بقلم عبدالعزيز التويجري

شاركت في الاجتماع الرفيع المستوى لمركز نظامي قنجوي الدولي، الذي عقد في القاهرة (14-16/1/2017)، بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية، حول موضوع «الأمن الديموقراطي في زمن التطرف والعنف».

والحقيقة أن موضوع الاجتماع كان على قدر كبير من الأهمية، لأنه يتضمّن حالة شديدة التعقيد تتطلب مواءمة بين احترام القواعد القانونية والالتزام بسلطة القانون، وحماية الأمن وتوفير الظروف الملائمة لاستتبابه، وبين التصدي للتطرف والعنف ومحاربتهما. وهذه المواءمة تفرض أن تكون السياسات المتبعة في مجال حماية المجتمعات الإنسانية من الأزمات الناتجة من تفشي الجرائم السياسية والجنائية التي تهدد الأمن العام، في إطار من التوازن بين الحقوق والواجبات، الحقوق التي يكفلها القانون.

ويمكن أن نلخص هذه المعادلة في السؤال التالي: هل يقتضي حفظ الأمن ومحاربة الجريمة، سواء كانت سياسية أم جنائية، خرقَ المقتضيات الدستورية، وانتهاك القوانين تحت ضغط الضرورات الأمنية؟

إن الديموقراطية تلزم الدولة باحترام الدستور والقانون في جميع الحالات، مهما تكن الظروف التي يمر بها المجتمع، لأن هذا الالتزام بالديموقراطية هو الذي يضمن تخطّي الأزمات واجتياز المراحل الصعبة. وهو الأمر الذي يتطلب تطبيق القانون وفقاً للدستور والإجراءات القانونية، بحيث لا يجوز أن يكون هناك أي مبرر للتضحية بالديموقراطية بتجاوز الدستور والقوانين المنظّمة لحياة الأفراد والجماعات، لما في ذلك من تحريض للخارجين عن النظام العام على الإمعان في ارتكاب الجرائم.

إن إعمال القانون لمواجهة التطرف الذي يُفضي إلى العنف الذي هو الوقود للإرهاب، يقطع الطريق على الجماعات المتطرفة التي تنخرط في العمليات الإرهابية وتهدد أمن المجتمعات واستقرارها. ولئن كان هناك من ينادون بعدم الالتزام بالقواعد القانونية في التعامل مع المتطرفين المتعصبين الذين يخططون للإرهاب وينفذونه وينغمسون فيه، فإنه يغيب عن هؤلاء أن سلطة القانون أقوى من سطوة الإرهاب، وأن الغلبة تكون للقانون، حتى لو طال زمن الصراع.

فالعمل بما ينادي به مَن يدعو إلى تخطي النهج الديموقراطي في زمن المواجهة مع التطرف والعنف والانخراط في محاربة الإرهاب، ستكون له عواقب وخيمة من شأنها أن تُفقد الدستور والقوانين هيبتها ومصداقيتها، وتُزيّن لمن يرغب في التسلّط والتحكّم تجاوز الخطوط الحمر التي تصبح الديموقراطية خارجها اسماً دون جسم.

من هنا يكون موضوع «الأمن الديموقراطي في زمن التطرف والعنف» ذا أهمية بالغة، ودلالة عميقة. لأن البديل للأمن الديموقراطي، لن يكون بطبيعة الحال، إلا الأمن المضاد للديموقراطية، أي الأمن الذي لا يلتزم بالدستور والقانون، أو الأمن الذي يطوّع الدستور والقانونَ لمصلحته بحيث يجعلهما يتلاءمان مع الإجراءات الأمنية المتخذة. وفي ذلك، على وجه الإجمال، مخاطرة جسيمة باهظة التكاليف.

إن عالمنا يعيش اليوم في صراع محتدم مع الأخطار التي تهدد الأمن والسلم الدوليين. ولقد استفحلت ظاهرة التطرف والعنف بدرجة كبيرة، سواء على مستوى الأفراد والجماعات، أو على مستوى بعض الحكومات التي تمارس إرهاب الدولة، أو تدعم تنظيمات إرهابية تحت أي شعار، بحيث صارت ظاهرة كونية كما يطلق عليها بعض الخبراء الاستراتيجيين وفقهاء القانون الدولي. وبقدر ما تَتفاقَمُ الأخطار الناتجة من انتشار الأعمال الإرهابية في مناطق عدة من العالم، يَتزايَدُ الاهتمام بالحرص على احترام حقوق الإنسان، ومراعاة الضمانات الحقوقية.

وفي غمرة ما يسمى اليوم «الحرب على الإرهاب»، وهي تسمية مبهمة وحمالة أوجه، تطرح هذه القضية بإلحاح شديد، لأن منطق هذه الحرب المشهرة على الإرهاب لا يقضي بإعلان الحرب على حقوق الإنسان. ففي هذه الحالة ستكون حرباً بأثر عكسي، وستكون العواقب وخيمة إلى أقصى درجة، وستغرق المجتمعات الإنسانية في بحار من الفوضى.

ففي زمن تفاقم ظاهرة التطرف والعنف، وفي هذه المرحلة التي تتميز بما يعرف بالحرب على الإرهاب، تختلط الأوراق، وتتضارَبُ المفاهيم، مما يستدعي توخي الحذر والفهم العميق للتعقيدات التي تطبع الأوضاع والتحالفات في الشرق الأوسط. ومهما يكن من أمر، فإن الكرامة الإنسانية ينبغي أن تكون فوق كل اعتبار، وحقوق الإنسان يجب أن تكون مكفولة على أوسع نطاق.

وإنّ مما يبعث على الألم والأسى، تحوّل الصراعات القائمة في المنطقة العربية بالخصوص، إلى حروب أهلية بروح طائفية تخدم مصالح قوى إقليمية ودولية على حساب أرواح مئات الألوف من الأبرياء وملايين المهجَّرين والمشرَّدين، كما هي الحال في سورية والعراق واليمن، أو بروح قبلية مناطقية كما هي الحال في ليبيا والصومال.

وليس من شك في أنه لن يُعيد الأمنَ والسلم والديموقراطية لهذه البلدان إلّا احترام إرادة شعوبها وعدم التدخل في شؤونها، أو فرض أنظمة تسلطية قمعية عليها، وإخضاعها لهيمنة فئة طائفية أو عرقية من سكانها على بقية الفئات. فالديموقراطية هي احترامُ إرادة الشعوب في اختيار من يتولى إدارة شؤونها وحماية مصالحها.

***

عبدالعزيز التويجري ـ أكاديمي سعودي

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *