إن المتتبع لواقع الاقتصاد الليبي يقف حائرا متسائلا عن الكيفية التي يمكن بها تحقيق وإنجاز نقلة نوعية للاقتصاد إذ يرى أمامه اقتصادا محطما، ضعيفا، يئن من وطأة كثير من المشاكل، ويعاني بعض الأمراض المستعصية التي تحتاج إلى جراحات جذرية، وبشيء من التفاؤل قد يهتدي إلى بعض الأفكار المتفائلة،
إلا أنها تظل أفكارا مقابل واقع محبط يملؤه التشاؤم وتكثر فيه العراقيل. حيث إن النظــام السابق خلَف وراءه تركة اقتصادية ثقيلة تمثلت في اقتصاد مفكك الأوصال، غير متنوع الإنتاج خال من الرؤى والأهداف والسياسات، مجهول الهوية، يفتقر إلى أبسط الأبجديات الإدارية.
وإنه من خلال الفحص المباشر البسيط لبعض مكونات ومظاهر الاقتصاد الليبي، يجد المرء، وبدون كثرة عناء، ما يلي:
قطاع عام مترهل، يتكون من العديد من المؤسسات الجوفاء، ينخر في عمودها الفساد، ويعاني معظمها، إن لم يكن كلها، من تراكم الخسائر وتدني الطاقات الإنتاجية بل وتوقف بعضها، وتقادم الأصول، وكبر حجم العمالة، وضعف واضح في معدلات الإنتاج والإنتاجية، وارتفاع التكاليف، إضافة إلى الخلل المستفحل في الهياكل الإدارية والتمويلية، وغيرها من المؤشرات السلبية الأخرى المرتبطة عادة بهيمنة القطاع العام.
قطاع خاص غير ناضج، ضعيف ومتردد، يعمل في بيئة غير مناسبة وغير متكافئة من نواحٍ عدة، التشريعية الإدارية والاقتصادية، حيث لا تتوفر لمؤسسات القطاع الخاص البنية التحتية اللازمة لانطلاقه وقيامه بدور ريادي متميز، إذ عمل النظام السابق على محاربة القطاع الخاص وتجريده من إمكانياته وبمختلف الصور، حيث أقفل كثيرا من مجالات العمل والاستثمار أمام المستثمرين الخواص، بعد أن منعه وبشكل تام من ممارسة العملية الاقتصادية لأكثر من عقدين.
حزمة كبيرة من التشريعات الاقتصادية من القوانين والقرارات واللوائح والتوجيهات، متراكمة يتناقض بعضها مع بعض، تعرقل في مجملها الحركة الاقتصادية، بل في كثير من الأحيان وجهت بعض التشريعات لخدمة ومنفعة فئة معينة، وانعكس كل ذلك في تدني الكفاءة، بل وانعدامها في كثير من الأحيان.
موارد وإمكانيات اقتصادية مهدورة يأتي في مقدمتها النفط والغاز رغم ضخ النفط بمعدلات مقبولة وفق الحصة المقررة من منظمة الدول المصدرة للنفط، وذلك إلى عهد قريب، وكان من المفترض أن تؤدي الإيرادات النفطية المتراكمة إلى إنعاش الاقتصاد الليبي، وتنويع قاعدته الإنتاجية وتشكيلته التصديرية، ومصادر دخله، فإن الواقع الموروث من النظام السابق يشير إلى استمرار اعتماد الاقتصاد الليبي على النفط الخام والغاز الطبيعي مصدرين أساسيين للدخل وللصادرات.
إذ لا يوجد قطاع اقتصادي أخر غير قطاع النفط والغاز يسهم بقيمة مضافة فعلية حقيقية في الناتج المحلي الإجمالي، هذا إضافة إلى وجود إمكانيات وموارد أخرى كان بالإمكان استثمارها لتنويع القاعدة الإنتاجية والتصديرية للاقتصاد إلا أنها أهملت لسبب أو لآخر أو تم التعامل معها بشكل سطحي ولمنفعة فئة أو جهة معينة.
والآن وبعد أن اختفت النظرة التحكمية في مقاليد الحياة الاقتصادية بفضل الله تعالى يتعين علينا أن نقف متسائلين:
الاقتصاد الليبي .. إلى أين ؟؟
وفي هذا الإطار يمكننا الإشارة وبشكل عام، إلى النقاط التالية التي تحتاج إلى نقاش عميق وحوار وطني جاد من كل المتخصصين والمهتمين بالشأن الاقتصادي وبالشأن العام، وهذه النقاط هي:
1ـ تحديد الإطار العام المرجعي، والإتفاق على هوية الإقتصاد الليبي الجديد، وتحديد الملامح الرئيسية “لرؤيتنا” للإقتصاد الليبي في ضوء مبادئ وأهداف ثورة 17 فبراير.
2ـ إعادة رسم دور الدولة ودور القطاع الخاص وفق المنظور العلمي السليم الذي يأخذ في الاعتبار خصوصية الوضع الليبي. والتجربة المريرة الماضية، من جهة ، ودوائر عمل واختصاص وكفاءة كل من القطاعين من جهة أخرى، مع ضرورة تأكيد أهمية تكامل وتضافر جهود وإمكانيات القطاعين لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية العامة للوطن والمواطن.
3ـ إعادة النظر في كافة التشريعات الاقتصادية ودراستها بشكل موضوعي من قبل المتخصصين وفق مصلحة الاقتصاد، والقيام بكل ما يلزم لتنقيتها بإلغاء المعيق منها، وتعديل ما يمكن تعديله، والإبقاء على المفيد منها.
4ـ المراجعة الموضوعية والمتأنية لكل ما أنجز من دراسات وبحوث وبرامج اقتصادية هادفة. تلك الدراسات التي شخصت الواقع، وحددت المشاكل، واقترحت الحلول لكثير من القضايا الرئيسية في الاقتصاد الليبي، وتحديثها وتقديم الجيد منها للمسؤولين للاسترشاد بها في رسم المسار الاقتصادي المستقبلي للبلاد.
إن هذه النقاط إضافة إلى نقاط أخرى مهمة غيرها، ستمكن من وضع الاقتصاد الليبي في مسار عام أولى لينطلق بعد ذلك، وتظل قضية الأولويات والتفاصيل رهينة بالإمكانيات المتاحة، وبالإطار الزمني للتنفيذ.
وكمحاولة أولية لزيادة التفصيل والشرح على النقطتين الأولى والثانية أعلاه، فإننا نؤكد ضرورة إصدار رؤية واضحة المعالم والأهداف، توضع على أساسها خطة استراتيجية متوازنة تأخذ في الاعتبار الإمكانيات، وتحقق الطموحات، تنفذ بشكل مرحلي علمي سليم، وفي هذا الصدد يمكن أن نقترح أن تكون رؤيتنا للإقتصاد الليبي تدور حول مفردات ومصطلحات الفقرة الشمولية التالية:
“أقتصاد منتج، متنوع مصادر الدخل، ذو قاعدة إنتاجية عريضة، مبني على أسس معرفية نقنية في معظم قطاعاته، يمتلك القطاع الخاص، الوطني والأجنبي، الدور الريادي في اقتحام مجالات الاستثمار والإنتاج، وتضطلع الدولة بدورها المتميز في تهيئة المناخ ووضع السياسات الاقتصادية الفعالة وبما يحقق الاستخدام الأفضل للموارد، ويمتلك مميزة تنافسية في مجال الخدمات خاصة في مجالات الاستثمار غير التقليدية كالمناطق الحرة وتجارة العبور والسياحة، بل ومصدرا لها على أسس تنافسية، وتتميز فيه معدلات الاداء بالتوازن والاستقرار، ومعدلات التضخم والبطالة بالإعتدال، ويساهم في منظومة الإقتصاد العالمي بشفافية وعلى أسس متكافئة“.
هذا فيما يتعلق بالإطار المرجعي، اما فيما يتعلق بدور القطاعين العام والخاص فإن معظم الأدبيات والدراسات والبحوث تشير إلى أن القطاع الخاص أكفأ وبشكل واضح في تخصيص الموارد وإدارة الإقتصاد مقارنة بالقطاع العام، عليه يتعين ضرورة خروج الدولة من دائرة النشاط الاقتصادي المباشر، وأن يترك ذلك للأفراد ومؤسسات القطاع الخاص، وحتى يكون عرضنا أكثر تحديدا، فإنه بالنظر إلى خصوصية الوضع في ليبيا فإننا نؤكد على ما يلي:
ـ استمرار الدولة في توفير مجموعة حيوية من السلع العامة (المرافق العامة)، إضافة إلى تلك السلع ذات الجدارة الاجتماعية، كالتعليم والصحة والإسكان، مع فتح المجال للقطاع الخاص للإستثمار في توفير هذه السلع الأخيرة شريطة أن يكون ذلك وفق أسس علمية سليمة وفي إطار المصلحة العامة، كذلك ضرورة استمرار الدولة في ملكية وأحيانا في إدارة القطاعات الاستراتيجية.
ـ خروج الدولة من بقية القطاعات الاقتصادية كافة، وترك ذلك للأفراد ومؤسسات القطاع الخاص، شريطة أن يكون ذلك بعد تهيئة المناخ التشريعي والإداري المناسب، وبما يحقق مصلحة الوطن والمواطن.
ونرى في هذا الصدد أن تتوفر الحوافز المجزية والسياسات الاقتصادية الفعالة لتوجيه الاستثمارات المحلية والأجنبية نحو القطاعات الواعدة التي يمتلك الاقتصاد الليبي فيها ميزة تنافسية، هذه القطاعات منها:
ـ ما هو مرتبط بالإرث الثقافي التاريخي كالسياحة.
ـ ما هو متعلق بالموقع الجغرافي المتميز للبلاد كالمناطق الحرة ومراكز التمويل الدولي وتجارة العبور.
ـ ما هو متعلق بالموارد المتاحة محليا كصناعة البتروكيماويات وغيرها.
ونؤكد ضرورة أن يكون الدخول للإستثمار في هذه القطاعات وفق رؤية اقتصادية صحيحة تمكن الاقتصاد الليبي بإذن الله من الخروج من دائرة النمو والتنمية، وليتبوأ مكانته ضمن المنظومة الإقليمية والعالمية إن شاء الله.
***
أ.د عبد الله امحمد شامية ـ باحث اقتصادي وأكاديمي ليبي
________________
order priligy online uk t realize that the cars they drive have mini computers on board that dictate everything from braking to even the gas meter