جازية جبريل محمد شعيتر

ماهية المحاماة العامة
مؤسسة المحاماة العامة، هي مؤسسة دولة متفرعة من النظام القضائي الليبي، ولعلها تضمن الحق في المحاكمة العادلة المتوجب لاستعانة المتخاصمين أمام القضاء بمحام. ويراها البعض من تجليات مبدأ مجانية التقاضي؛ لأنها تقدم للمواطنين بدون مقابل.
يحيل مصطلح المحاماة إلى مصطلح الحماية، وهو مصطلح لافت لأنه إقرار بأهمية دور هذه المؤسسة وأعضائها؛ فهم حماة للساعين للعدالة، ولعلهم حماة للعدالة القضائية نفسها؛ فميزانها سيكون مختلاً حال غياب من يمثل المواطنين تمثيلا أمثل أمام القضاء، ولذلك يقال إنهم أعوان للقضاء.
أما عن مصطلح “العامة” فهو من أجل تمييز هذه المؤسسة عن المحاماة الخاصة المعروفة قبلها والتي كانت لغاية أوائل ثمانينات القرن المنصرم هي المؤسّسة الوحيدة التي تتكفّل بمهمة حماية الساعين للعدالة القضائية.
إلا أنّ مصطلح “العامّة” تم اعتماده مؤخرا في 2013، حيث كان النظام السياسي القائم عند إنشائها في 1981، قد اعتمد مصطلح “الشعبية” تماشيا مع أيدولوجيته المهيمنة القائمة على “الشعبوية” وذلك على غرار الجماهيرية الشعبية، المؤتمرات الشعبية، اللجان الشعبية، محكمة الشعب ..إلخ.
المحاماة العامّة فكرة تبناها النظام السابق. وقد اختلف المحللون بشأن الفلسفة الكامنة وراء استحداثها، فمنهم من قال إنها أحد أوجه تطبيق الاشتراكية التي نادى بها الكتاب الأخضر وأن أفكار القذافي بشأن التأميم طالت حتى المحاماة الخاصة.
ويميل أنصار ذلك الرأي للقول بوجوب إلغاء هذه الفكرة المستحدثة على النظام القضائي الليبي والعودة لما كان عليه الحال قبل ثمانينات الألفية المنصرمة من اعتماد تام على المحاماة الخاصة مع تفعيل العمل بنظام المساعدة القضائية.
ومنهم من قال إنها ليست نظاماً للمساعدة القضائية بل هي نظام أوسع نطاقاً من حيث الخدمات والمستفيدين منها. ويرى هذا الرأي بأن المحاماة العامة تتفق مع ما انتهت إليه مجامع فكرية تؤصل حقّ التقاضي وضرورات الدفاع أمام المحاكم والجهات ذات الطابع القضائي وتذود عن محدودي الدخل.
ولذا، فإن وجودها خصوصية مهمة في القطاع العدلي في ليبيا وأن المحافظة عليها مع تطويرها يضمن تحصينها من أي إلغاء مع ضمان تكاملها مع آليات الدفاع القانوني الأخرى.
ولعل ذلك ما تبناه صناع القرار بعد 2011، فقد غيروا مسمى تلك الإدارة من المحاماة الشعبية إلى “المحاماة العامة”، وذلك بمقتضى أحكام القانون رقم 14 لسنة 2013، في إعلان مهم عن إبقائها بعد فصلها عن أيديلوجية النظام السابق.
أعضاء المحاماة العامة
العاملون بالمحاماة العامة هم المحامون العموميون من حملة الليسانس والحاصلون على تدريب إضافي عقب قضاء عامين في المعهد العالي للقضاء، إضافة لبعض الموظفين المتخصصين في الإدارة أو التقنية يتولى قيادتهم رئيس القلم التابع لرئيس الفرع. يلتحق بالإدارة أيضاً عدد كاف من رجال الضبطية القضائية.
وفي بداية الإنشاء 1981 وصف المنتمي لمؤسسة المحاماة، التابعة للدولة، بالمحامي الشعبي، وبعد تعديل 2013 سمّيت بالمحاماة العامة ووصف المنتمي إليها بالمحامي العام، إلا أن مصطلح المحامي العام يتقاطع في النظام القضائي الليبي مع مصطلح أقدم منه لوظيفة أخرى بعيدة عنه في المعنى؛ حيث أن مساعد النائب العامّ على مستوى محاكم الاستئناف يطلق عليه مصطلح المحامي العام.
ومنعا للبس، نستخدم مصطلح “المحامي العمومي” للتعبير عن المحامي التابع لإدارة المحاماة العامة وهو موظف عام يعين بدرجة محامٍ تحت التمرين وصولا إلى رئيس إدارة وهو ما يعادل درجة رئيس محكمة استئناف.
ويصنف المحامون العموميون بالتدرج من الأدنى درجة إلى الأعلى: محامٍ تحت التمرين، ومحامٍ من الدرجة الرابعة، ثم الثالثة، ثم الثانية، ثم الأولى، وبعدها محامٍ من الفئة ج، والفئة ب، والفئة أ، وأخيرا وكيل إدارة، ورئيس إدارة.
وعلى الرغم من الاعتقاد الشائع بكثرة عدد أعضاء إدارة المحاماة العامة مما يجعلهم يتقاسمون العمل القليل، فيما يعدّ بطالة مقنّعة ويجعل من المحاماة العامة ملاذا آمنا لمن يرغب في الحصول على مزايا الهيئات القضائية من دون أن يرهق في العمل، إلا أن بعض المحامين العموميّين يؤكدون أنّه بمراعاة الوضع الحالي وارتفاع معدل الجريمة وارتفاع عدد طالبي الخدمة بكافة الأقسام يعتبر عدد الأعضاء قليلا، وهو ما يؤدي لإرهاق المحامي بسبب كثرة القضايا المسلّمة إليه؛ أما إذا زاد عدد المحامين لأصبح بالإمكان أن يأخذ المحامي عددا معقولا حتى يتمكن من أداء عمله على أكمل وجه.
وهناك معايير عدة تراعى في تقييم كفاءة هؤلاء المحامين ومنها:
-
عدد القضايا والمنازعات التي باشرها في فترة التفتيش وأنواعها وما أجراه بشأن كل منها.
-
مدى اهتمامه بعمله من حيث حضوره الجلسات وتقديم تقرير عن مجريات كل منها لرئيس القسم المختص ومدى متابعته للأحكام وبحث أوجه الطعن فيها، وذلك من خلال اطلاع المفتش على ملفات الدعاوى.
-
متابعة العضو للقضايا والاطلاع عليها وتجميع عناصرها وكتابة المذكرات فيها ومدى حرصه على إرفاق المستندات اللازمة بملف الدعوى، وحرصه على تبادل المذكّرات وإيداعها في مواعيدها المحدّدة وعدم طلبه تأجيل الدعوى من دون مقتضى.
-
مدى سلامة تقدير العضو للوقائع المعروضة عليه وتكييفها التكييف القانوني السليم، ومتابعة التطورات التشريعية والسوابق القضائية، ومدى استعداده للمرافعة ومقدرته للرد عما يثار من دفاع ودفوع قانونية.
-
مدى التزامه بمواعيد العمل الرسمية.، ومدى حرصه على الاحتفاظ بمفكرة قضائية وتدوين الأعمال المسندة إليه وتقديمها للمفتش القضائي عند الطلب.، إضافة لمدى حرصه على إرسال إحصاءاته الشخصية في الأسبوع الأول من كل شهر.
المحامون العامون أعضاء هيئة قضائية وهم زملاء في النظام القضائي لأعضاء السلطة القضائية (القضاة ووكلاء النيابة) ويقال في بيان مزية هذه المؤسسة إنها مدرسة يتعلم فيها المنتمون إليها باعتبارهم أهم رافد للقضاة ويدعمون القضاء لاحقا بقضاة مؤهلين.
فالقاضي المنقول من النيابة لا يبرع سوى في الجنائي والقاضي الآتي من إدارة القضايا لا يبرع سوى في الإداري بينما القاضي الآتي من المحاماة العامة يبرع في كل تخصصات القانون.
ومن جهة أخرى، يعدّ النقل إلى المحاماة العامة عقوبة غير مقنّنة لأعضاء السلطة القضائية؛ فالقاضي الذي تحصل على تقدير أدنى من جيد أو يخالف مدونة السلوك القضائي يحول إلى المحاماة العامة.
ووكيل نيابة الذي يخالف تعليمات رؤسائه أو يخطئ في تطبيق القانون نتيجة لعدم التأهيل الجيد يُنقل للمحاماة العامة.
ولا يمكن أن يعتبر النقل للمحاماة العامة إلا على أنه عقوبة، لأن النقل من القضاء إلى المحاماة هو عزل، عقوبة لأنه أخل بالعمل القضائي، وهي عقوبة مخففة هو مفروض أن يفصل نهائيا أو يحال للخدمة المدنية.
ومن الملاحظة الدقيقة يتبين أن هذا النقل ذي الطبيعة العقابية يكون في الأغلب للرجال من القضاة وأعضاء النيابة وهو ما يرسخ تمييزا سلبيا في اتجاه مؤسسة المحاماة العامة.
هذ الممارسة السائدة عملياً من الجهة الرقابية “إدارة التفتيش” والإدارة العليا “المجلس الأعلى للقضاء” سبق أن انتقدت ونادت الأصوات بضرورة إنهائها، ولعل الطريق الأنجع لإنهائها هو تعديل القانون المجيز لهذه الممارسة غير الرشيدة، سواء المادة 15 من قانون رقم 4 لسنة 1981 بشأن المحاماة الشعبية، وكذلك المادة 51 من قانون رقم 14 لسنة 2013 بشأن تعديل نظام القضاء.
قيل في سبيل تحسين هذا الخلل البنيوي بوجوب إخراج المحاماة وإدارة القضايا من المجلس الأعلى للقضاء وأن تقتصر السلطة القضائية على النيابة والقضاة فقط، بيد أن أعضاء المحاماة العامة يرفضون فصل الهيئات القضائية ويريدون أن تكون المحاماة داخل المجلس الأعلى للقضاء طمعاً في الحركة العكسية التي تنقلهم من المحاماة للنيابة أو القضاء.
…
يتبع
***
جازية جبريل محمد شعيتر ـ استاذ القانون الجنائي بكلية القانون جامعة بنغازي، .وكيل كلية الحقوق للشؤون العلمية، نائب رئيس مركز دراسات القانون والمجتمع
____________
