاذا آمنا، ليس فقط للجماعات المتمردة أو المجموعات الارهابية، بل للمهربين أيضا، لأنها تمكن عناصرها من مورد مالي مستقر يساعدها على البقاء والاستمرار في تنفيذ مخططاتها وتجنيد منخرطين جدد، كما أن الأقاليم التي تعد مناطق عبور ضرورية لهذه الموارد الممنوعة يمكن أن تنالها أعمال العنف، فالمجموعات المسلحة ستعمل على تأمين الطرق لتجارتها، ما يجعلها مصدرا لاستمالة متعاونين محللين لهذا الغرض.
وفي النتيجة، سيدخلها الفساد المستشري على طول الحدود ومسالك التهريب في الأقاليم المجاورة، في حلقة العنف بدرجات متفاوتة بظهور فئة مستفيدة من استمرار عمليات التهريب .
ومن بين أهم مظاهر تساند العنف الناتج عن توسع نشاطات التهريب والنشاطات الاقتصادية غير الشرعية وضرورات حمايتها، انتشار الأسلحة الخفيفة على نحو مريب، فغياب آلية فعالة لضبط تداول الأسلحة الخفيفة ضمن الأطر القانونية والمعقلنة ، يعد أحد المؤشرات التي تحظى بثقل كبير نسبيا ضمن مصفوفة التأزم المستعصى عن الضبط.
وحتى في دولة ديمقراطية مثل الولايات المتحدة الأمريكية فإن عدد ضحايا حوادث إطلاق النار من أسلحة خفيفة، لسنة 2013 وحدها، يبلغ 33169 قتيلا، وهو ما يقترب من المعدل السنوي، ليبلغ مجموع عدد الضحايا الذين أحصاهم مكتب التحقيقات الفدرالي 1.384.171 مليون قتيل أي أن الرقم يفوق بكثير عدد قتلى المعارك الأمريكيين منذ القرن الثامن عشر، أي باحتساب قتلى حرب الاستقلال، إذ يبلغ عددهم 1.171.177 مليون قتيل معركة، إلى غاية كتابة بيتر بليت تقريره .
أما الأزمة الليبية التي يتزامن فيها تداول هذا النوع من الأسلحة مع صعوبة استمالة الخصوم نحو التسويات التوافقية، فإن دورها لا ينتهي عند إذكاء العنف، بل وعرقلة التسويات المحتملة لصعوبة ضبط سلوكيات عشرات الألاف من المنخرطين ضمن العصب المتحاربة، والذين يحتفظون برغبة كبيرة في الانتقام المتبادل.
…..
يتبع في الجزء الثالث
***
عادل زقاغ ـ أستاذ العلوم السياسية بجامعة باتنة
سفيان منصوري ـ أستاذ العلوم السياسية بجامعة باتنة
***
نشر البحث في العدد 25 من مجلة سياسات عربية التي تُعنى بالعلوم السياسية والعلاقات الدولية، وتصدر كلّ شهرين عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
_ _________________