يغطي هذا التقرير الخُلاصي أبرز القضايا والإشكاليات في موضوع “الهجرة والشباب العربي: الهجرة والمستقبل“، ضمن أعمال المؤتمر السنوي السادس للعلوم الاجتماعية والإنسانية، والذي عقده المركز خلال الفترة 18 – 20 آذار/ مارس 2017 بالدوحة، بمشاركة (65) باحثًا وباحثة مختصًا.
الهجرة الشبابية العربية في مرحلة الانتقال الديمغرافي
كان من أبرز ما شخّصه المؤتمر أن الهجرات الدولية أظهرت جملة من التحولات الكمية والنوعية، كما غيرت من تركيبة المهاجرين وخصائصهم. وحدّدت بعض بحوثه التحول الرئيس للهجرات العربية في هذا السياق في الارتفاع غير المسبوق لأعداد من غادروا البلدان العربية.
فما بين عامي 2000 و2014، غادر نحو خمسة ملايين مواطن عربي أوطانهم (لا تشمل هذه الأرقام اللاجئين)، أي بمعدل 350 ألف شخص سنويًّا ليستقروا في بلدان وأقاليم مختلفة من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يمثلون نحو 6.4% من إجمالي من غادروا بلدانهم الأصلية في العالم خلال المرحلة الزمنية نفسها.
على مستوى الحجم، تقدّر بعض بحوث التقرير الأخير للإسكوا ومناقشاته، الذي اعتمد على البيانات الصادرة عن إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة، عدد المهاجرين من البلدان العربية عام 2013 بـ 21.974.881 شخصًا، وهو ما يناهز ضعف العدد المسجل عام 1990 أي 12.091.398. وقد مثّل المهاجرون 5.9% من سكان المنطقة عام 2013 مقابل 5.3% عام 1990.
وعلى الرغم من أن البيانات الدولية المتخصصة لتلك المرحلة لا تميز بين الشرائح العمرية، فإنّ هذه التدفقات تتشكل أساسًا من الشباب الذين تمثّل فئتهم العمرية (15-29 سنة) نحو 30% من إجمالي حجم السكان في المنطقة العربية، وهو ما يقارب 105 ملايين شخص.
وفي الوقت الذي أشارت فيه بعض بحوث المؤتمر في هذا المحور إلى ظاهرة تعدد الأنماط الديموغرافية – الاجتماعية في المجتمعات العربية، وهي ظاهرة لا تنفرد بها هذه المجتمعات، فإنها ركزت على النمط الجديد، ويطلق عليه اسم نمط “الانتقال الديموغرافي” (النافذة الديموغرافية)؛ ويتمثّل بارتفاع الحجم المطلق للشباب في التركيبة العمرية السكانية.
إن الحجم المرتفع للشباب من أبرز محددات المرحلة الديموغرافية الاجتماعية التي تمر بها المجتمعات العربية، حتى لو تم الاقتصار على التعريف الدولي التقليدي للأمم المتحدة للشباب الذي يحصره في الفئة العمرية (15-24 سنة)؛ إذ أظهر المؤتمر أن حجم هذه الفئة الشابة التي يرتبط بسنها الحساس تكوين الاتجاهات والقيم الأساسية للمنتمين عمريًا إليها أنّ هذه الفئة تمثّل وحدها منذ منتصف القرن الماضي نحو خمس إجمالي سكان المنطقة. وبالإجمال، تضاعف حجم الشباب أكثر من خمس مرات بين عامي 1950 و2005 ليبلغ 68 مليونًا عام 2005، بعد أن كان عددهم يناهز 14 مليونًا عام 1950.
وتوقع أحد بحوث المؤتمر إزاء النمو العام المرتقب لسكان المنطقة في العقود المقبلة أن يستمر حجم الشباب في الارتفاع بالنسبة إلى إجمالي سكان المنطقة. ذلك أن عدد الشباب في المنطقة العربية عام 2040 سيبلغ نحو 88 مليونًا أي بزيادة 20 مليونًا عن 2005. وهو الأمر الذي يجعل المنطقة أمام تحديات تنموية كبرى، وخاصة تلك المتعلقة بخلق فرص عمل جديدة؛ ذلك أن المنطقة تحتاج إلى خلق أكثر من مليوني فرصة عمل سنويًا حتى عام 2020، ومواصلة امتصاص مختلف صور البطالة.
أظهرت بحوث المؤتمر ومناقشاته بشأن هذه الإشكالية أن بلدانًا عربية عديدة قد دخلت في مرحلة الانتقال الديموغرافي، وهي المرحلة التي يطلق عليها السكانيون “النافذة الديموغرافية“، وتتميز بتراجع حجم الفئات الطفلية (ما دون الخامسة عشرة) مع نمو طفيف للفئات المسنة (+65 سنة)، مقابل زيادة حجم السكان في سن قوة العمل.
وإذا كان الحجم المطلق للزيادة السكانية مستمرًا في التصاعد بتأثير ما يعرف بالزخم السكاني، فإن الزيادة الأكبر هي في الفئة العمرية التي في سن العمل، ولا سيما في فئة الشباب العمرية بالتعريف الإجرائي الواسع (15-35 سنة). وما يزال الزخم السكاني يعمل من خلال نسب الخصوبة الكلية التي لما تزل مرتفعة على الرغم من انخفاضها القياسي خلال العقود الثلاثة الأخيرة؛ إذ وصل مؤشر الخصوبة في مصر عام 2015 إلى 2.83، والأردن 3.17، والسودان 3.79، وموريتانيا 4.00، والمغرب 2.13، وسورية 2.60، والعراق 4.12.
وهذا الواقع يخلق ضغطًا في سوق العمل يدفع بالشباب إزاء تعثرات عملية التنمية، وقصور الطلب الاقتصادي، إلى الهجرة غير القانونية.
يفتح الانتقال الديموغرافي الذي تشهده المجتمعات العربية آفاقًا تاريخية كبرى للاستفادة التنموية المستدامة من ذلك العرض الديموغرافي، وهو ما يطلق عليه اليوم في أدبيات السكان والتنمية مصطلح “الهبة الديموغرافية“، وعموده الفقري هو الشباب.
وتشير الدراسات القياسية لدول شرقي آسيا إلى أن التغيرات السكانية ممثلةً بارتفاع نمو السكان في سن العمل قد ساهمت بنسبة 40% من النمو الاقتصادي بين عامي 1970 و1990 في هذه الدول، بل يذهب بعضها إلى حد تقدير أن 50 إلى 70% من هذا النمو قد تم بفضل هذه التغيرات المواتية، وارتفع فيه نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 6% سنويًا، وانخفضت فيها نسبة السكان الذين يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم إلى 37%.
لكنّ هذه الفرصة التنموية التي يتيحها ازدياد حجم الشباب مرهون باعتماد سياسات اقتصادية واجتماعية تنطلق من إحداث عملية تنموية مستدامة تؤمن شروط الأمن الإنساني بأبعاده المتكاملة، ذلك أن هشاشة الأمن الإنساني تمثل أحد أبرز مفاعيل رفع وتيرة الهجرة عمومًا وهجرة الشباب خصوصا، ويمثل غياب هذه السياسات هدرًا تاريخيًا لتلك الإمكانية؛ لأن النافذة الديموغرافية إذا لم يتم حسن استثمارها في عملية التنمية البشرية المستدامة، ستصل إلى مرحلة انغلاق، وتهدر معها فرصة التنمية الاحتمالية.
لا بد للبحث في العلاقة بين النظم والسياسات التنموية – الاقتصادية وبين الهجرة من أن يبرز في هذا المحور. وهذا ما أشارت إليه مداخلات المؤتمر التي بحثت في قضية العلاقة بين الأنماط الاقتصادية والهجرة على المستويين النوعي والقياسي الضيق بالمعنى العلمي.
وقد قدم المؤتمر في هذا المحور، والذي يعدّ من أكبر محاوره، دراسات تطبيقية ميدانية حديثة انصبت على تجارب في بلدان المغرب العربي أو حتى في التجمعات المغاربية المهاجرة خارج المغرب.
ينشأ التوتر بين العرض الديموغرافي المتمثل بزيادة حجم الشباب وعملية التنمية في عدم تلبية تلك العملية لحاجات هذا العدد الكبير من الشباب؛ ليس على مستوى التشغيل فحسب، بل على مستوى الحاجات المواطنية للشباب العربي أيضًا، في ظل هيمنة النظم التسلطية السياسية على عملية التنمية، وتقليص ما هو أساسي وجوهري فيها، وهو الفرص والخيارات؛ أي التمكين من الحرية.
ومن هنا، لم يكن مفارقةً أن تندمج الحقوق الاجتماعية والاقتصادية مع الحقوق المواطنية السياسية في عمليات التغير الاجتماعي الحادة التي شهدها أكثر من بلد عربي في بدايات اندلاع حركات الاحتجاج والثورات العربية (2011) قبل تمريغها بالدم والانقلابات والاقتتالات الأهلية، وما تزال هذه المرحلة مستمرة بكل تعقيداتها وتمثّل مرحلة انتقالية في التاريخ الحديث لهذه المجتمعات.
وفي هذه المرحلة الانتقالية، فإن التوتر بين زيادة العرض الديموغرافي لقوة الشباب في هذه المجتمعات وإخفاقات السياسات التنموية السياسية السائدة في توفير فرص العمل وإطلاق عملية تنموية مستدامة سيبقى حافلًا بالتوترات والمفاجآت، ما لم يترافق الانتقال الديموغرافي مع انتقال ديمقراطي مؤسسي قائم على فهم التنمية بصفتها خيارات وفرصًا؛ أي حرية يمتلك فيها الشباب العربي نفسه، ويكون صوته مسموعًا.
فالشروط التي حكمت اندلاع حركات الاحتجاج والثورات والتي كانت في معظمها نتاج إخفاق الانتقال المؤسسي الإصلاحي ما تزال مستمرة. وتُعدّ الهجرة الفعلية والهجرة الاحتمالية في وقت واحد من أبرز نتائج هذا التوتر.
وقد أكّد أكثر من بحث في المؤتمر ما لحظته نتائج المؤشر العربي من ارتفاعٍ في نسبة هجرة الشباب الاحتمالية في بعض البلدان العربية.
كما طرح المؤتمر على النقاش مسألة العلاقة بين ارتفاع هذه النسبة بمصر وبين الانقلاب العسكري الأخير وما تلاه، وحدود الدور الذي كان لهذا المتغير في ارتفاع نسبة الذين يفكرون في الهجرة، إضافة إلى العوامل المعروفة.
كانت نتائج المؤشر العربي لعام 2016 قد أظهرت ارتفاعًا ملحوظًا في مصر؛ ذلك أن نسبة الذين يرغبون في الهجرة أصبحت 21% في عام 2016 مقارنة مع 15% في عام 2015، وكانت هذه النسبة لا تتجاوز 8% في عام 2011 بناء على أنها سنة الأساس بالنسبة إلى المؤشر. وبيّنت بحوث المؤتمر بأسلوب تحليلي كمي ونوعي أن مصر لم تدخل نادي مصدري الهجرة غير الشرعية (غير القانونية) إلى جانب كل من ليبيا والمغرب وغيرهما فحسب، بل غدت إحدى معابر الهجرة أيضًا.
أولت بحوث المؤتمر أهمية خاصة إلى الحالة المصرية” المميّزة” التي تطرح أمام الباحثين التنمويين المعنيين بتحليل العلاقة بين الهجرة والتنمية بمعناها البنيوي الحقيقي، وفي جوهرها التنمية المؤسسية الديمقراطية التي تنقل المجتمع إلى الديمقراطية، مسألة العلاقة الحقيقية بين الانتقال الديموغرافي في العديد من البلدان العربية والانتقال السياسي المؤسسي الديمقراطي أو الانتقال المؤسسي الإصلاحي الجدي الذي يضع البلاد أمام حالة تطور ديمقراطي.
وتثير بحوث هذا المحور المهمة في موضوع الهجرة إشكالية العلاقة بين دالة الهجرة بوصفها ناتجة من ضعف الاقتصادات العربية في تشغيل الشباب وتلبية حقوقهم الاجتماعية والمواطنية ودالة الانتقال السياسي المؤسسي الإصلاحي الديمقراطي التي غدت بالنسبة إلى الشباب العربي” طبيعية“، وليست مسألة مؤجلة أو خاضعة لترتيب الأولويات.
فالمسألة تتمثّل باستيعاب هذا الارتفاع في نسبة الشباب في التركيبة العمرية ببناء قدراته وإحداث عملية تنموية حقيقية تستثمر طاقاته، وتعطيه صوتًا مسموعًا في الفضاء العام، وتستجيب لتطلعاته التي لم تعد تنحصر في التشغيل فحسب، بل تمتزج بالتطلع إلى الحقوق المواطنية أيضًا.
________________