مركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية يحاور الفيلسوف الفرنسي دومينيك مرتان ، وهو رئيس المعهد المغربي للعلاقات الدولية، وأستاذ مبرّز في الفلسفة وعلم الاجتماع ، وأستاذ زائر بجامعة ليون الفرنسية، وهذا نصه:
هل عرف المغرب الاقصى تجربة “التغيير في اطار الاستقرار” بعد حراك 21 فبراير2011 وانتهى الى صيغة جديدة اصلاحية وغير ثورية ؟
نعم اختار المغرب تجربة التغيير في اطار الاستقرار بعد الربيع العربي الذي انطلق من تونس سنة 2011. مثل المغرب نقطة استثنائية رغم ان التحركات كانت شعبية وثورية الى حد ما .
ولكن عليك ان تعرف ان الحراك وقع في ملكية قديمة وليس في نظام جمهوري، وهذه بداية الفرق فالملكيات القديمة تنشئ نوعا من الاستقرار حولها يشعر فيه الناس ان الملكية ضمانة.
التحركات كانت جماعية ولكنها كانت بعيدة عن العنف والتدمير .
ولتفهم ما يجري عليك ان تقرا طبيعة العلاقة بين الدولة والنخب وعلاقتها المعقدة والمركبة في التاريخ المغربي الحديث بعد الاستقلال.
فبين عنف الدولة وانفتاحها السياسي نشأت مجموعة من العلاقات بين النخب والدولة وصارت علاقات تارخية لم تكن فيها الدولة بمنأى عن النخب نهائيا بل كانت العلاقة طردية . فقد نشات مجموعة من العلاقات بين النخب القديمة والنخب الحديثة والطبقات الاجتماعية في العمق المغربي.
نشا جدل كبير حول ملف حقوق الانسان والمساواة بين المراة والرجل بالإضافة الى تحركات الاسلاميين . وفي مرحلة ثانية بدات الأمور تتغير نحو تعديلات دستورية بمبادرات ملكية مخزنية لتساير الاوضاع وتهدئ من روع الامور. وسنرى من ذلك الوقت أن كل الطبقة السياسية باتت مشرئبة الى تغيير ما ترنو الى مرحلة انتقالية ما ومرتبطة بتغيير في الافق. ونشات في المغرب نوع من الديمقراطية المسيجّة والمؤطرة غير المنفلتة.
في المغرب نظام الملكية لم يتحول كثيرا عما كان عليه زمن محمد الخامس النخب في المغرب عسكرية وسياسية وتجارية وصناعية وادارية . الهوة بين الاغنياء والفقراء ردمتها الطبقة الوسطى التي اراد ان يحافظ عليها كي يحفظ التوازن الاجتماعي الامر يختلف عما وقع في بلدان الربيع العربي الاخرى وهذا ما يفسر الاستثناء المغربي.
لم يكن ما وقع شبيها بلعبة” الدومينو” كما حصل الامر بداية من تونس الى مصر وليبيا واليمن ولا يتعلق بثورات رومنسية، ولكن حراك اجتماعي انسجم مع طبيعة التاريخ وامتد الى ثمانية بدان عربية من المغرب الى العربية السعودية مرورا بمصر والبحرين. ثم تحول الربيع العربي الى شتاء عربي بفعل الانكسارات لان الخطاف لا يصنع الربيع .
ففي البحرين مثلا وقع انكسار بسبب طبيعة التحركات الشبابية في اغلبها والتي تتسم بالنشاط والحيوية والمرجعية في توجهاتها التي سبقت “الإصلاح الايديولوجي” بين قيم الغرب والثقافة التقليدية الماثلة في العالم العربي. اذا دققنا النظر علينا ان نعرف ان العالم بأسره وقعت فيه اصلاحات ايديولوجية وسياسية سابقة كما هو الامر في امريكا اللاتينية في السبعينات، واوربا الجنوبية والتغييرات في اتحاد الجمهوريات السوفياتية بمجيئ “البروسترويكا” زمن غروبتشاف.
ما يجب فهمه ان الربيع العربي نشأ من الامل في التغيير والتحديث والعصرنة وتوسعة المجال الحيوي العام في وجه الشعوب المنكوبة بالديكتاتورية والقمع الوحشي كما وقع في الحالة السورية التي انطلق فيها التوحش من عقال التمدن ثم الليبية وجزئيا في الحالة اليمنية. نشات انظمة جعلت الحروب الأهلية بين الشعوب لم تقدم شيئا للاجيال، واتسمت بالقمع وغياب التنمية. وسجرت لشعوبها تنورا من المآسي والفوضى.
يبدو الفرق الجوهري بين ثورات الربيع العربي و ثورات الاستقلال هو الاصرار على متابعة حصاد الثورة ورفض الشعوب تسليم الامر لنخبها كما وقع اثر خروج الاستعمار في النصف الثاني من القرن العشرين. ما رأيكم؟
بعد ثورات الاستقلال وخلال مراحل المقاومة كانت النخب أكثر ثورية وصدامية وراديكالية من نخب ما بعد الاستقلال. إعادة بناء المجال السياسي بعد الربيع العربي بعد الحراك الثوري يفرض علي سؤال النخبة ومآلاتها فرضا. دول المغرب العربي والمشرق لم تكن فيها نخب قيّمة بعد الاستقلال ولم تكن تنهج النهج نفسه الذي نهجته النخبة الغربية. النخب استوعبتها الانظمة، والبقية سحقتها النظم العسكرية التي ترى نفسها تمتلك شرعية التحرير .
النخب العسكرية والتكنوقراطية هي التي تملك زمام الأمور في المنطقة وبسهولة. لا يمكننا وسم العالم العربي بانه عالم لم يعرف الحداثة بل نعتبر ان مشروع الحداثة قد خانته النخب الاولى التي جاءت بعد المرحلة الاستعمارية. كل قيم الحداثة الغربية والانتقال الغربي القيمي السياسي والاجتماعي في القرن 17، الذي انقلب على قيم وثقافة العصر الوسيط باعلاء العقل ومطلب الحرية والتنظم السياسي و اسئلته العلمية التي جعلت من الممكن السيطرة التقنية على العالم ،وقطيعته الثقافية و كل الاسئلة انتقلت الى النخب العربية بعد الاستقلال. الشعوب الحرة تنتقل من سرمد الماضي الى الحاضر الى عالم جديد حسب ماكس فيبر . التراث الغربي انتقل من الحداثة الى نقد الحداثة. ولا شيئ غير قابل للنقد. الشعوب طرحت سؤال التحرر من الاستعمار في القرن العشرين ثم سؤال التحرر مما رسمه من بعد.
ولكن البعض يتحدث عن “جريمة الربيع العربي” المدبرة لتقسيم المنطقة واحتراب الشعوب العربية ويتحدث عن خسائر فادحة بسببه ؟
نعم توجد هذه المقاربة. وهنالك في دمشق من يرى هذه الاطروحة ويدعمها اعلاميا، ويروج لها موحيا بأن الربيع العربي مدبر من السعودية في بداية الامر، ثم من اسرائيل ومن أمريكا لاثارة البللبة وزعزعة الاستقرار في منطقة الشرّق الاوسط.
ولكن حقيقة ما يجري أن الربيع العربي هو قبل كل شيئ حراك شعبي من اجل التغيير، تحرك فيه الناس في الفضاء العام وساءل قواعد النظام السياسي القديم العربي المتهاوي أصلا، والذي لم يعد يملك مقومات الوجود ومبررات التواصل. تغيير النظام هو تغيير قواعد العمل: أي لا تتدخل المخابرات والجيش والشرطة في وظائف الناس. الجيش في الثكنات لحماية الامن وثغور الدولة وليس للشغل في المؤسسات الاقتصادية و التجارة واستغلال النفوذ والشراكة الاقتصادية في دواليب الدولة.
في كل نزاع علينا ان نعرف ان الطبقات الاجتماعية تحرك منابع قديمة للثورة والتوهج والاحتجاج على الأوضاع القائمة. وليست التحركات في فرنسا كما وصفتها الماركسية بأنها صراع طبقات اجتماعية بالمعنى الماركسي للكلمة. الصّراع يعني رهانا وفي كل مرة تتغير عناوين الرهانات، مرة تكون حول الهوية وأخرى حول المطالب الاجتماعية والعمالية والحقوقية وأخرى حول غبن تاريخي لمنطقة وأخرى لاحياء ذكرى تاريخية وسياسية تتطور إلى احتجاج وأخرى لاسترجاع مكانة ضائعة.
في كل مرّة تقع “العاب” ورهانات لاسترجاع مجد اثيل قديم. في كل حراك يقع تحريك المعين ويصبح للتاريخ معنى بالتحركات الاجتماعية والمنعطفات التاريخية والاحداث الكبرى ويتحد الفارق بين التاريخ والسياسة والاجتماع. قواعد اللعبة قد تتغير بين الفينة والأخرى وتقع مساءلتها.
لا ننسى انه في احداث مايو 1968 في فرنسا والثورة الشبابية العارمة تغيرت فيها قواعد اللعبة وسميت انذاك بـ”الاضرابات الوحشية”، واستعملت فيها ضربات ممنوعة، وتلك طبيعة الاشياء من الداخل فلكل حدث له منطقه الداخلي. قد وقع خلالها احتلال لمواقع العمل ومنع الناس من العمل امام المصانع ،وتم الاعتداء على الكثير من أرباب العمل والمسؤولين وتلك طبيعة كل حراك عنيف. مما يعني ان أي حراك اجتماعي يملك استراتيجية ومشاعر وايديولوجيا ويأتمر باهدافه، ولا يريد ان ينتكس قبل الوصل اليها، ومن هنا ياتي دور الجماعة المفجّرة له حتى توفر له الحماية والرعاية وتؤمن مساره لتوصله الى مآلاته الاستراتيجية. يقع كل هذا بفاعلين سياسيين وممثلين عل الساحة يتّسمون برؤية استراتيجية في غالب الاحيان .
ما يقع ليس مجرد رد فعل عفوي عن عدم رضا عن اوضاع اجتماعية او سياسية او اقتصادية قائمة.
ما وقع أثناء الربيع العربي من حراك اجتماعي وسياسي له صبغة وطبيعة استثنائية، لم يقم فقط بتحديد مجالات العمل السياسي بل مساراته لها تاثير على التوازنات الاجتماعية. وهذا ما عبر عنه “الان تورين” بقوله الاوسع وفهمه الاشمل من ان ما وقع هو حراك اجتماعي شامل كما وقع في بولونيا سنة 1981 تحرك فيه فاعلون يعرفون خصمهم جيدا ولهم رهان مشترك.
الحراك الاجتماعي الشامل بالنسبة اليه هو ما تبارز فيه فاعلون من طرف وطبقة معينة ضد اطراف من طبقات اخرى. ومن هنا تاتي الرؤية لنوع جديد من العلاقات، يراد لها ان ترسم تختلف عما سبقها من توازنات أضرّت بطبقة اجتماعية وجعلتها تابعة وخاضعة. هذه السمة في الحراك الاجتماعي جعلته يتسم بمقاومة عنيفة دوما وليست مهادنة في الغالب وهذه طبيعتها لانها تريد ان تتسم بالتاريخية في عملها. هنا علينا ان ننتبه ان هنالك حراك دفاعي كما هو الشان في أحداث الخبز في تونس سنة 1984 أو حراك البطالة والمعيشة في المغرب طوال ثلاثين سنة. هذا حراك دفاعي لا يتسم بالاستراتيجية التغييرية الشاملة ويدكّ معاقل التوازنات القديمة أو مساءلة طبيعة الحكم بل بتغيير ما هو موضعي. وتبقى هذه الاحداث تزين التاريخ وتتوج حركته كما هو الشان في المغرب.
ولكن علينا ان ننتبه الى انه يمكن اعتبار ان الاجتماعي فشل في تونس واليمن ومصر. فالفاعلون الاساسيون وقع تجاوزهم سواء من قوى أقوى منهم أو وقع تعويضهم من قوى سياسية قديمة مثل الاخوان المسلمين في مصر المتغلغلون في الريف والقرى المصرية، أو وقع حرمانهم نهائيا من مبادرتهم المباشرة في تغيير موازين القوى.
عندما تندلع الثورات تقع الحرب على افتكاك المجالات، وكل يريد ان يوسّع ساحة فعله، إلى ين انتهى النزاع عن المجالات بين المدني والسياسي ؟
من تحرّك اثناء الربيع العربي هم شباب وطبقات شعبية انطفأ أملها في المستقبل تماما ولم تعد ترى أملا في التغيير. الشباب هم وقود الثورات في الربيع العربي، والكهول كانوا شاهدا على اخفاقات الدولة العربية. الفضاء العام الاجتماعي كان البنية التحتية للحراك السياسي، و الشباب ليست لديهم النية –حين تحركوا– في ان يكونوا في سدة الحكم يوما. ما كانوا يريدونه الحالمون بالتغيير والثورة وغد افضل هو فقط رحيل رؤساء طغاة وأنظمة سياسية ثبت عجزها في التنمية ، لم تقدم شيئا وعجزت اجاباتها عن الاسئلة المطروحة، وتحولت نظم حكمها الى مؤسسات نهب منظم كان الثائورن يريدون فقط الحرية وتحسين الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتوفير فرص الحياة من العمل والزواج والكرامة الوطنية والاحساس بالانتماء الى الوطن. وكانت المقارنة بين الشعوب تفرض عليهم ذلك والشعور بالغبن يلاحقهم.
من يقتنص الحراك الثوري في أوجهِ هي الأحزاب السياسية المنظمة أو الجماعات القديمة. من يجني ثمار الحراك الاجتماعي هي الاحزاب التي تقدر على انتزاع القسطل الحامي من الجمر كما يقول المثل الفرنسي، والتي لم تستطع ان تتقدم الى الحكم حين كان النظام قائما مهيمنا .
وهنا تبدا المشاكل تظهر ويقع الاختلاف حول “الديمقراطية التمثيلية” النيابية المتعارف عليها أوالديمقراطية المباشرة.
_______________