د. لحرش عبد السلام

لماذا يكره المستبد العظماء؟
الحاكم المستبد أشد غيرة من المرأة الوالهة، وهو يكره العظماء من القادة والساسة والعلماء والأدباء، وإذا قبلهم فليلتحقوا به أذنابًا، والعظيم المستلحق لا بأس أن يكون ذيل الطاووس، إنه ذيل على كل حال، ولا يقبل أبدًا أن يكون عُرف الديك.
هذا هو السر وراء مصارع القادة الكبار الذين فتحوا المشرق والمغرب، فقد كره الحاكم المستبد أن يحيا إلى جواره رجال لهم أمجاد ومفاخرة قد يدلون بها.
ومما يقترن بالاستبداد السياسي ولا ينفك عنه، غمط الكفايات، وكسر حِدَّتها وطرحها في مهاوى النسيان ما أمكن. ذلك أن المستبد يغلب عليه أن يكون مصاباً بجنون العظمة.
وربما اعتقد أن كل كفاية إلى جانب عبقريته الخارقة صفر لا تستحق تقديرًا ولا تقديمًا.. وإذا أكرهته الظروف على الاعتراف بكفاية ما، اجتهد في بعثرة الأشواك أمامها، واستغل سلطانه في إقصائها أو إطفائها.
نعم مثل هذا ما قاله عبد الرحمان الكواكبي: «كما يبغض المستبدُ العِلمَ لنتائجه، يبغضه أيضًا لذاته، لأن للعلم سلطانًا أقوى من كل سلطان، فلا بد للمستبد من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عينه على من هو أرقى منه علمًا، ولذلك لا يحب المستبد أن يرى وجه عالم عاقل يفوق عليه فكرًا، فإذا اضطر لمثل الطبيب والمهندس يختار الغبي المتصاغر المتملق.
وعلى هذه القاعدة بنى ابن خلدون قوله “فاز المتملَقون”، وهذه طبيعة كل المتكبِّرين، بل في غالب الناس، وعليها مبنى ثنائهم على كل من يكون مسكينًا خاملًا لا يُرجى لخير ولا لشر».
ما آثار الاستبداد؟
وأثر الاستبداد السياسي في تعويق العمران وتخدير النشاط الإنساني معروف، ومن خمسين عامًا أو يزيد والدمار الحضاري يجتاح العالم العربي والإسلامي، ويُبعثر العلل في نواحيه المختلفة، إلا أن هناك أثرًا آخر لذلكم الاستبداد يجب فضحه، فإن الاستعمار لما اشتبك مع المسلمين في أقطار كثيرة، وشرع تحت ضغط المقاومة الدائمة ينسحب من هنا وهناك، رأى أن يُغطِّي انسحابه بحكومات تُحقِّق مآربه، وإن كان عنوانها قوميًا بحتًا.
والحكم الاستبدادي تهديم للدين وتخريب للدنيا، فهو بلاء يصيب الإيمان والعمران جميعًا. وهو دخان مشئوم الظل تختنق الأرواح والأجسام في نطاقه حيث امتد. فلا سوق الفضائل والآداب تنشط، ولا سوق الزراعة والصناعة تروج…!!
ومن هنا حكمنا بأن الوثنية السياسية حرب على الله وحرب على الناس. وأن الخلاص منها شيء لا مفر منه لصلاح الدنيا والاخرة… وقد أصيب الإسلام في مقاتله من استبداد الحاكمين باسمه. بل، لقد ارتدت بعض القبائل، ولحقت بالروم فرارًا من الجور.. إن المستبدين ينبتون في مناصبهم نبتًا شيطانيًا لا توضع له بذور، ولا تحف به رغبة، ولا تشرف عليه موازنة أو مشورة!!
والاستبداد السياسي في أقطار كثيرة يمهد لِفِرْيَةٍ استعمارية خبيثة، على أن الأديان كلها وجوه مختلفة لحقيقة واحدة، وأنه لا فرق عند التعمق بين التوحيد والتعديد، والمجوسية واليهودية، والإسلام والنصرانية.
حتى لا نطيل عليكم، ما الحل لمواجهة الاستبداد؟
أولا: على “الفرد [أن] يحرس الإيمان في نفسه وفي بيئته:
لا يمكن تجاهل العلاقات الوطيدة بين الإنسان والجماعة التي يحيا فيها، ولا إنكار التفاعل المتبادل بين الفرد وبيئته، ولو كان مألوفًا في نظام الحياة أن المرء يعيش منطويًا على نفسه مقطوعًا عن غيره، لا يتأثر بأحد ولا يؤثر فيه أحد، لجاء الدين يوصى الإنسان بالإقبال على خاصة نفسه والاهتمام بما يعينه من شؤون، غير آبه بعدئذ لما كان أو يكون.
لكن الإنسان لبنة في بناء متماسك، أو فرع من شجرة متصلة، وهو –طوعًا أو كرهًا– لابد أن يعترف بهذه الصلات العامة، وأن يحدد بدقة موقفه من هذا الاختلاط المفروض، وقد جاء الإسلام فأقر هذا الترابط القائم، وهل يسعه إلا هذا؟
ثم بنى تعاليمه على هذا الأساس فجعل المسلم رقيبًا على دينه في مجتمعه، كما هو رقيب عليه في نفسه، وزوده بأخلاق من الصراحة والشجاعة توجب عليه أن يفعل الخير ويدعو إليه، ويحب المعروف ويأمر به ويعمل على إشاعته، ويكره المنكر وينهى عنه ويسعى إلى تغييره. ولم ير ذلك نافلة هينة يتطوع الإنسان بأدائها، أو يكسل ولا عليه!
كلا.. فالتواصي بالحق والصبر على مشتقاته من أركان الفلاح {وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)} [سورة العصر، 1:3].
ثانيًا: “قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
إن هذا العنوان بلى على ألسنة المشتغلين بالدين حتى لم يعد واضح الدلالة على الحقيقة التي يرمز إليها، ولو يعلم الناس ما قصد إليه الإسلام من إقامة هذا المبدأ الخطير لأيقنوا أنه وضع به أسس التمرد على المظالم والثورة على الفسوق، وتجريء العامة فردًا فردًا على أن يصدعوا بالحق، وأن يصدعوا به رأس كل جبار عنيد!!
وقد “احتاط الإسلام لضمان الحقوق الخاصة والعامة بتقرير ثلاثة مبادئ يكمل بعضها بعضًا:
-
كف يد الظالم.
-
استنهاض المظلوم ليدفع عن نفسه.
-
مطالبة الغير بالتدخل لصد العدوان ورفع الغبن.
وليس يُتصور فرض آخر يضم إلى هذه المبادئ حتى يتم تأديب الأقوياء وتدعيم الضعفاء. ولو جمعنا هذه الأطراف في بلادنا ما شكونا حيفا، ولو تواصى أهل الأرض بهذه المبادئ ما قامت ثورة ولا سفكت قطرة دم، ولو أُنصف الناس لاستراح القاضي!!
وبالنسبة للدساتير كيف يمكن أن تساهم في محاربة الاستبداد؟
حقًا إن الدساتير والقوانين تأتى في المحل الثاني بعد تهذيب النفس وترقية الضمير، غير أن مجيئها في المحل الثاني لا يعنى إلغاءها أو الغض من أثرها. فإن القيمة الذاتية لهذه الدساتير، ونُبل الفكرة التي أوحت بوضعها، وخبث المؤامرات التي حيكت لتعطيلها، وعظم الفائدة التي تتحقق من رعايتها لدين الله ولدنيا الناس معًا..
ذلك كله كان يوجب على العاملين للإسلام أن يحددوا موقفهم بإزائها، وهو موقف يستحيل أن يكون في مصلحة المستبدين، الذين يؤسسون أمجادهم على امتهان الجماهير والعبث بمصالحها، وإذا لم يُسمع صوت الدين في معركة الحرية فمتى يُسمع؟ وإذا لم ينطلق سهمه إلى صدور الطغاة فلمن أعده إذن؟!
هناك من المصلحين من يستهين بالإصلاح الدستوري، كيف ترد عليهم؟
من الغريب أن بعض المشتغلين بالثقافة الدينية ينظر إلى قضية الدستور والحرية نظرة ثانوية. ويبني فقهه الديني في الحكم ووسائله على نظرات قاصرة شاردة من مخلفات التفكير المملوكي البالي. وهؤلاء المتدينون لا يُؤَمًّنون على حاضر الإسلام ولا على مستقبله. ومصيبة المسلمين فيهم جسيمة.
وبالنسبة للعلماء والدعاة والمجددين؟
من أجل ذلك كان المجددون الإسلاميون ينشدون بحرارة إصلاح أداة الحكم. ويُرسلون صرخاتهم داوية بمحاربة الاستبداد، ورفض الأوضاع التي استمرأها، والتي أعانت على بقائه.
وكانت المطالبة بدستور يحد من طغيان الحكم الفردي، ويمنح الشعوب قدرة على معالجة قضاياها، في جو من الشورى الهادئة المتريثة، من أول ما فكر فيه أولئك المجددون.
هل من كلمة أخيرة؟
إن الأمر واضح.. أشيعوا الحرية والعدالة والفضيلة، أقيموا فرائض الإسلام على أنقاض الوثنية السياسية والاجتماعية، تظفروا بوضع متناسق فى الداخل وكرامة موفورة في الخارج.
وإلا.. فلا إسلام.. ولا سلام.
***
د. لحرش عبد السلام _ أستاذ باحث، وكاتب ومُدوِّن مغربي، دكتوراه في الدراسات الإسلامية.
_______________
