ياسمينة أبو الزهور و طارق محمد يوسف

مستقبل علاقة الشعوب والمؤسسة العسكرية
لقد تأثّرت بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعمق على مدى عقود طويلة بتدخّل المؤسّسة العسكرية في السياسة وسوء إدارتها للاقتصاد، بالإضافة إلى اعتراضها التحوّلات، والانقلابات التي قادتها.
ومع ذلك، تحتفظ الجيوش بمكانتها الإيجابية بين عامة الشعب في أغلب البلدان، حتى في خضم الاضطرابات السياسية والخلافات الاجتماعية، وتحديداً بين المواطنين الذين يهتمّون بالسلامة، ومحافظين سياسياً، وبشكلٍ لافت يدعمون الديمقراطية. فماذا يخبرنا ذلك إذاً عن المشهد الاجتماعي والسياسي الأوسع في المنطقة؟
تنطوي الثقة العالية في القوات المسلّحة على آثار مجتمعية واضحة، وتشكّل اختباراً حقيقياً للمشاعر العامة. فهي تعكس خيبة الأمل العامة في الجهات الفاعلة والمؤسسات السياسية، ما يشير إلى إجهاد تجاه الحوكمة. وفي الوقت عينه، يُنظر إلى الجيش على أنّه قوة لتحقيق الاستقرار، ما يعكس المشاعر العامة التي تبحث عن حبل نجاة في أوقات الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وبالتالي، تشير الثقة العالية في الجيش إلى الفشل المؤسّسي، كما تدلّ على الحاجة الراسخة إلى الاستقرار.
بالتالي، تشير هذه الظاهرة إلى توجّهات أوسع نطاقاً – خيبة الأمل من العمليات السياسية، وتدهور العقود الاجتماعية، والتوق إلى الاستقرار. وتشكّل هذه الاتّجاهات الأنماط السياسية، وتؤثّر في نتائجها، وتساهم في تحديد الهويات الوطنية. باختصار، تتشابك مسألة الثقة في الجيش مع المسار المستقبلي للمعايير والمؤسسات الديمقراطية، سواء في داخل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أو خارجها. والأهم من ذلك، لا تقتصر الثقة العالية في الجيش على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فحسب، بل تعكس توجّهاً عالمياً.
فعبر الديمقراطيات والديكتاتوريات، في كلّ من الاقتصادات الغنية والمتعثّرة، تتفوّق القوات المسلّحة على المؤسّسات الوطنية الأخرى. والأمر سيّان حتى في الدول ذات الجيوش المعروفة بتاريخها العنيف.
وفي أفريقيا، حيث شهدت دولها أكبر عدد من الانقلابات في التاريخ الحديث، حصلت ستة انقلابات ناجحة منذ العام 2020، ويستمر القتال بين الفصائل المسلّحة في السودان ومالي.
وأعرب ما يقرب من 62 في المئة من الشعب الأفريقي، في المتوسط، عن ثقة كبيرة في قواته المسلّحة في العام 2022 وقادت جيوش أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي عبر التاريخ أنظمة قمعية وتدخّلت في العمليات السياسية. ونشهد اليوم عودة للجيش إلى السياسة، بناء على طلب القادة المدنيين في أغلب الاحيان. وحصدت القوات المسلّحة ثقة 54 في المئة من المواطنين الذين شملهم الاستطلاع في العام 2023، وهي نسبة أكبر من أي مؤسّسة وطنية أخرى.
كيف يمكننا استخدام نتائج الاستطلاعات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لرسم إستراتيجيات من شأنها أن تعزّز المعايير الديمقراطية وتحسّن العلاقات العسكرية والمجتمعية في مناطق أخرى؟
تثير الثقة التي يوليها الكثيرون في القوات المسلّحة تساؤلات حول ما يطلبه المواطنون من مؤسسات الدولة. وخلافاً للمؤسسات السياسية، تعتبر الشعوب الجيش مؤسّسة مرنة، وتضع بين يديها مسؤولية كبرى تتمثّل في توفير الأمن والدفاع عن الاستقرار.
ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى مستقبل العلاقات العسكرية المجتمعية في هذه المناطق؟ قد يشير استمرار الثقة العالية إلى تحوّل في الثقافة السياسية، حيث لا يقتصر دور الجيش في المجتمع على توفير الأمن فحسب.
وفيما شكّلت الجيوش في هذه المناطق عناصر فاعلة في قلب الأنظمة السياسية أو الحفاظ عليها، تشير الثقة التي تحظى بها من المواطنين إلى ديناميات اجتماعية أوسع. وعلى الرغم من دور القوات المسلّحة المعقّد والمقلق في الحكم، فإنّه يحظى بمستوى من الثقة العامة يتحدّى الحكمة التقليدية ويضطرنا إلى إعادة تقييم فهمنا للعلاقات المعاصرة بين الجيش والمجتمع.
وقد يشكّل ذلك مؤشّراً على نماذج الحكم المستقبلية والتوقعات المجتمعية، ويشير إلى حاجة الجهات السياسية الفاعلة إلى النظر في مكانة الجيش في الحكم الديمقراطي بجدية أكبر، وربما زيادة آليات الرقابة المدنية.
في الوقت الحالي، ومع احتداد الأزمة في السودان، واستمرار حكم المجالس العسكرية التي استولت على السلطة مؤخّراً في دول الساحل، تتّجه كل الأنظار نحو الجيش، في تذكير واضح بنفوذه الراسخ ودوره الكبير كقوة لتحقيق الاستقرار وحافز محتمل للتغيير.
***
ياسمينة أبو الزهور هي زميلة غير مقيمة في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية وزميلة ومحاضرة في جامعة برينستون. وكانت قبل ذلك زميلة بحوث ما بعد الدكتوراه في مبادرة الشرق الأوسط بجامعة هارفارد.
طارق محمد يوسف هو زميل أوّل ومدير مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. وكان قبل ذلك زميلاً أولاً ومدير مركز بروكنجز الدوحة وأيضاً زميلاً غير مقيم في برنامج السياسة الخارجية بمعهد بروكنجز في العاصمة الأمريكية واشنطن. وهو أيضاً زميل بحوث في منتدى البحوث الاقتصادية في القاهرة.
_______________