أنتهت “نظريا” السبت 17 ديسمبر 2016 مدة عمل المجلس الرّئاسي بموجب اتفاق «الصخيرات» التاريخي الذي تمّ توقيعه بين الفرقاء في 17 ديسمبر 2015 ، وبهذا يدخل المشهد السياسي الليبي من جديد مرحلة من الغموض حول مستقبل حكومة الوحدة – وذلك في حال رفض التمديد –
وما يمكن أن ينتج عن ذلك من فوضى واضطرابات جديدة علما بان حكومة الوحدة برئاسة فايز السراج لم تنجح منذ اعلان تشكيلها في الحصول على ثقة البرلمان نتيجة استمرار الخلاف.
في ديسمبر 2015، وقّعت أطراف الصّراع الليبي– بمدينة الصخيرات المغربية– على اتفاق مصالحة وصفه المجتمع الدولي بالتاريخي وكان أهم ما تضمنه الاتفاق منح صلاحيات رئيس الحكومة لمجلس رئاسة حكومة الوفاق الوطني (فايز السراج) الذي يترأسه رئيس الحكومة نفسه وعلى رأسها قيادة الجيش والقوات المسلحة وبدء مرحلة انتقال جديدة تستمر 18 شهرا وفي حال عدم انتهاء الحكومة من مهامها قد يتم تمديد المدة 6 أشهر إضافية ونص الاتفاق أيضا على تشكيل المجلس الأعلى للدولة من أعضاء المؤتمر الوطني العام الجديد والإبقاء على مجلس النواب الليبي المنتخب في جوان 2014. ، ويتراس رئيس حكومة الوحدة الوطنية فايز السراج كذلك مايسمى بالمجلس الرئاسي .
جاء الاتفاق بعد أشواط مرهقة من المباحثات الداخلية والخارجية، وذلك في خطوة وصفها المجتمع الدولي بالتاريخية لتجاوز الأزمة التي تقبع فيها البلاد منذ الإطاحة بنظام القذافي سنة 2011.
فعقب سقوط نظام القذافي عام 2011 إثر ثورة شعبية، دخلت ليبيا في مرحلة من الانقسام السّياسي تمخّض عنها وجود حكومتين وبرلمانين وجيشين متنافسين في طرابلس (غربا) ومدينتي طبرق والبيضاء (شرقا) ، مما كرّس حالة من الانقسام والصراع الحاد في البلاد.
اتفاق الصخيرات الذي وقعت عليه آنذاك وفود عن المؤتمر الوطني الليبي العام بطرابلس، وبرلمان طبرق، شرقي البلاد ، بالإضافة إلى وفد عن المستقلين، واعترض عليه المشير خليفة حفتر (قائد ميليشيات الكرامة التي تعرف بالجيش الوطني الليبي )، ليحشد– رغم استمرار الخلاف دعما دوليا واسع النطاق . إلاّ انّ الحكومة التي انبثقت عن الاتفاق والتي ترأسها فايز السراج فشلت في الحصول على صكّ شرعيتها في الداخل المتمثلة في ثقة البرلمان وفق ماينص عليه الاتفاق السياسي .
وفق اتفاق الصخيرات ايضا تمّ تشكيل المجلس الرئاسي وهو مؤسسة تنفيذية وظيفتها القيام بمهام رئاسة الدولة بصفة مشتركة، وضمان قيادة القوات المسلحة الليبية. يتكون المجلس من 9 أعضاء، من بينهم رئيس وثلاثة نواب له، كل واحد منهم من الاقاليم الثلاثة في ليبيا، طرابلس وبرقة وفزان. إلا انّ اتفاق الصخيرات أعطى المجلس الرئاسي مهلة تنتهي صلاحيتها في 17 ديسمبر 2016 وهو مايعيد الى الواجهة مجدّدا معضلة «الشرعيّة» في ليبيا .
وفي حال لم يتمّ التمديد للمجلس سيدخل هذا الهيكل التنفيذي أيضا في اطار العمل غير القانوني كحال باقي الهياكل على غرار برلمان طبرق ، وحكومة الإنقاذ والمؤتمر الوطني.
خيارات مطروحة
يرى متابعون للشأن الليبي انّ المرحلة المقبلة تحمل خيارات محدودة:
الخيار الأول يتمثل في إعادة تشكيل المجلس الرئاسي وفق ماتنص عليه المسودة الرابعة من اتفاق الصخيرات والتي تنص بدورها على تقليص عدد نواب رئيس المجلس الرئاسي، وإعطاء خليفة حفتر دور قائد الجيش الليبي.
أما الخيار الثاني فيتمثل في استمرار المجلس الرئاسي في عمله حتى دون التمديد له ، ليضاف بذلك الى الاجسام الاخرى التي تعمل دون حق قانوني .
وفي مثل هذه الحالة ستستمر حالة الانقسام السياسي وقد تمتد الى مزيد تكريس واقع الاقتتال في البلاد علما بانّ الحكومة تقود حربا ضروسا ضدّ تنظيم «داعش» الارهابي.
الخيار الثالث وهو الأكثر خطورة يتمثل في التوجه الى الحسم العسكري علما بان ميليشيات الكرامة (بقيادة خليفة حفتر) لطالما صرح بان العاصمة طرابلس هي الاولى بالتوجه نحوها والسيطرة عليها.
ولعلّ البيان الأخير الصّادر عن أعضاء مجلس النواب الداعمين لاتفاق الصخيرات –والذي اكدوا فيه تشبثهم بالمجلس الرئاسي داعين حكومة الوفاق الى الاستمرار في العمل – يُحيلنا الى انّ الخيار الثاني هو الخيار الاقرب في الوقت الراهن.
«حكومة الوفاق لن تصمد»
من جهته قال المحلل السياسي اللّيبي عيسى عبد القيوم في حديثه لـ«المغرب» انّ 17 ديسمبر يعتبر بنص الاتفاق نهاية عهدة المجلس الرئاسي (!!) ، مشيرا الى انّ المسودة تنصّ على ان اتفاق الصخيرات يدخل حيز التنفيذ بمجرّد التوقيع عليه وتنص احدى فقراته على أن مدة المجلس الرئاسي تكون عاما واحدا .
وتابع عبد القيوم ان المجلس الرئاسي جاء من اجل مهمتين اساسيتين هما احداث التوافق المطلوب لإنجاح العملية السياسية في البلاد ، وتحسين الوضع الخدمي والمعيشي للناس.
وأضاف محدّثنا .. وبعد انقضاء عام نجد الشارع الليبي اكثر انقساما سياسيا .. بل ودخلنا أول حرب بين قوة تابعة للرئاسي وقوة تابعة لميليشيات الكرامة .. وبدا واضحا فشل الرئاسي في احداث التوافق المطلوب وبدل أن يجمع طرفي الازمة تحول الى طرف ثالث ،وبالنسبة للوضع الخدمي والمعيشي فقد تفاقمت الازمة مع قدوم المجلس الرئاسي وربما أبرز مظاهرها تخطي سعر صرف الدولار حاجز الخمسة دينارات ونصف .. وامتداد انقطاع التيار الكهربائي الى 5 ساعات .. وتأخّر صرف المرتبات.. واختفاء بعض السلع التموينية والأدوية وغيرها.
وأكدّ عيسى عبد القيوم أن المجلس الرئاسي الذي فقد زخمه المحلي ويعيش على الدعم الاقليمي والدولي ، لن يستطيع أن يصمد بعد تاريخ انتهاء عهدته لان موجة الاحتجاجات ستتصاعد وسيكون لها عنوان موحد هذه المرة وهو «لا للتمديد» وفق تعبيره.
وعن البدائل المطروحة بعد 17 ديسمبر أجاب محدّثنا «لم تعد هناك الكثير من الخيارات .. إما ان تكون هناك استفاقة للعودة الى المسودة الرابعة عبر دعم جماهيري واضح وكبير يجبر الرئاسي على الخضوع .. أو أن يحتكم الجميع الى جولة عسكرية اخرى تسبقها إعادة عملية اصطفاف» .
وعن مصير حكومة الوفاق قال عبد القيوم «العودة الى المسودة الرابعة يعني انتهاء المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق بتكليف شخصية اخرى ، وأيضا اذا احتكم للسلاح ستسقط حكومة الوفاق بالتالي اي تسوية قادمة ستكون حكومة الوفاق احد اكباش الفداء».
«التمديد هو الحلّ»
على صعيد متصل قال الكاتب السياسي الليبي عبيد احمد الرقيق في تصريح لـ«المغرب» انّ موعد 17 سبتمبر ﻻيعني ان اتفاق الصخيرات قد انتهى، مشيرا الى انّ بند الاتفاق ينص على ان تستمر حكومة الوفاق في العمل بعد تحصلها على الثقة من البرلمان لمدة سنة» .
وتابـع « وكان مأموﻻ ان يتم خلال هذه المدة اعتماد الدستور واﻻستفتاء عليه من الشعب .. وكان من المفروض ايضا ان يتم مع نهاية العام إجراء انتخابات برلمانية وفق ماينص عليه الدستور لتنتقل السلطات بعد ذلك للأجسام المنتخبة الجديدة.. وحيث أن هذا لم يحصل فسيكون ممكنا التمديد ﻻي حكومة جديدة يتفق عليها بنفس المدة واﻻعتبارات السابقة … وطالما أن العالم ﻻيزال يدعم اﻻتفاق فانه سيستمر بالتمديد».
واشار محدّثنا الى ان التفريق بين المجلس الرئاسي وبين حكومة الوفاق مهم جدا معتبرا ان الرئاسي جزء من مخرجات اﻻتفاق ، بينما حكومته ﻻ شرعية لها اﻻ بعد منح الثقة من البرلمان.
وتابع «لذلك يمكن الجزم بان الرئاسي قد أخفق في استحقاقاته بمجرد أنه لم يتمكن من الحصول على ثقة البرلمان لحكومته … لكنه كجسم رئاسي نستطيع القول انه حافظ على تواصله مع الخارج ونجح سياسيا في اعتراف العالم به والتعامل معه دون غيره من حكومتي الشرق والغرب .. إﻻ أنه لم يستثمر ذلك داخليا فاستمر اﻻنقسام حوله حتى اﻻن … هو لم يقدم شيئا يذكر على اﻻرض مباشرة لليبيين لكنه حافظ على الحد اﻻدنى من التوافق حيال الكثير من القضايا العالقة سياسيا … واقعيا هو جسم صوري ﻻيملك من اﻻمر شيئا ﻻنه يفتقد القوة في وضع تحكمه الميليشيات المسلحة».
وعن عدم نجاح حكومة الوحدة في الحصول على ثقة البرلمان وما يراه مراقبون ان اتفاق الصخيرات ولد «ميّتا» ، أجاب احمد الرقيق «ﻻ اطلاقا .. اتفاق الصّخيرات سيظل هو المرجعية اﻻساسية للوفاق الليبي وقد يحدث فيه بعض التعديلات، بالإضافة الى انّ الدول النافذة والمنظمات الليبية تدعم ذلك بقوة … ليس هناك بديل عن اتفاق الصخيرات حتى اﻻن ولذلك ﻻتسمح اﻻمم المتحدة بتجاوزه اﻻ اذا حدثت معجزة وهي اتفاق الليبيين طوعا بمختلف توجهاتهم وهذا مستحيل».
وعن المشهد السياسي المقبل في ليبيا قال محدّثنا ان العمل باتفاق الصخيرات سيستمر وسيتم التمديد الى أن يقتنع الساسة الليبيون بالتوافق . وأشار الى انّ المتوقع في الفترة الراهنة هو حدوث توافق ليبي يقضي بالتعديل في بعض بنود اتفاق الصخيرات ، وخاصة في ما يتعلق بتشكيلة الرئاسي والعودة الى رئيس ونائبين». واستدرك محدّثنا القول «ان الأمر الوحيد الذي قد ينهي اﻻتفاق السياسي هو ان يتوحد الليبيون جميعا ويتفقوا على بديل ﻻ خلاف عليه أو أن يدعم ذلك حسم عسكري يفرض ذاته بقوة السلاح على حدّ قوله.
***
وفاء العرفاوي ـ صحفية تونسية وعضوة التحالف الدولي للدفاع عن الحقوق والحريات
_____________
صحيفة المغرب
*******