بعد جزء أول صدر سابقًا، صَدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الجزء الثاني من كتاب الإسلاميون وقضايا الدولة والمواطنة، وقد ضمّ 18 دراسةً وبحثًا جرى تقديمها في المؤتمر السنوي الثاني الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطيالذي عقده المركز في العاصمة القطرية الدوحة، خلال الفترة28–29 أيلول/ سبتمبر 2013، بعنوان مسائل المواطنة والدولة والأمة“.

***

يفترض عبد الرحمن حسام، الباحث المصري في علاقة الحركات الإسلامية المعاصرة بالديمقراطية، في الدراسة التاسعة، وهي بعنوان الإسلاميون والدولة الحديثة: حزب العدالة والتنمية والنيوليبرالية في تركيا، أسلمة النيوليبرالية وترسيخها في الإسلام، أنّ المجال السياسي والدولة يتحملان التفكيك ويتجاوزانه، بوصفهما من ضمن الوافدين الجُددمن المحيط إلى المركز، وفي النهاية يسيطر عليهما منطق الدولة، وتاليًا يعيدان إنتاجه؛ فيُفنِّد فرضيته، مركزًا على النيوليبرالية في تركيا، وعلى الكيفية التي تعامل بها حزب العدالة والتنمية من حيث الاستمرارية والتغيير، في سياق الإسلاميين والدولة الحديثة، وعلى الخصخصة في تركيا.

في الدراسة العاشرة التي وردت بعنوان الحاكمية في فكر الحركة الإسلامية بعد الربيع العربي، بين الخفاء والتجلي: مدخل إلى تفكيك أنموذج ثيوقراطي (دراسة في الحالة المغربية)، يُعنى الباحث المغربي محمد همام، المهتم بقضايا الفكر الإسلامي والعلمنة، بالإرباك الحاصل في الاستخدام اللفظي العامّ لمفهوم الحاكميةفي الذهنية الإسلامية الذي سبّب انحرافات عقليةً وفكريةً وسلوكيةً نتجت من ظنّ كثيرين من أعضاء الحركات الإسلامية أنّهم يُجسّدون بمشروعاتهم السياسية حُكم الله، وأنهم خلفاء الله في الأرض؛ فاستبيحت الحقوق، وسقط إسلاميون مناضلون شرفاء في أخطاء فادحة، ودافعوا عن أطروحات فكرية تحصر العقلية الإسلامية في إطار ظواهر النصوص، في غياب أيّ استيعاب منهجي للقرآن الكريم، ولِمَا ورائيات النصوص، أو مقاصدها.

فالحاكمية استخدمت، عند كثير من الفصائل الإسلامية، للتحريض في سبيل عرْض مشروعها الإسلامي في الحكم والسلطة. ويسعى الباحث لتجاوز مفهوم الحاكمية، كأطروحة فكرية وسياسية وحركية مغلوطة، بمقاربة فلسفية نقدية تتجاوز الفكرين اللاهوتي والوضعي، في إطار تفاعلٍ بين الغيب ومطلق الوجود الإنساني ومطلق الوجود الطبيعي.

يعرض الباحث الفلسطيني بلال محمد شلش، المتخصص في تاريخ الأحزاب والحركات السياسية الفلسطينية المعاصرة، في الدراسة الحادية عشرة، وهي بعنوان التجربة التاريخية: ‘النبوية والراشدةكمصدر تشريع لدولة النبهاني، رؤية تقي الدين النبهاني، مؤسس حزب التحرير، إلى الدولة الإسلامية ونظرته إلى التاريخ الإسلامي وإشكاليات كتابته ومبرراته لاستخدام التاريخ مصدرَ تشريعٍ، ويناقش نماذج لهذا الاستخدام، معتمدًا على كتابات مختلفة للنبهاني صدرت باسمه أو باسم الحزب وتَأكّدت نسبتها إليه.

يقول شلش إنّ النبهاني وقع تحت ضغطين: الأول هو فهمه لطبيعة نظام الحكم وقراءته التجربة التاريخية، والثاني هو الدولة القُطرية الحديثة المتأثرة بالنماذج الغربية. وبحسب الباحث، كان على النبهاني أن ينظّر لأنموذج يستلهم فيه التجربة النبوية والراشدة، وأن يحاول الاقتراب من روح الإسلام ومبادئه، إلا أنه قدّم أنموذجًا يعطي صلاحيات أسطوريةً لرأس الدولة.

في الدراسة الثانية عشرة التي وردت بعنوان إشكالية تأسيس نظام الحكمفي الفكر الإسلامي المعاصر بين الخصوصية والعالمية: بحث في المنهجيات والتحديات، يتناول الباحث السوري رشيد الحاج صالح، المتخصص في قضايا التفكير السياسي والنظري في الثقافة العربية الحديثة، إمكان إقامة دولة مدنية إسلامية، أو نظام ديمقراطي إسلامي، يزاوج بين قيم الإسلام؛ من عدالة ومساواة وحرية دينية ونزعة إنسانيةإلخ، وقيم الحداثة السياسية العالمية القائمة على الديمقراطية والعقلانية والعقد الاجتماعي والفردية والمواطنة وغيرها، ولا سيما أنّ مسألة التوفيق تُعدّ من المسائل المعقدة منهجيًا وأيديولوجيًا؛ بسبب الاختلافات التي لا يُستهان بها بين منظومة المبادئ الإسلامية التي تنظّم العمل السياسي في الإسلام ومفاهيم النظام الديمقراطي الغربي.

تُمثّل الدراسة الثالثة عشرة، وهي بعنوان مسألة الحاكمية في الخطاب النظري الحركي الإسلامي: بين النص والتأويل، للباحث المغربي عبد العزيز راجل، الباحث في علاقة الدين بالسياسة، بحثًا في تشكيل الخط القطبيّ (نسبةً إلى سيد قطب) علامةً فارقةً في حركات الإسلام السياسي، ونقلةً مهمةً أعادت الخط الإخواني إلى الصفر، بسبب ما تحمله أفكاره من ثورية، وبسبب ما أحدثه من تأثير ملحوظ في فصائل الإسلام السياسي في الوطن العربي، إذ طرح مفاهيم شكّلت أهمّ ركائز الخطاب السياسي الإسلامي: مفهوم الحاكمية، ومفهوم الطاغوت، ومفهوم الجاهلية، ومفهوم التوحيد، ومفهوم الإسلام، ومفهوم الإيمان، ومفهوم الجهاد… إلخ.

ويرى الباحث أنّ نظرية الحاكمية أحدثت انقسامات واتجاهات متباينةً داخل الخطاب الإسلامي السياسي بين الخط الإخواني الذي يُمثّله حسن البنا، وخط سيد قطب الذي انبثق منه الخط السلفي الجهادي. كما يبحث راجل مدلول الحُكم في النص القرآني الذي أسّس عليه تأويل مفهوم الحاكمية.

تتضمن الدراسة الرابعة عشرة الواردة بعنوان الإسلاميون والدولة: محددات التجديد ومعالمه في خطاب الحركات الإسلامية المعاصرة، للباحث والأكاديمي عبد الغني عماد، وهو باحث مهتم بدراسة نشوء الحركات الإسلامية العربية وتطورها، إشكالية الانتقال من مشروع الدعوة إلى مشروع الدولة، وإدماج متطلبات هذا الانتقال في منظومة المشروع الحركي الإسلامي. وبحسب الباحث، فإنّ هذه الإشكالية تُعَدّ في الوقت الراهن بالنسبة إلى الإسلاميين الإشكاليةَ الأخطر والامتحانَ الأصعب. ويقول الباحث في هذا السياق إنّ المشاركة في السلطة تروّض الأيديولوجيا وترشّد الشعارات وتُعقلنها. فمشروع الدعوة وخطابها يختلفان عن مشروع الدولة ومنطقها.

في الدراسة الخامسة عشرة، وهي بعنوان التشوهات الفكرية في بناء مفهوم الدولة المدنية، يتناول الباحث علي السيد أبو فرحة، وهو باحث مهتمّ بدراسة التحول الديمقراطي، اللغطَ المجتمعي والأكاديمي والإعلامي الذي يدور حول مفهوم الدولة، إذ سعى باحثون على مدار تاريخِ استخدامِ هذا المفهوم وتأصيله لإلحاق كثير من الأفكار والصفات به: دولة المدينة، ودولة الخلافة، والدولة الدينية، والدولة القومية، والدولة الاشتراكية، والدولة الديمقراطية، والدولة الإمبريالية، والدولة التابعة، والدولة الفاشلة، والدولة العسكرية، والدولة البوليسية، والدولة المارقة، والدولة العاصية، والدولة المدنية.

وأصاب مفهوم الدولة المدنية المزيد من الاهتمام في عقب ثورات الربيع العربي، بمحاولة عدد من الباحثين والخبراء والمعنيين والإعلاميين تأطيرَه في ثنائية الدولة المدنية في مواجهة الدولة العسكرية حينًا، وفي الدولة المدنية في مواجهة الدولة الدينية أحيانًا.

لذا، يدرس الباحث الاجتهادات الفكرية التي ساهمت في بلورة مفهوم الدولة كفكرة رئيسة، وحقيقة إلحاق صفة المدنية به وحدودها، في ضوء السياقات التاريخية والثقافية والاجتماعية والزمنية والمكانية المختلفة.

يحاول الباحث المغربي محمد الغالي، وهو باحث مهتم بقضايا التنمية السياسية في مراحل الإصلاح والتحول الديمقراطي، في الدراسة السادسة عشرة الواردة بعنوان بناء الدولة الحديثة بين نظرية إمارة المؤمنين وأطروحات الإسلام السياسي في المغرب: قراءة في فرص التعايش والاندماج، ومخاطر التنازع، فَهْم أبعاد عدم تمكّن الحقل السياسي المغربي من التطور مستقلًا عن الحقل الديني، واستيعاب عناصر البزوغ القوي للإسلام السياسي كفاعل جديد في الحياة السياسية، ثمّ الوقوف عند عناصر وجود فُرصٍ متاحة، أو ممكنة، من أجل تعايش مستدام واندماج حقيقي بين النظام الملكي القائم على إمارة المؤمنين ومكونات الإسلام السياسي.

وقاسَ الباحث مخاطر التصادم بين إمارة المؤمنين ومكونات الإسلام السياسي، وأثر ذلك في مستقبل الدولة المغربية.

تُمثّل الدراسة السابعة عشرة، وهي بعنوان إسلامي واقعي وليبرالي أم بنيوي: مسارات الدولة والأمة في التنظيم الدولي المعاصر، للباحث الكويتي مشاري الرويح، وهو باحث متخصص في النظرية الإسلامية في العلاقات الدولية، محاولةً لتوصيف إشكالية الدولة والأمة التي لا يمكن تجاهلها في أيّ جهدٍ نظري وبحثي، وفي فهم أيّ فعلٍ ذي توجّه إسلامي في التنظيم الدولي المعاصر وتفسيره؛ وذلك بقراءة مفهوم الأمة الإسلامية من خلال أدبيات العمل الجماعي المعنوي والمؤسساتي وعناصره، لإضفاء قدرة تشغيلية أكبر على هذا المفهوم، وربطه بهيكل التنظيم الدولي المعاصر من جهة، وبالدولة من جهة أخرى.

وينتقد الباحث مستويات التحليل التقليدية بافتراض أنها الأرضية البحثية، بل الوجودية التي يجري من خلالها توصيف طبيعة الدولة وهيكل العلاقات الدولية، إضافةً إلى أنّها خريطة لتتبع العلاقات بين تلك الكيانات.

في الدراسة الثامنة عشرة، وهي بعنوان ما صلاحية دولة المدينة ونظام الخلافة الراشدة كأنموذجين لدولة إسلامية معاصرة؟، وهي الدراسة الأخيرة في هذا الكتاب، يتساءل الباحث السوداني موسى محمد الباشا المتخصص في القانون الدستوري وإشكاليات الحركات الإسلامية بين الخطاب والممارسة والتطبيق: هل الإطار التنظيمي الذي أوْجَدَه الرسول الخاتم في يثرب هو كيان دولةٍ مارسَ من خلالها سلطةً زمنيةً، كما يزعم بعض المنتسبين إلى التيارات الإسلامية السياسية؟ وما جوهر طبيعة مرجعية الشرعية التي بمقتضاها تسنَّم الخلفاء الراشدون الحُكم، وأمسكوا بمقاليد السلطة، ومارسوا صلاحيات النظر والتقرير في أمور المسلمين العامة الدينية والدنيوية؟

______________________

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *