د. لحرش عبد السلام

كيف ينشأ الاستبداد بين أتباع المستبد؟
كما ينبت الشرك في أحضان الوثنية ينبت الرياء في ظلال الكبر، وحيث يوجد السادة المستكبرون يوجد الأتباع المُتملقون والأشياع المراؤون.
وجو الحكم المطلق أحفل الأجواء بجماهير العبيد الراضخين للهون عن طواعية أو كراهية، وفي الحرب التي شنها القرآن الكريم على هذه المجتمعات المظلمة ترى الهجوم يتتابع على مبدأ “السيادة والتبعية” وعلى ما يلحق هذا الجو إلغاء للعقول والضمائر. كان فرعون يشير إلى هذا المبدأ عندما استنكر إيمان السحرة قبل أن يأخذوا الإذن منه!!
وما طبيعة العبيد أو المستضعفين في ظل الحكم الاستبدادي؟
وطبيعة المستضعفين أن يسارعوا إلى مرضاة رؤسائهم، وإجابة رغائبهم ولو داسوا في ذلك مقدسات الأديان والأخلاق.
والحاكم المستبد يبارك هذه الطبيعة الدنسة ويغدق عليها، ولو راجعنا الصحائف السود لتاريخ الاستبداد السياسي في الأرض لوجدنا مراءاة الحكام، وقد وطأت أكتاف المنكر، وأقامت للأكاذيب سوقًا رائجة، وقلبت الحقائق وصنعت الدواهي.
قتل الخليفة (المنتصر بالله) أباه (المتوكل على الله) وتولى الحكم بعده!! وإلى هذه المأساة يشير البحتري في قصيدة مطلعها:
أكان ولي العهد أظهرت غدره … فمن عجب أن ولي العهد غادره!
والخليفة الذي سمّاه الدجل السياسي (مُنتصرا بالله) تولى على العرش بدل أن يذهب إلى السجن، ووضع على رأسه التاج، بدل أن يجتز بالسكين.
و”عندما تفسد الدولة بالاستبداد، وعندما تفسد الأمة بالاستعباد، يعتبر الرياء هو العُملة السائدة، وقاعدة تقرير الأمجاد لطلاب المجد الكاذب، وتقريب المنفعة لطلاب المنفعة الزائلة، وهو حينئذ خلق السادة والعبيد.
إن الفراعنة والأباطرة تألهوا؛ لأنهم وجدوا جماهير تخدمهم بلا وعي. الثقة المطلقة والأحبار والرهبان والبابوات تألهوا كذلك؛ لأنهم وجدوا رعايا تمنحهم وتُلغي وجودها الأدبي أمام ما يصدرون من أحكام. والشعوب التافهة في كل زمان ومكان هي التي تصنع المستبدين وتغريهم بالأثرة والجبروت.
نعم وهذا ما أشار إليه عبد الرحمن الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد): «العوام هم قوَّة المستبد وقوته، بهم عليهم يصول ويطول؛ يأسرهم، فيتهللون لشوكته؛ ويغصب أموالهم، فيحمدونه على إبقائه حياتهم؛ ويهينهم فيثنون على رفعته؛ ويغري بعضهم على بعض، فيفتخرون بسياسته؛ وإذا أسرف في أموالهم، يقولون كريماً؛ وإذا قتل منهم ولم يمثِّل، يعتبرونه رحيماً؛ ويسوقهم إِلى خطر الموت، فيطيعونه حذر التوبيخ؛ وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بغاة.»
لو تذكر لنا بعض مظاهر الاستبداد؟
ومن خصائص الحكم المطلق السرف الشديد على شخص الفرد الحاكم وعلى كل من يمت إليه بنسب أو يواليه بنصر، فترى شهوات الغى –في البطون والفروج– مشبعة، ومضلات الهوى مسيطرة على المشاعر والنهى، وعبء هذه النزوات يقع على عاتق الخزانة العامة وحدها، فإن الاستبداد السياسي لا يبالي من أين يأخذ المال ولا أين يضعه.
وقد نكب المسلمون –من قديم– بنفر من القطّاع، وقعت في أيديهم غنيمة الحكم فتقاسموها نهمين، ولم يعرفوا من المناصب التي سقطت في أيديهم إلا أنها منابع ثروة للشباب الجامح والنزق والإفراط، أما مصالح الأمة فلا وزن لها.
أما ولائمهم وملابسهم وأعراسهم وأحفالهم وسائر شؤونهم، فإن وصف ما يلابسها من بذخ وسعة يتطلب من الأسفار حمل حمار..
ولا تزعم أن هذا البلاء كان حكرًا على بلد بعينه، فإن أقطار الدنيا الأخرى ظلت تحت وطأته زمنًا، حتى تخلصت عدة منها من قيوده.. ولا تزال الأخرى تجاهد في طريق الخلاص. وحكم الإسلام على هذا الضرب من اللصوصية لا يحتاج إلى فقه عميق أو فلسفة معقدة إلا إذا احتاج ضوء النهار إلى دليل.
إن الحاكم المطلق يتشهي ما يشاء فلا ينقطع شيء دون أمانيه الحرام، والحلال عنده ما حَلَّ في اليد، أما الدين وتعاليمه ففكاهة النهار وسمر الليل.
فهل يقبل المستبد الرأي الحر؟
إن عقول المستبدين لا تعرف مبدأ التفاهم ولا تطيق الأخذ والرد للوصول إلى الحق!
ويكاد لا ينبعث صوت للخير حتى يلاحقه سوط من الإرهاب يطلب إما إخراسه وإما قتله!!
وعندما فرض هذا الاستبداد نفسه على الأديان –فيما بعد– وضع مبدأ: من قال لشيخه: لِمَ؟ فقد حُرِمَ برکته!!
وإذن فكيف تسير الأمور؟!
تسير بالأوامر العسكرية الجافة تصدر من شخص خلقه الوهم إلى أشخاص لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ولا لغيرهم نقدًا ولا ردًا!!
هل من إضافة في هذا الشأن؟
أما الحاكم المجرم فيريد جوًّا يسوده الصمت الرهيب، لأنه يدرى أن الأفواه لو نطقت فستفضح خبأه وتكشف سره، وهنا الطامة الكبرى.
ولذلك كان خصائص الاستبداد السياسي في كل زمان ومكان كرهه الشديد لحرية النقد والتوجيه، وكان من خصائص الإسلام التي امتاز بها –لتقويض أركان الاستبداد– أن أوجب على كل فرد أن ينقد الخطأ وأن يوجه إلى الخير.
كان الثوار على المظالم في كل بلد وقع فريسة الحكام المستبدين يطلبون حرية القول، وكان هؤلاء الحكام يخشون من الحرية على كيانهم فهم يحظرونها، ولا يجوز أن يذاع إلا ما كان مدحًا لهم أو زُلفى إليهم!
كيف يستغل المستبدون العلماء المتملقين؟
نحن في أيامنا هذه لا نشكو فحسب من الشياطين الخرس التي تعرف الحق وتكتمه، بل نشكو من أن الولاة الفجرة في بلاد الإسلام يجدون من يعين على الشعوب معهم، ومن يصنعون الفتاوى المكذوبة لتسويغ مآثمهم، والدين وحده ضحية هذا الفجور من الظالمين والمظلومين، والمسوغين، والمقتنعين.
والواقع أن مداهنة الظلمة سبب أصيل في استشراء أذاهم وامتداد طغواهم… وعندما يجد الملك الجبار من يُزين له سياسته، وعندما يجد الحاكم المعتوه من يَثْنون خيرًا على حماقته، فهنا الطامة التي تبيد الأمم.
وبماذا يشتغل العلماء المتملقون في ظل الاستبداد؟
إن أثر الاستبداد ظهر في تثبيط الهمم عن علاج المسائل المتعلقة بأصل الحكم، ومن ثم اشتغل المسلمون بألوان من الترف العقلي وعكفوا على البحوث الفلسفية والنظرية والفرعية مما لا يضير الحكام المجرمين أن تؤلف فيه المجلدات الضخام.
واكتفى العلماء بدراسة آراء الإسلام في الحكم والمال، وتلاوة الآيات والأحاديث التي تكشف عن خلل الأوضاع القائمة.
هناك من العلماء من يرى عدم إلزامية الشورى للحاكم، وقد يطلقون عليه المستبد العادل، ما رأيك في هذا؟
لعل فكرة عدم إلزامية الشورى وفكرة المستبد العادل.. كلها كانت فلسفة لواقع معين لتبرير وتسويغ الاستبداد السياسي من فقهاء السلطة. وكلمة (مستبد عادل) تساوي (عالم جاهل) تساوي (تقى فاجر).. هذا جمع بين الأضداد..
وقد يشيع في المجتمع الإسلامي فترة من الفترات مصطلح مستبد عادل، أو أنه قد يشيع في المجتمع الإسلامي أن الشورى غير ملزمة، كَلَوْن من التبرير أو التسويغ أو إعطاء الفتوى للاستبداد السياسي، أو إلباس ثوب إسلامي للاستبداد السياسي.
ومن ميّزات الشورى أنها ترد الحاكم إلى حجمه الطبيعي كلما حاول الانتفاخ والتطاول، والجماعات البشرية السوية، فيها رجال كثيرون يوصفون بأنهم قمم. أما البيئة المنكوبة بالاستبداد فدجاج كثير وديك واحد، إن ساغ التعبير!!
ومقابح الاستبداد بعيدة الآماد، ومع ذلك فإن بعض المتدينين مصاب بالرمد المزمن فهو لا يراها، وإذا تلا نصوص الشورى في دينه قال: ثم للحاكم أن يمضي على رأيه لا على الشورى!
…
يتبع
***
د. لحرش عبد السلام _ أستاذ باحث، وكاتب ومُدوِّن مغربي، دكتوراه في الدراسات الإسلامية.
_______________
