بقلم فيتالي بورتنيكوف
منذ خمس سنوات طرأ حدث ترك على روسيا تأثيراً يفوق ما تركه على ليبيا، التي كانت حينها مسرحاً لمجابهة شرسة بين أنصار الديكتاتور القذافي وأعدائه. العقيد المجنون، الذي حكم ليبيا بيد من حديد لعقود أربعة، مزقه مقاتلو الفصائل المعارضة أمام شاشات التلفزة.
وعلى بعد آلاف الكيلومترات من مدينة سرت كان هناك عقيد آخر، لا يقل إيماناً بقوة اليد الحديدية من ذاك الذي قتل، يتابع، مرعوباً، اللحظات الأخيرة لحياة زميله. في هذه اللحظات بالذات، توصل فلاديمير بوتين إلى استنتاجات، حوَّلت خلال سنوات خمس، بلداً عالم ثالثياً مع ديموقراطية مُوَجَّهة (الديموقراطية، التي يقول بها بوتين) إلى بلدٍ ينخره الفساد؛ فقير، متخلف. ومع ذلك، بلد حذِر من كل العالم ومن سكانه، حَوَّلَه (بوتين) إلى جماهيرية جليدية.
كان من شأن شخص آخر أن يفكر، في أن مشكلة القذافي تكمن بالذات في كونه أقام لليبيين جماهيرية. في كونه قضى على جميع مظاهر الفكر الآخر، وركز كل السلطة بيدٍ واحدة، وفي نهاية المطاف انفجر المرجل، محكم الإقفال، بين يدي الحاكم البائس، الذي كان لا يزال، حتى وقت قريب، يؤمن في حب الناس له واحترامهم. وهكذا، قد يكون الحل في الديموقراطية؟ في الإعلام الحر؟ في القضاء على البيروقراطية الفاسدة؟ في استبدال بلطجية الأجهزة الأمنية بالناس الشرفاء؟
لكن بطلنا لا يسعك خداعه بهذه البساطة. فقد توصل إلى استنتاج وحيد يفهمه: لقد أطاح الأميركيون السفلة بحاكم كان على استعداد للتعاون معه. ولم يسعف القذافي أي تقرب من الغرب أو أي حذر تجاهه. وبالتالي ينبغي إقامة جماهيرية لا يطيحون بك في ظلها ولا يقتلونك أمام الشاشات. وجميع هذه الزخرفات الديموقراطية والإنتخابات والدفاع عن القانون، كل هذه التسليات التي تلقيها الولايات المتحدة للآخرين، ينبغي التخلص منها بشكل حاسم. كما ينبغي أيضاً عدم السماح للأميركيين بدخول منطقة النفوذ الروسية، بل وتوسيعها قدر الإمكان، حتى لا يتمكنوا من الوصول إليَّ. كما لا ينبغي أيضاً تسليم الفتيان. فهؤلاء هم الأميركيون قد سَلّموا شريكهم حسني مبارك، أما أنا فلن أسلم بشار الأسد خاصتي ، حتى لو تعين عليَّ إفناء جميع السوريين باستثناء الرئيس نفسه وزوجته. تماسكي أيتها الأميركا! أنت لن تطيحي بي!
هكذا حوَّلت ميتة عقيدٍ إلى عقيد آخر. فالعقيد، الذي قتل على طريق ترابية انتقل على نحو سحري إلى الكرملين ويحاول الثأر لهزيمته المفاجئة. ويتعين القول بأنه ينجح في كل ما يأتيه. فالجماهيرية قد أقيمت، وإن كانت جليدية وكئيبة. المرجل محكم الإغلاق، الحرب في كل ساح، الإندماج مع الجميع، ومَن لا يريده نرسل له الدبابات والمرتزقة. ورغماً من العقوبات ضد القذافي والطائرة الشهيدة (طائرة لوكربي)، تبين أنه يمكن للمرء أن يحيا حياة إنسان آخر، حتى لو لم يلاحظ ذلك.
لا يتبقى سوى أن ينفجر المرجل، كما في حالة ليبيا، بين يدي الحاكم المنذهل، الواثق من حب الجميع له. لكن من قال ان روسيا التَعِسة لا ينتظرها، في هذه الحال، قَدَرُ ليبيا التَعِسة؟
***
*نشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع غراني، وترجمها إلى العربية بسام المقداد. العنوان الأصلي: إدارة الثقة.
***
فيتالي بورتنيكوف ـ صحافي ومحلل سياسي أوكراني
___________
موقع المدن