د. محمد بالروين

بعض الأدوات والسياسات

وهنا لابد من الاشارة الي العديد من الأدوات والسياسات التي استخدمها الساسة الأميركيون والأوروبيون لعرقلة تطبيق مفهوم العالم العربي بنجاح، مما أدي في نهاية المطاف إلى موته. وفيما يلي بعض منها.

1. رموز وذكريات تاريخية

لقد استخدموا العديد من الرموز والذكريات التاريخيةلإهانة شعوب المنطقة وقادتها، فعلى سبيل المثال:

(أ) عندما اقتحم الجنود الأميركيون والأوروبيون بدباباتهم وسط بغداد، في التاسع من إبريل/نيسان 2003، ورفعوا العلم الأميركي على تمثال صدام في ساحة الفردوس، جعل الناس في المنطقة يشاهدون أجهزة التلفاز في حالة من عدم التصديق واليأس، وذكّرتهم تلك اللحظة بهزيمة البيزنطيين في عام 1071، والتي كانت الدافع وراء الحروب الصليبية. كما ذكّرتهم بهزيمة الإمبراطورية العثمانية على أبواب فيينا في عام 1683، والتي كانت بمثابة بداية الاستعمار الغربي للدول الإسلامية.

(ب) هناك رمزية أخرى استخدمها الأميركيون في 15 ديسمبر 2003، عندما أسر الجنود الأميركيون صدام حسين، ونشروا صوره عمداً في أنحاء العالم، وفحصوا شعره بحثاً عن القمل، وفحصوا أسنانه، وأخذوا عينة من لعابه من فمه. وكان الأميركيون يقصدون بذلك تدمير غموض صدام وكل الخوف الذي أحاط به في العراق وبقية العالم العربي.

(جـ) هذه المعاملة المهينة والمذلة، في نظر أغلبية الناس في المنطقة، حتى أولئك العراقيين وغيرهم الذين كرهوا صدام وسعدوا بالتخلص منه شعروا بالحزن الشديد وتمنوا أن تكون نهايته مختلفة عن الطريقة التي أسر بها، وذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك فتمنى لو أنه قتل نفسه بدلاً من الاستسلام بهذه الطريقة دون قتال، فقد اعتقدت الغالبية العظمى من الناس في المنطقة أن استسلامه أذل كل العرب والمسلمين وغير المسلمين  في المنطقة.

2. الحق في الدفاع عن النفس

هناك سياسة أخرى يستخدمها الساسة الأميركيون والأوروبيون، وهي الحق في استخدام كل الوسائل اللازمة لتدمير الخصم من اجل الدفاع علي النفس. على سبيل المثال، عندما حلقت طائرات إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وحركت دباباتها وزحفت بجنودها إلى قطاع غزة، وبدأت في تدمير كل ما صادفته وقتل كل إنسان وجدوه بغض النظر عن عمره أو دينه! كانت ردود أفعالهم أن إسرائيل لها الحق في الدفاع عن النفس، وتعهدوا بالوقوف إلى جانبها طوال الوقت ومنحها كل الأسلحة التي تحتاجها لتحقيق أهدافها.

3. سياسة الخوف

من الادوات الاخري التي يستخدمها الساسة الأميركيون والأوروبيون هي سياسة الخوف“, فقد استخدمت لتخويف وتهديد أي قوة إقليمية محتملة قد تشكل تهديداً لإسرائيل أو مصالحها في المنطقة. على سبيل المثال، في عام 2003، عندما هاجمت الولايات المتحدة والدول الأوروبية العراق، أثار ذلك رد فعل غاضب في الشوارع العربية وفي المنطقة بأسرها، وكان رد فعلهم: “اليوم العراق، وغداً بقية الدول العربية“, بينما كان رد فعل الساسة الأميركيين والأوروبيين هو استخدام المزيد من الخوفكأداة سياسية لتحقيق أهدافهم.

والغريب ان العديد من المفكرين في الولايات المتحدة، وخاصة المحافظين الجدد أثناء إدارة الرئيس بوش، قد دافعوا عن هذه الأداة السياسية (أي سياسة الخوف). ففي إحدى مقالاته بعنوان: “لا نهاية للحرب: وصفة فرومبيرل من شأنها أن توقع أميركا في صراع لا نهاية له، ذكر باتريك جيه بوكانان، وهو كاتب أميركي محافظ ومعلق سياسي وسياسي، ما يلي: “إن المحافظين الجدد لا يريدون تضييق قائمة أعدائنا، ولا يريدون حصر حرب أميركا في أولئك الذين هاجمونا، بل يريدون توسيع قائمة أعدائنا لتشمل أعداء إسرائيل.

إنهم يريدون تصعيد وتوسيع ما يسميه كريس ماثيوز حرب رجال الإطفاءإلى حرب من أجل الهيمنة في الشرق الأوسط. “كانوا يأملون في استغلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر لإقامة إمبراطورية، ولكن عندما رأوا أن هذه الرؤية تتلاشى، لم يعد يأسهم يعرف حدوداً” (بوكمان، 2004).

بعبارة أخرى، فإن الخوف من أن يصبح كل شيء أميركياً، كان من قِبَل العديد من الخبراء والسياسيين الأميركيين. على سبيل المثال، زعم مايكل وولف، كاتب العمود الإعلامي في مجلة نيويورك، أن: “هذا جزء من هذا الإيمان الهائل، هذا الإيمان الذي لا يرقى إليه الشك، بأن الناس في الشرق الأوسط عندما يتعرفون على القيم والأسلوب الأميركي، والمظهر والشعور الأميركي، سوف يصدقون ذلك،وهذا أمر لا يتحدثه أحد تقريباً. إنه أشبه بالتبشير” (بيركمان، 2003).

4. المعايير المزدوجة

لقد استخدم الساسة الأميركيون والأوروبيون أيضاً سياسة المعايير المزدوجةعندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية. على سبيل المثال، يقدم الساسة الأميركيون والأوروبيون دعماً مباشراً وغير مشروط لإسرائيل للدفاع عن النفس ويسمحون لها بفعل ما يحلو لها ضد الشعب الفلسطيني، في حين يرفضون حق الفلسطينيين في الدفاع عن النفس ويقفون ضد منحهم دولة مستقلة، ويعتبرون كل مقاتل فلسطيني إرهابياً ويعتقدون أنه يجب قتله.

البديـل

في اعتقادي يجب اعتبار الحرب الإسرائيلية على غزة دليلاً واضحاً على إعلان موت العالم العربي، وبالتالي فقد حان الوقت لجميع المثقفين والسياسيين (بغض النظر عن أعراقهم) في المنطقة للبدء في البحث عن بديل جديد لهذه الفكرة الميتة,  علي أن يكون هذا البديل الجديد أداة بسيطة وعملية لتوحيد جميع الشعوب في المنطقة على أسس القواسم المشتركةوأعتقد أن المظلة السياسية البسيطة والعملية التي قد توحد الشعوب في المنطقة هي ما أسميه الولايات الكونفدرالية في الشرق الاوسط“.

إن هذا النموذج الجديد سوف يسمح للأقاليم الفرعية الخمس المختلفة والمتميزة (وهي المغرب، والنيل، والمشرق، والخليج، والجنوب) بالتحالف والتعاون الوثيق وإعطاء الفرصة لجميع الشعوب لتحقيق هدفها المشترك والنهائي، الا وهو الاتحاد في أمة واحدة“. ولكي يتحقق هذا الهدف المشترك، لابد ان يتم إنجازه تدريجياً وعلى مراحل متتالية على النحو التالي:

المرحلة الأولى

إن الخطوة الأولى في هذه العملية هي تشجيع الدول الفردية داخل الأقاليم الفرعية الخمس المختلفة والمتميزة على العمل معًا بشكل وثيق لإنشاء الكونفدراليات الخمس للمناطق الفرعيةقوية ومزدهرة, والخريطة التالية توضح هذه المناطق الفرعية الخمس:

المرحلة الثانية

وبمجرد إنجاز المرحلة الأولى بنجاح، وبدء الدول داخل المناطق الفرعية الخمس في العمل والتعاون بشكل وثيق وقوي مع بعضها البعض، وتمكنها من إنشاء الكونفدراليات الخمس للمناطق الفرعية قوية ومزدهرة. عندها، وعندها فقط، يمكن لهذه المناطق الفرعية الخمس أن تبدأ في العمل معًا لإنجاز المرحلة الثانية على أسس القواسم المشتركة لتحقيق هدفها النهائي الا وهو إنشاء كونفدرالية بينها قوية وناجحة.

والمقصود بالكونفدرالية هنا هو إنشاء تحالف قوي بين المناطق الفرعية الخمس من أجل تحقيق الوحدة التي تسمح لكل دولة عضو (في هذا التحالف) بحكم نفسها وفي نفس الوقت التعاون مع الآخرين لتحقيق أهداف مشتركة لا يمكنها تحقيقها بشكل فردي. بعبارة أخرى، الكونفدرالية هي تحالف دول ذات سيادة لتحقيق التعاون، وليس اتحاد ذو حكومة مركزية قوية,ولعل الشكل التالي يوضح هذا النوع من الكونفدرالية.

الخلاصة

لعله من المناسب ان أختم هذه المقالة بالتاكيد على بعض النقاط الرئيسية التي ذكرتها أعلاه، وهي:

أولاً: نهاية حلم بعيد المنال

الأمر الأكثر حزناً هو أن المفهوم الفكري الافتراضي الزائف للعالم العربي جعل الغالبية العظمى من العرب، وخاصة الشباب، خلال الأجيال الماضية يعيشون حلماً بعيد المنال، وتحول أخيراً إلى أداة لعرقلة أي محاولة جادة للتقارب والتعاون بين مختلف شعوب المنطقة.

ثانياً: مجرد شعار

الأمر الأكثر حزناً هو أن الحرب الوحشية والهمجية في غزة أظهرت أنه لا وجود لما يسمى العالم العربي، وأقرت بأنه ليس سوى شعار فارغ وعائق كبير أمام تحقيق الوحدة الحقيقية بين دول المنطقة. لذا فقد حان الوقت للتخلص منه والعمل الجاد لاستبداله بمفهوم آخر بسيط وعملي يوحد كل شعوب المنطقة.

ثالثاً: فشل الأغلبية

الأمر الأكثر حزناً هو أن الشعب الفلسطيني، للأسف الشديد، وجد نفسه يواجه عدواناً إسرائيلياً همجياً ووحشياً بمفرده، وقد فشلت الأغلبية العظمى (باستثناء قلة قليلة) من الشعوب العربية فشلاً ذريعاً في مساندته.

رابعاً: نفاق حكام العرب

الأمر الأكثر حزناً هو أن الحرب الوحشية والهمجية في غزة أظهرت نفاق الحكام العرب وأتبثت أن كل ما يهمهم, بلا خجل, هو البقاء في السلطة ما داموا قادرين وبأي ثمن، وأنهم على استعداد للتحالف مع الشيطان لتحقيق أهدافهم، فضلاً عن أنهم يدعمون الإسرائيليين ويشجعونهم سراً للتخلص من أخوتهم المقاتلين من أجل الحرية في غزة.

خامساً: إزدواجية المعايير

لقد أظهرت الحرب الإسرائيلية الوحشية والهمجية على غزة بوضوح أن الإنسان الأميركي والأوروبي والإسرائيلي في نظر الزعماء الأميركيين والأوروبيين هو أفضل ويستحق أكثر من الإنسان العربي أو المسلم.

سادساً: حتمية النضال

الأمر الأكثر حزناً هو أن الحرب الإسرائيلية الوحشية والهمجية علي غزة أظهرت لكل محبي الحرية في أنحاء العالم أن الشعب الفلسطيني رغم تعرضه للقمع ومحاولة طرده من أرضه، الا انه مُصر علي مواصلة النضال ولن يتخلى عن مواصلة الكفاح لتحقيق حريته واستقلاله مهما كلفه ذلك.

سابعاً: الولايات الكونفدرالية في الشرق الأوسط

بمعني أن الوقت قد حان لكل الوطنيين في هذه المنطقة للتعاون من أجل إنشاء مظلة سياسية جديدة، يمكن أن نطلق عليها الولايات الكونفدرالية في الشرق الأوسط“. هذا النظام السياسي الجديد سيمكن كل دولة من تحقيق سيادتها وحكم نفسها بشكل مستقل، وفي الوقت نفسه، ستكون قادرة على العمل مع الدول الأخرى في القضايا التي لا تستطيع تحقيقها بشكل فردي.

ثامناً: هوية عربية شاملة

لقد أثبتت الحرب على غزة بما لا يدع مجالا للشك أنه لا وجود لما يسمى الهوية العربية الشاملة“! ومن هنا نستطيع أن نستنتج أن نشطاء مشروع الوطن العربيقد فشلوا فشلا ذريعا في محاولتهم التي استمرت لأكثر من مائة وخمسين (150) عاما لتحقيق هذا الهدفبمعني لقد فشلوا في تحديد من هم؟!” وما هي أهم القواسم المشتركة والقضايا التي تجمعهم؟ فحتي القضية الفلسطينيةالتي كانت الشعار الرئيسي (ومن أهم الأهداف) لكل تغيير سياسي شهدته الدول العربية منذ عام 1948، أصبحت هذه قضية لا تعني الكثير منهمأو بعبارة أخرى، يمكن القول, إن الحرب على غزة أسقطت ما يسمى ورقة التينالتي كانت تغطي عورتهم

والأسوأ من ذلك كله، فيما يتعلق بالقواسم السياسية المشتركة, التي كان من المفترض أن تحدد معنى الهوية العربية الشاملة، نجد أن النخب والحكام العرب هم أكثر من استخفوا بها, فعلي سبيل المثال, نجدهم قد استخفوا بلغتهموحتى بعد أن اعترفت الأمم المتحدة ـ في سبعينيات القرن الماضي ـ باللغة العربية واعتبارها اللغة الرسمية السادسة على المستوى الدولي (من بين أكثر من ستة آلاف لغة ولهجة في العالم)، تجد هؤلاء الحكام والمسؤولين العرب يخجلون من التحدث بلغتهم العربية، بل يفضلون التحدث باللغات الأجنبية الأخرى، وخاصة الإنجليزية، حتى وإن كان أغلبهم لا يجيدها للأسف!

تاسعا وأخيراً: ضرورة توحيد شعوب المنطقة

لعله من المناسب أن أنهي مقالي هذا بتقديم أحر التعازي لكل الوطنيين والمخلصين العرب في هذا الفقيد – الوطن العربي، الذين ناضلوا بجد واجتهاد من أجل تحقيق هذا الحلم، خلال العقود الماضية، وأرجو منهم أن لا يستسلموا، وأن يواصلوا نضالهم لتحقيق التحالف والتعاون المنشود بين كل شعوب المنطقة. بمعني أخر, لقد اصبح من الضروري تحقيق وحدة كل شعوب المنطقة, لان ذلك ما تتطلبه المرحلة القادمة.

***

د. محمد بالروين ـ بروفسور فخري في السياسة والإدارة، جامعة تكساس إي آند إم الدولية، لاريدو، تكساس، الولايات المتحدة الأمريكية

_______________

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك

مواد ذات علاقة