بقلم راشد الغنوشي

ما زالت تونس التي انطلقت منها شرارة الربيع العربي تناضل ضد الطغيان والقمع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويعود ذلك إلى حد كبير إلى ثقافة التعاون والمصالحة بين الأحزاب الإسلامية والعَلْمانية التي بُنيت وطُوِّرت بوعي وثبات على مدى السنوات، بل العقود الماضية.

لم تكن الرحلة الصعبة من الدكتاتورية إلى الديمقراطية لتبدأ في تونس بغير الشراكات الحزبية. وفي عملية الانتقال تلك، تمكّنت تونس من أن تتغلّب على مخاطر الاستقطاب الإيديولوجي واحتكار العملية من جانب هذا الطرف أو ذاك. وتمكنت البلاد من تحقيق ذلك عن طريق بناء الائتلافات بين أحزاب مختلفة تتنوع منطلقاتها الفكرية، وتنمي في ما بينها التزاماً مشتركاً بالديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان، وتحقيق المطالب الرئيسية للثورة.

وقبل وقت طويل من ظهور نتائج أول انتخابات حرة وعادلة في تونس في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2011، كان الحزب الذي أقوده – حزب النهضة – وعدد من الأحزاب الأخرى قد توصل إلى قناعة بأن إقامة الأسس لتونس الديمقراطية تتطلّب تشكيل حكومة ائتلافية.

كان علينا أن نُبلور ثقافة ديمقراطية سياسية جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والتعايش بين الأحزاب، وعلى الأخص بين التيارين الفكريين المحوريين في المجتمع التونسي: العلمانيين المعتدلين والإسلاميين المعتدلين. مع العلم أن هذين التيارين كانا منذ زمن طويل بمثابة الجناحين الرئيسيين للحركة الوطنية، والعنصرين الحاسمين للمشروع الديمقراطي.

منذ أكثر من عقد، أطلقت أحزاب المعارضة والناشطون في تونس مبادرة جمعت الناشطين السياسيين من شتى الأحزاب، والصحفيين ودعاة حقوق الإنسان والمستقلين في هيئة سُمِّيتَ في ما بعد لجنة 18 تشرين الأول/أكتوبر“. وقد بدأت المبادرة نشاطها بإضراب مشترك عن الطعام في العام 2005 لتسليط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان وما يعانيه السجناء السياسيون في السجون والمعتقلات.

ثم تحولت هذه المبادرة إلى منتدى للحوار بين ممثلي المعارضة لوضع رؤية مشتركة لنظام سياسي ديمقراطي جديد في تونس. وبعد مداولات تفصيلية مطولة وعميقة، أصدرت اللجنة أوراق موقف مشترك حول المبادئ الأساسية لنظام سياسي جديد، بما في ذلك الآليات الخاصة بالتداول السلمي للسلطة، والمساواة بين الرجل والمرأة، وحرية الاعتقاد والرأي، والعلاقة بين الدين والدولة.

لم تكن هذه العملية بالأمر الهيّن. فقد هاجمها من يعارضون الحوار بين العلمانيين والإسلاميين. وواجه المشاركون حملات تخويف مُكثَّفة وهجمات شخصية من نظام زين العابدين بن علي، الذي استمات في محاولة الحيلولة دون حدوث أي تقارب بين جماعات المعارضة.

وكثيراً ما شُغلت أحزاب المعارضة العربية بحرب ضروس في ما بينها بدلاً من التركيز على المجرم الحقيقي: ألا وهو الأنظمة الدكتاتورية الجائرة.

وعندما سمحت أحزاب المعارضة لنفسها بالانجراف مع أصحاب السلطة على أمل استئصال منافسيها الإيديولوجيين، فقد تحوّلت أحياناً إلى ألعوبة بأيدي زعماء السلطة الدكتاتورية الذين تلاعبوا بالانقسامات الإيديولوجية ببراعة وحوّلوها لصالحهم بتأليف معسكر إيديولوجي ضد آخر قبل الانقضاض عليهما معاً.

لقد استطاع الانتقال الديمقراطي في تونس تحاشي جميع السياسات الإقصائية والمغالية في التطرف، وذلك بإقامة الشراكات بين أحزاب ذات خلفيات فكرية مختلفة.

ضمّت الحكومة الائتلافية الأولى (2011-2014) حزب النهضة وحزبَيْن عَلْمانيَيْن من يسار الوسط (حزب التكتل وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية). وقد أثبت ذلك أنه نموذج رائد للتعايش بين الأحزاب العَلْمانية والإسلامية. وتضم الحكومة الائتلافية الحالية خمسة أحزاب، بما فيها العلمانيون واليساريون والنقابيون، وشخصيات من يمين المركز، والديمقراطيون الإسلاميون.

إن إنجاح هذه الشراكات يتطلّب التزاماً مبدئياً بالتعددية واستعداداً لتحقيق الإجماع عبر الحوار والمصالحة.

ولا يمكن إعادة بناء ديمقراطية مستقرة شاملة تعكس إرادة الشعب وتنأى بنفسها عن الاستقطاب، وعن القضاء على الرأي المخالف وعن الدكتاتورية، إلا بالتخلّي عن جميع المواقف تجاه الخصوم السياسيين، من أجل الوصول إلى المنافسة السياسية السليمة، والتعددية والتعاون.

***

راشد الغنوشي سياسي ومفكر تونسي، ورئيس حزب النهضة: له مؤلفات عديدة عن الإسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو من أبرز دعاة الديمقراطية في العالم الإسلامي.

      1. _______________

المصدر: تقرير مؤسسة كارنيغي (انكاسارات عربية: مواطنون، دول، وعقود إجتماعية

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *