بقلم شكري الحاسي

لقد كتب كثير من الدُعاة، والمفكرين عن أسباب التطرف، و الغلو في المشهد الإسلامي، والدعوي. ولقد قرأت أغلبها ؛ فرأيتها مُتفاوتة من حيث التقديم، والتأخير في الأسباب، البواعث؛ بين مقدم للأسباب السياسية على غيرها، وآخر يقدم الأسباب الاجتماعية، وآخر يقدم الأسباب الاقتصادية.

ولكن من خلال التجربة التي عِشتُها طيلة ثلاثين سنة تقريباً؛ معاصراً للحركة الإسلامية بكل أطيافها، وأنواعها وخاصةً في مرحلة السجون، والمعتقلات، وما عاصرته، وكنتُ شاهداً عليه؛ يُحتِّم عليِّ إبراءً للذمة، ونُصح للأمة كافة.

أن أقول، وبكل وضوح؛ أن الخطاب الإسلامي بكل أنواعه؛ يحتل الصدارة، و يأتي في المركز الأول كداعم للتطرف، والغلو؛ وأقصد من الخطاب غير النص المقدس من كتاب، أو سنة؛ فقد يكون قطعي الثبوت، قطعي الدلالة.!!!!

ولكن تجاهل عن عمدٍ في بعض الأحيان تماهياً مع بعض السياسات الحكومية، وعن جهلٍ أحياناً أخرى. وقد قيل في المثل الشعبي. ( طحت وإلا طيحك الجمّال.. قال على كل حال وصلت للأرض)

وأول الأخطاء، والمزالق في ذلك كان: تحويل الخطاب الدعوي الارشادي إلى أحكام قضائية توزع بالمجان، وخاصةً في أوساط البسطاء، والعامة؛ حتى كتب أحدهم دُعاة لا قضاة.

فدخلت الدعوة في متاهة لا زلنا نعاني آثارها حتى وقتنا الحاضر.

ولقد حذر قديماً بعض علمائنا الأجلاء من ذلك،

ولما سُئل الشيخ محمد الغزاليرحمه اللهذات يوم عن تارك الصلاة؟ فقال: تأخُذه إلى المسجد، وتُعلمه الوضوء، والصلاة. لإن المقام مقام دعوة لا مقام قضاء.

لكن الخطاب الذي انحرف عن السبيل، والدليل؛ أول ما يتبادر إلى ذهنه كافر، أو مرتد أو فاسق. وهذا لا يعني عدم وجودها، والإقرار بها، ولكن لم تكن من أهلها، ولا في محلها.

إن ما نراه اليوم من فتاوى تكفير، وتفجير، وتدمير ؛ ليست اجتهادات فردية لبعض من قصُر فهمه، وضل عقله. ولكن هي فتاوى لمدراس فقهية، فكرية لم تُراعي فقه المقاصد، والمآلات، ولا فقه الأولويات، ولا فقه الاختلاف، ولا فقة الواقع، ولا فقه المراحل.ولا وووو.

إن الانظباط الذي حظيت به بعض المدارس الفقهية، والمذهبية في توازن الخطاب، والفتوى، وانحسارها في طبقة أهل الاختصاص؛ كالمدرسة الشيعية مثلاً، بل حتي بعض الديانات الأخرى. اختل توازنه عند أهل السنة في بعض مدارسها.

ولهذا حينما كان الخطاب الأزهري متصدراً في فترة ما؛ على ما عليه ملاحظات،ووو، لكن لم تنحدر الأمة إلى هذا القاع الذي تحاول أن تخرج منه بنفس الأخطاء، ودون تحمل للمسؤولية، والوقوف بكل شجاعة لمراجعة حقيقية للأسباب، والبواعث.

***

لا زلنا مع الخطاب الإسلامي، والذي نعُده السبب الأول لانحراف الجيل عن الطريق، بل لعلها أجيال ستعاني من تبعات ذلك الانحراف، ومع ظهور الخلال، والذي أصبحت مخاطره واضحة بينة، وأصبحت تُنذر بطوفان مُدمر لا يُبقي، ولا يذر. لكن، لا حياة لمن تنادي.

إن العلماء، والدعاة اليوم عليهم مسؤولية تاريخية، وشرعية لبيان الأسباب، والبواعث الحقيقة لهذا الانحراف بل لدراسة المدارس، والمذاهب، والجماعات، والفِرق؛ لبيان محل الخلل، و إقامة ندوات، ومحاضرات، وعلى مستويات محلية، وإقلمية، ودولية؛ إبراءً للذمة، وإعذاراً لله سبحانه.

فمن الأسباب التي دقت إسفين الانحراف في الخطاب الإسلامي المعاصر مثلاً: هو فتح باب الاجتهاد، والنظر لكل من هب، ودب بحجة معرفة الدليل،… هم رجال، ونحن رجال،…. كلٌ يُؤخذ من قوله، ويترك إلا صاحب هذا القبر……. لا تتبع مالكاً، ولا الشافعي، ولا أحمد …. واتبع الدليل .

ولهذا ليس غريباً أن نرى الفوضى الفقهية لأنصاف المتعلمين. والجراءة على الشريعة الغراء؛ حتى في أخطر المسائل، والقضايا ((قضايا التكفير، والدماء )) التي يُحجم عنها أكابر العلماء، المجتهدين.! أصبح يتنافس عليها الجهلة، ومن كانوا بالأمس القريب يتعاطون المخدِرات، والمسكرات.

فعظُم الكربُ، واشتد الخطر، ودُمر العُمران، استُنزِفت قُدرات، وثروات الأمة، وفُتحت الأبوابُ لأعداء الإسلام، حتى قال ابن تيمية عنهم: والعجب من قوم أرادوا نُصرة الشرع بعقولهم الناقصة، وأقيستهم الفاسدة فكان ما فعلوه ممراً جرأ الملحدين أعداء الدين عليه. فلا الإسلام نصروا، ولا الأعداء كسروا.

نعم!!! إن دعوى الدليل هي من أخطر المسائل التي تم الترويج لها في كثير من الفتاوى، والمقالات، والرسائل، بحجة الاتباع لمنهج السلف، وطريقة السلف.

مع علمنا بأن المفتي يجب أن تتوفر فيه صفات تُؤهله لتولي منصب التوقيع عن رب العالمين. وأن يكون على دراية  بالحكم الشرعي، وأدلة الأحكام الشرعية، ودلالة الألفاظ، والتعارض، وطرق دفعه، والاجتهاد، والتقليد، وأسباب النزول، والظروف التي قِيلت فيها الأحاديث. ومعرفة الواقع، وملابساته، ومقاصد الشرع، ومنافع الخلق.

يقول العلامة ابن القيمرحمه اللهولما كان التبليغ عن اللهسبحانهيعتمد العلم بما يبلغ، والصدق فيه لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية، والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم، والصدق فيكون عالماً بما بلغ صادقاً فيه ويكون مع ذلك حسن الطريقة مرضي السيرة عدلاً في أقواله، وأفعاله متشابه السر ،والعلانية في مدخله، ومخرجه، وأحواله، وإذا  كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكر فضله، ولا يُجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض، والسموات.

وقد حرم اللهسبحانهالقول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات بل جعله في المرتبة العليا منها.

فقال تعالى “قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون”

فرتب المحرمات أربع مراتب وبدأ بأسهلها، وهي الفواحش، ثم ثنى بما هو أشد تحريماً منه، وهو الإثم والظلم ، ثم ثلّث بما هو أعظم تحريماً منهما، وهو الشرك بهسبحانه،ثم ربع بما هو أشد تحريماً من ذلك كله، وهو القول عليه بلا علم. وهذا يعم القول عليهسبحانهبلا علم في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وفي دينه، وشرعه.

وقد نهى النبي في حديث بريدة، أن يُنزل عدوه إذا حاصرهم على حكم الله، وقال فإنك لا تدري أتُصيب حكم الله فيهم أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك، وحكم أصحابك فتأمل كيف فرق بين حكم الله، وحكم الأمير المجتهد، ونهى أن يُسمى حكم المجتهدين حكم الله.

فلا أدري لماذا غفل، أو تغافل الخطاب الإسلامي المعاصر عن هذه الضوابط، التي أدى إهمالها إلى كارثة، ليس لها من دون الله كاشفة!

لقد تحرى الناس في صحة الأبدان؛ فلا يأخُذون الدواء لا من طبيب حاذق، أو صيدلي ماهر. ولم يتحروا ذلك في ما يُصلح دنياهم، وأُخراهم. فتناولوا سموماً هي أشد فتكاً لعقولهم، وأرواحهم؛ من حبوب الإدمان، والهلوسة.

وهكذا كان الخطاب..!!!؟؟؟

***

شكري الحاسي/ عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

_____________

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *