بقلم د. محمد فايز فرحات

لا يوجد إقليم أسست تفاعلاته للحديث عن حالة الانتقالأو التحولمثل إقليم الشرق الأوسط، فمنذ انهيار النظام ثنائي القطبية عقب انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة كانت فكرة التحولوالانتقالهي السمة الأغلب لوصف حالة إقليم الشرق الأوسط، على نحو أسس ليس فقط للحديث عن نمط جديد من التحالفات الجديدةفي الإقليم، أو التوازنات الجديدة، أو الفاعلين الجددمن الظواهر،

ولكن وصل الأمر في بعض المراحل إلى الحديث عن هوية جديدة للإٍقليم، عبر طرح مفاهيم  مثل الشرق الأوسط الجديد، أو الكبيرأو الموسع، سواء لجهة نمط التفاعلات والتوازنات الجديدة، أو لجهة ضم دول لم تكن جزءا من التفاعلات والتوازنات التقليدية بالإٍقليم.

ولازالت سمة الانتقال أو التحول قائمة منذ بداية التسعينيات وحتى وقتنا الراهن، على نحو لا يمكن القطع بأننا سنشهد قريبا وضوح الشكل النهائي أو النمط النهائي للتفاعلات الأساسية بالإقليم، أو هويته وحدوده.

إن ظاهرة التحولأو الانتقالبطبيعتها هي ظاهرة مؤقتة، تمثل لحظة كاشفة للتحول في هيكل توزيع القدرات الشاملة، الاقتصادية والعسكرية والثقافية، سواء على مستوى الإقليم أو على مستوى النظام العالمي.

وغالبا ما يتم الكشف عن هذه التوازنات الجديدة عبر الحروب أو الصراعات الدولية، التي سرعان ما تعبر عن نفسها على مستوى الإقليم في شكل إعادة هيكلة التحالفات ونمط التفاعلات الإقليمية القائمة، أو من خلال حروب والصراعات على مستوى الإقليم ذاته.

وقد كان إقليم الشرق الأوسط مسرحا رئيسيا في تأكيد عملية الانتقال على مستوى النظام الدولي في مراحل عديدة.

وواقع الأمر إن استقرار سمة الانتقالوالتحولفي إقليم الشرق الأوسط أصبحت سمة مستقرة للإقليم نتيجة عدد من العوامل الهيكلية،

نشير هنا إلى ثلاثة منها:

العامل الأول، يتعلق بغياب نظام إقليمي واضح المعالم؛ سواء بسبب ضعف النظام الإقليمي العربي، أو بسبب عدم وجود نظام إقليمي شرق أوسطي يستوعب التفاعلات الإقليمية ويؤسس لنمط تفاعل مستقر بين دول الإقليم أو بين الإقٍليم والنظام العالمي.

إن غياب مثل هذا النظام حتى الآن يجعل التفاعلات الإقليمية أكثر حساسية للتفاعلات الدولية، ويؤسس لما يمكن وصفه بحالة اختراقمستقرة من جانب القوى الدولية للإقليم، حيث تصبح القوى الدولية أقرب إلي كونها جزءا من الإقليم.

إن وجود مثل هذا النظام الإقليمي يمثل أحد الضوابط المهمة لضبط العلاقة بين النظام العالمي والنظام الإٍقليمي، وبين النظام الإٍقليمي وغيره من الأقاليم أو الأنظمة الإٍقليمية.

وعلى سبيل المثال، فإن وجود نظام إقليمي قوى في إقليم جنوب شرقي آسيا، في إطار منتدى الآسيان، يمثل ضابطا مهما لعمليات تدخل القوى العالمية في الإقليم، الأمر الذي يجعل عمليات الانتقال والتحول في الإقليم مراحل انتقالية مؤقتة.

العامل الثاني هي عدم استقرار الوحدة السياسية الأساسية التي تستند إليها التفاعلات الإٍقليمية، ممثلة في الدولة“.

ففي الوقت الذي تعد فيه الدولة هي الفاعل الوحيد تقريبا الذي تنتظم حوله التفاعلات الإقليمية في معظم الأقاليم، لازال الفاعلين من دون الدولة في الشرق الأوسط مسئولين عن نسبة كبيرة من هذه التفاعلات؛ إذ لا يمكن إغفال دور كيانات كحزب الله وحركة حماس، على سبيل المثال، كفاعلين مهمين مسئولين عن تشكيل وإدارة جزء من تفاعلات الإقليم، على خلفية حجم التفاعلات المرتبطة بهؤلاء الفاعلين، بل وحجم الاعتراف الذي حظي به هؤلاء الفاعلين على المستويين الإقليمي والدولي في مراحل معينة، وتحولهم إلى أدوات مهمة لإدارة التفاعلات الرئيسية داخل الإٍقليم.

أضف إلى ذلك عدم استقرار ظاهرة الدولة الوطنية ذاتها بالإٍقليم، والتي باتت تواجه تحديات كبيرة منذ بداية ما عرف بموجة الربيع العربي.
وعلى الرغم من وجود مثل هذه التحديات في بعض الأقاليم الأخرى، مثل مشكلة التبت في شرقي آسيا، لكن ظلت الدولة هي الوحدة الوحيدة التي تنتظم حولها التفاعلات الإٍقليمية، والمسئولة عن إدارة هذه التفاعلات.

العامل الثالث يتعلق بعدم قدرة دول الإٍقليم على اعتماد مقاربات إٍقليمية شاملة في التعامل مع التحديات الأمنيةالتقليدية وغير التقليديةبالإقليم، وعدم قدرتها على الاستفادة من الخبرات الإٍقليمية المناظرة في هذا المجال؛ وذلك بسبب استمرار التمسك بالأسس الدينية والمذهبية والعرقية (القومية) في تحديد هوية النظام الإٍقليمي أو الأنظمة الإقليمية الفرعية.

ففي الوقت الذي باتت معايير الاعتماد المتبادل، أو التكامل الطوعيهي المعايير الحاكمة في تحديد حدود النظام الإٍقليمي، لازالت دول الشرق الأوسط تعتمد الانقسامات الدينية والمذهبية والعرقية كأساس لتحديد هوية وحدود النظام الإقليمي.

وعلى سبيل المثال، فقد استند النظام الإقليمي الذي تطور في جنوب شرقي آسيا في منتصف ستينيات القرن الماضي إلى معيار أيديولوجي، على خلفية معاداة الأنظمة الشيوعية والتي شكلت تهديدا رئيسيا لدول الإقليم خلال تلك الفترة، فقد أبدت دول النظام درجة كبيرة من التأقلم مع تحولات النظام العالمي واختفاء هذا التهديد، ومن ثم إعادة النظر في حدود النظام الإقليمي، وهو ما عكسه تشكيل المنتدى الإٍقليمي للآسيان” ASEAN Regional Forum، الذي يضم الآسيان بالإضافة إلى ١٦ دولة أخرى (استراليا، كندا، الصين، الهند، اليابان، نيوزيلندا، كوريا الجنوبية، روسيا، الولايات المتحدة، بابوا نيو غينيا، كوريا الشمالية، منغوليا، باكستان، تيمور الشرقية، بنجلادش، وسريلانكا)، والآسيان +٣” (دول الآسيان+ الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية).

وقد تم استحداث هذه الصيغ كنوع من التأقلم مع البيئة الأمنية المتغيرة في المنطقة، وظهور أنماط جديدة من التحديات والتهديدات غير التقليدية، خاصة الإرهاب، والأمن البحري، والتغير المناخي، والجريمة المنظمة عابرة الحدود.

وعلى العكس من تلك الخبرة المهمة، لازالت دول إقليم الشرق الأوسط غير قادرة على تطوير مقاربة تقليدية في التعامل مع مفهوم هوية النظام الإٍقليمي أو الأنظمة الإقليمية الفرعية، ولازالت دول الإٍقليم غير قادرة على التمييز بين هويات الفاعلين، وهوية النظام الإٍقليمي.

وطالما استمرت هذه السمات فإنه من غير المتوقع بناء نظام إٍقليمي مستقر وفاعل في الشرق الأوسط في المدى القريب.

وهكذا، وفي ضوء العوامل السابقة، سيظل العنوان الدائم لحالة الشرق الأوسط هو الانتقال، والتحول، أو الوقوف على أعتاب مرحلة جديدة، أو مفترق الطرق“…إلخ من هذا النوع من التوصيفات.

وسيظل هذا النوع من العناوين صالحا لوصف حالة الإٍقليم دونما دلالات قاطعة على أنها حالة انتقالية، أو حالة مؤقتة كاشفة عن مراحل التحول والانتقال.

***

د. محمد فايز فرحات ـ رئيس برنامج الدراسات الآسيوية مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

__________________

 

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *