جازية جبريل محمد شعيتر

السياقات المؤثرة في عمل المحاماة العامة
ثمة سياقات عدة تؤثر في عمل المحاماة العامة. أبرزها الآتية:
التغيرات السياسية والأطر التشريعية
نشأتْ المحاماة العامة مرتبطة بالنظام السياسي وأن تغيير هذا النظام قد أفسح المجال واسعا للدعوة إلى إلغائها مما أثّر على شعور المحامين العموميين بالقلق على مصير المؤسسة وانعدام الأمن الوظيفي لديهم.
إن السياق الدستوري مؤثر جدا حيث تبين أثناء صياغة مشروع الدستور الليبي كيف طالب المحامون العموميون بدسترة المؤسسة حماية لها من السلطة التشريعية التي قد تهددها بالإلغاء.
وتشي صياغة مجمل القوانين المنظمة لعمل المؤسسة ( قانون النظام القضائي/ قانون المحاماة العامة وتعديله/ قانون المحاماة الخاصة/ لائحة التفتيش القضائي/ قرارات المجلس الأعلى للقضاء/ توجيهات النيابة العامة) برؤية ضبابية بشأن المحاماة العامة.
وقد أحدثت هذه الرؤية خللا بنيويا في النظام العدلي، تمظهر في هذا التصنيف غير الرسميّ لمؤسسة المحاماة العامة على أنها عقوبة ضمنيّة لرجال القضاء. كما تمظهر في تلك الأعراف العملية الجارية داخل المؤسسة لجهة إنها وظيفة عدلية يمكن للنساء العمل فيها من دون التزام أو إرهاق مع الحفاظ في الوقت ذاته على المزايا الوظيفية للهيئات القضائية.
الفساد الإداري
يتعين علينا التساؤل حول أثر السياق الإداري في الدولة الليبية على فاعلية عمل إدارة المحاماة العامة. وهو سياق يحيط بالمؤسسات العدلية كلها، بل بمؤسسات الدولة الليبية كافة. فالسياق الإداريّ العامّ للدولة الليبية بما فيه من مظاهر فساد إداري يحيط بكل مؤسسات القطاع العام فيها.
ومن أمثلتها وهن أنظمة الرقابة، وتفشي ظاهرة البطالة المقنعة، وعدم الاستقلالية المالية والمركزية فيما يتعلق برسم السياسات وصنع القرار، وازدواجية الوظائف، وعدم الانضباط في العمل، ضعف التكوين وعدم التدريب والتطوير.
الاضطرابات الأمنية
السياق العام للبلاد بعد 2011 يتميّز بالانفلات الأمني، والوهن في إنفاذ القانون، وانتشار السلاح، مما يعرض أعضاء الهيئات القضائية للتهديد، ولا تحميهم حتى حصانتهم الوظيفية. وقد شهدت ليبيا حالات اعتداء شهيرة على أعضاء نيابة، وعلى القضاة وعلى أعضاء من المحاماة الخاصة، ولكنها لم تسجل حالات مماثلة على أعضاء المحاماة العامة.
لعل السبب في ذلك يرجع لكون أغلبهم نساء، أو لأن قراراتهم وآراءهم ليست مؤثرة على أرض الواقع. ناهيك عن تأثير مرحلة النزاع على سلامة المقرّرات الخاصّة بالمؤسسات العدلية بصفة عامة مما عرضهم لتجربة العمل في مكان غير لائق.
السياق الأمني يحيل المحامي العام والمحامي بصفة عامة للقلق من فكرة أن يكلّف للدفاع عن متهم سياسي أو متهم رأي فهو يعرض نفسه في هذه الحالات لخطر أن يلاحق شخصيا.
الانفلات الأمني يجعل لدى بعض المحامين يقينا أن “قانون القوة” هو المبدأ المحترم لا “قوة القانون”.
هيمنة أدوات ضبط اجتماعي تقليدية
سطوة أدوات الضبط الاجتماعي التقليدية، العائلة والقبيلة، بمنظومتها العرفية المحافظة تؤثر على عمل الإدارة العدلية، في ظلّ تدنّي الوعي بالحقّ في التقاضي، والشعور الدائم بأنّ اللجوء للتقاضي وصمة عار؛ بالذات في القضايا العائلية والقضايا الأخلاقية، وبالذات للنساء. والد إحدى الزوجات فضّل أن تضيع حقوق أبنته وتسلم أولادها على أن يدخلها المحكمة أو يأتي بها لإدارة المحاماة العامة لمحاولة الانتصاف من الزوج. جرائم الإيذاء والقتل العمد والخطأ يتدخل فيها العرف أكثر مما يتدخل فيها القانون. وبالتالي شيوخ القبيلة أكثر فاعلية من المحامين في حسم هذه القضايا.
كما نلحظ تغلغلا سلطويا لتيّار دينيّ متشدّد من أشهر تطبيقاته تلك الرؤية للعلاقة بين نساء العائلة ورجالها وبالذات الأزواج. فهو يرى أن للزوج حق تأديب زوجته وأن المرأة لا يجوز لها الشهادة منفردة ومن باب أولى لا يجوز لها تولي القضاء.
وبالتالي فإن هذا التيار يؤثر على فاعلية عمل المؤسسة على العدلية؛ فنجد أن حقّ الزوج في تأديب زوجته من الموروث الثقافي ذي السند الديني وله سند قانوني في المادة 14 من قانون العقوبات الليبي، وتطبيقات قضائية للمحكمة العليا، مما يجعل المحامي الكفوء يدفع به مستندا إلى آيات قرآنية فسرت بأنها مبيحة له، لضمان الفوز في قضية الزوج المتهم بالعنف ضد الزوجة المعنفة سواء كان المحامي رجلا أو امرأة، في غياب ملحوظ للدفع بالقواعد الدستورية المتضمنة للحقوق والحريات، ومن باب أولى للاتفاقيات الدولية الحقوقية.
ثقافة المحامي العام
القصور اللغوي، حيث أن مذكرات الدفاع المثالية تستلزم الاستشهاد بتجارب مقارنة قانونية وقضائية بالذات اللاتينية لأنها مصدر تاريخي للنظام القانوني الليبي. وهذا يتوجب معرفة جيدة باللغات الأجنبية “الإيطالية الفرنسية”. ناهيك عن مثول جنسيات كثيرة أمام القضاء الليبي في قضايا الهجرة اللا شرعية، وهو ما يتطلب معرفة جيّدة باللغة الإنجليزية باعتبارها لغة عالمية. كل هذه المعرفة اللغوية مفتقدة لدى المحامي العمومي، والعاملين في القطاع العدلي عموما.
نقطة أخرى يمكن أن تشكل سياقا مؤثرا في الأداء العدلي للمحامين العموميين؛ وهي ضعف إجادتهم للغة العربية الفصحى. فاللغة العربية هي اللغة الرسمية المحاكم. فإذا عبّر الساعي عن مظلمته وطلباته بلهجة محلية، فعلى المحامي تحويلها للغة العربية. ويجب أن تعمل مذكرات الدفاع على حسن صياغة السرد اللغوي للوقائع والتفسير اللغوي للقانون والاستشهاد اللغوي بالأحكام القضائية.
فإذا عرفنا أن اللغة العربية الفصحى تعاني من إهمال على المستوى العام، وعلى المستوى الأكاديمي في كليات القانون والمعهد العالي للقضاء، وحتى على مستوى الدورات التدريبية للمحامين العموميين، فيمكننا استنتاج معوق مهم في سبيل تحقيق أمثل للعدالة.
ولعل دلائل ذلك شكاية القضاة والمفتشين القضائيين من سوء خطّ المحامين وعدم قدرتهم على التعبير عن دفاعهم بطريقة صحيحة. وكذلك يشتكي المحامون من رداءة الخط الذي تكتب به الأحكام.
غياب الهوية الاقتصادية
القاعدة العامة تقتضي أن المحاماة العامة مؤسسة لخدمة محدودي الدخل، والمحاماة الخاصة للمقتدرين. ولكن الواقع يقول أن المحاماة الخاصة تترافع عن محدودي الدخل تحت بند المساعدة القضائية، وتترافع المحاماة العامة عن المقتدرين بحجة أن القانون لا يمنع ذلك صراحة؛ حيث يفترض أن تقدم الخدمات المجانية لمستحقيها فقط، فهذا يساعد في تقليل عدد العملاء، مما يزيد من كفاءة خدمة المحامي.
وفي ظل الفارق الكبير بين ما يكسبه المحامي الخاص وما يتقاضاه المحامي العام، يمكننا تصور خلل اقتصادي قد يؤدي لمظاهر فساد إداري وإن كانت من المظاهر المخفية؛ الطمع في أخذ عطايا من الموكلين الموسرين، الصرف من ماله الخاص على الموكلين المعسرين.
كما يغيب عن ليبيا تنظيم عام للعلاقة بين القطاع العام والخاص، وما يتبعه من غياب لتنظيم قانوني أمثل للعلاقة بين المحاماة العامة والخاصة والتي يفترض أن تقوم على الشراكة والتعاون، وغياب تنظيم وتأطير للمسؤولية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية وتجلياتها في المجال العدلي “المساعدة القانونية المجانية”.
…
يتبع
***
جازية جبريل محمد شعيتر ـ استاذ القانون الجنائي بكلية القانون جامعة بنغازي، .وكيل كلية الحقوق للشؤون العلمية، نائب رئيس مركز دراسات القانون والمجتمع
________________
