ياسمينة أبو الزهور و طارق محمد يوسف

وبعيداً عن السياسة، يمكن القول إنّ النخب العسكرية قد مكّنت الفساد والمحسوبية في مختلف البلدان واستفادت منها. ففي مصر، على سبيل المثال، أنشأ الجيش إمبراطورية اقتصادية كبيرة تضمّ قطاعات متعدّدة مثل البناء والتصنيع والزراعة والسلع الاستهلاكية.

وتيسّر هذا الأثر الاقتصادي من خلال شبكة واسعة من الشركات والمؤسسات التي تتلقّى معاملة تفضيلية وعقوداً حكومية، ما يمنحها ميزة تنافسية على الشركات الخاصة. وتستفيد النخب العسكرية الجزائرية من الاقتصاد الريعي من خلال التفاوض مع الشخصيات السياسية والإدارية. ونتيجة لذلك، فهي تتلقّى معاملة تفضيلية في المشاريع العقارية، والالتزامات الضريبية، والإجراءات البيروقراطية.

بالإضافة إلى ذلك، تشير التقارير إلى أنّ الجهات الفاعلة العسكرية تستفيد من عمليات التهريب في المناطق الحدودية، وتحديداً تلك التي لا تستطيع وكالات إنفاذ القانون الوصول إليها.

ويمكن أن تترتّب تداعياتٌ كارثية على تدخّل الجهات الفاعلة العسكرية بالاقتصاد. ففي ليبيا ما بعد العام 2014، تنافست ميليشيات قوية ومجموعات مسلّحة وفصائل عسكرية من أجل السيطرة على موارد الدولة، بما في ذلك البنية التحتية النفطية والمعابر الحدودية ومسالك التهريب.

وقد أدّت عسكرة الاقتصاد هذه إلى اشتداد المنافسة على الموارد، والسلوك الريعي، واستغلال الموارد الطبيعية في ليبيا لتحقيق مكاسب مالية. ونتيجة لذلك، تفاقم عدم الاستقرار الاقتصادي، وتعرقلت الجهود المبذولة لإنعاش الاقتصاد، وغرقت البلاد في اضطرابات سياسية.

ما حجم الثقة في القوات المسلّحة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

على الرغم من التاريخ المضطرب للتدخّل العسكري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تكشف استطلاعات للرأي أجراها الباروميتر العربي بين 2021 و2022 أنّ الجيش يحظى بثقة كبيرة بين المواطنين. بالفعل، فقد أعرب أكثر من 70 في المئة من المواطنين الذين شملهم الاستطلاع عن ثقتهم الكبيرة في القوات المسلّحة.

واستمرّ ذلك على مرّ السنين. ففي الفترة الممتدة ما بين العامين 2011 و2022، تراوحت نسب الثقة العامة المعتدلة والعالية في الجيش في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بين 71 في المئة و81 في المئة في المتوسط .

تختلف مستويات الثقة في القوات المسلّحة بحسب البلدان. وفي المتوسّط بين عامي 2011 و2022، تراوحت هذه المعدّلات من 92 في المئة في تونس مقابل 47 في المئة في ليبيا.

ومع ذلك، حتى في ليبيا، أعرب جزء كبير من السكان عن ثقتهم الكبيرة في القوات المسلّحة. على سبيل المثال، في الجزء الشرقي من البلاد، أشار 87 في المئة من المواطنين الذين شملهم الاستطلاع إلى أنّه يمكن الثقة بالجيش بشكل هائل أو كبير في العام 2019 (مقابل 60 في المئة في الجنوب وحوالي 57 في المئة في الغرب).

علاوة على ذلك، في جميع دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي شملها الاستطلاع، بما في ذلك ليبيا، تحظى القوات المسلّحة بثقة أكبر بكثير من معظم المؤسّسات الوطنية مثل الحكومة والبرلمان والمجتمع المدني.

في الواقع، وعند مقارنة الثقة في القوات المسلّحة بالثقة في المؤسّسة التي احتلّت المرتبة التالية – في هذه الحالة، المجتمع المدني في معظم البلدان، باستثناء مصر – فإنّ الفارق لصالح القوات المسلّحة يتراوح من 61 نقطة مئوية في لبنان إلى 19 نقطة مئوية في السودان.

المعادلة العامة: من يثق بالجيش ولماذا؟

ما الذي يفسّر مستويات الثقة العالية التي يضعها مواطنو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في القوات المسلّحة؟ حدّد بحثنا عدداً من العوامل من شأنها أن تؤثّر في احتمالية ثقة مواطني المنطقة بقواتهم المسلّحة استناداً إلى دراسات حول العلاقات المدنية العسكرية والثقة المؤسّسية وأدبيات الاقتصاد السياسي المتنامية حول دور الجيوش في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتشمل هذه العوامل السلامة الشخصية، والطبقة الاجتماعية، والمحافظة السياسية، والتوجه الإسلامي، والثقة في المؤسّسات، والمواقف تجاه  الديمقراطية.

قمنا بدراسة هذه العوامل تجريبياً باستخدام بيانات الموجة الخامسة من استطلاع البارومتر العربي، التي جُمِعت بين العامين 2018 و2019، في الوقت الذي اندلعت فيه الاحتجاجات في أنحاء المنطقة كافة، وبالتالي، نُشرَت الجيوش بدرجات متفاوتة عبر البلدان.

وتشتمل البيانات على حوالي 10,000 إجابة من عينات تمثيلية على المستوى الوطني عبر تسعة بلدان. وتحظى أربعة من هذه البلدان بحكومات يقودها مدنيون (الأردن، ولبنان، والمغرب، وتونس)، وشهدت خمسة منها تاريخاً حافلاً من التدخّل العسكري أو الحكم العسكري (مصر، والعراق، وليبيا، والسودان، واليمن). ويسمح لنا ذلك بدراسة اختلاف دوافع الثقة في القوات المسلّحة في ظل الحكم العسكري مقابل الحكم المدني.

ما الذي يدفع الشعوب إلى الثقة في الجيش؟ تبرز السلامة الشخصية كمحرك رئيسي. أكثر من يثق في الجيش هم الأفراد الذين يشعرون بأنّ سلامتهم الشخصية وسلامة أسرهم مضمونة. ويشير ذلك إلى أنّ الشعوب قد تعتبر الجيش معقلاً للاستقرار والنظام يمكن اللجوء إليه في أوقات الاضطرابات.

ففي بلدان مثل الأردن أو المغرب، حيث تطبَّق تدابير سلامة صارمة، قد يعزو الناس هذا النجاح إلى الدور الذي يؤدّيه الجيش في الحفاظ على الأمن. وفي البلدان الأقل استقراراً مثل ليبيا أو السودان، حيث ساهمت الأعمال العسكرية في إحداث الفوضى، تُعتبر المؤسّسة العسكرية رغم ذلك ضمانة ضد انعدام الأمن ومدافعاً عن دولة هشة.

وتؤدّي الإيديولوجية أيضاً دوراً. يميل المحافظون – الذين يخضعون للدولة بصرف النظر عن آرائهم السياسية – إلى الثقة في الجيش أكثر من غيرهم، ربما لأنّهم يعتبرون الجيش رمزاً للتقليدية. كذلك، يحظى الجيش، على الرغم من تاريخه المثير للجدل، بالثقة بين مؤيّدي الديمقراطية، ويتحدّى الافتراضات التقليدية حول مدى توافقه مع الحكم الديمقراطي.

يقدّم تقسيم البيانات بحسب نوع النظام تفصيلاً تحذيرياً يجدر أخذه في الاعتبار: تظهر البيانات الواردة من البلدان ذات الأنظمة بقيادة مدنية العلاقة الإيجابية بين دعم الديمقراطية والثقة في الجيش.

أمّا في البلدان التي تتمتّع بتاريخ من الحكم العسكري أو تدخّل الجيش، فيظهر عدد من الأدلّة التي تبيّن نتيجة عكسية: يميل مؤيّدو الديمقراطية إلى الثقة بشكل أقل في الجيش، ما يعكس ربما تضاؤل الممارسات الديمقراطية في ظل الحكم العسكري الممتد.

وتنعكس كذلك الثقة في المؤسّسات السياسية – التي تُقاس من خلال وجهات النظر حول الحكومات أو البرلمانات – بشكل إيجابي على الثقة في الجيش. بشكل عام، أولئك الذين يثقون في المؤسسات السياسية يثقون على الأرجح بالقوات المسلّحة. ومع ذلك، عندما نأخذ في الاعتبار نوع النظام، نلاحظ تغييراً.

وعلى وجه التحديد، قد يضع الأفراد في الأنظمة التي يقودها مدنيون والذين لا يثقون بالمؤسسات السياسية ثقة أكبر في الجيش. وقد يُعزى ذلك إلى أنّه في البيئات التي ينظر فيها المواطنون إلى المؤسسات السياسية بشكل سلبي، فهم في المقابل ينظرون إلى الجيش باعتباره رمزاً للأداء الفعّال.

وهذا ما يفسّر مستويات الثقة المرتفعة بشكل لافت في الجيش في دول مثل الأردن وتونس ولبنان والاختلاف الكبير في مستويات الثقة في الجيش وفي المؤسسات السياسية المتعدّدة في هذه البلدان .

ومن ناحية أخرى، ففي البلدان التي شهدت تاريخاً من التدخل أو الحكم العسكري، تترافق الثقة في المؤسسات السياسية مع الثقة في المؤسسة العسكرية. وقد يكون ذلك بسبب تدخّل الجيش في المجال السياسي الذي يُعتبر قريباً من المؤسسات السياسية أو مسيطراً عليها.

ومن المثير للاهتمام أنّ الأفراد ذوي الدخل المرتفع هم أقل احتمالاً للثقة في الجيش، إذ قد يخشون التجاوزات الاقتصادية التي يقوم بها الجيش. وهذا هو الحال في دول مثل الجزائر ومصر، حيث تهيمن النخب العسكرية على قطاعات معيّنة أو تستغلّ العلاقات مع الحزب الحاكم للحصول على معاملة تفضيلية على حساب القطاع الخاص.

بالمقابل، قد تنبع الثقة في صفوف الطبقات الاجتماعية الدنيا من الدور الذي تؤدّيه القوات المسلّحة باعتبارها مصدر هام للتوظيف خاصة في البلدان التي تقودها المؤسّسة العسكرية، بالإضافة إلى التمثيل العالي لهذه الطبقات في عديدها.

وأخيراً، يتوقّع التوجّه الإسلامي – الذي يُقاس بآراء الناس حول دور رجال الدين في السياسة أو دور الشريعة في الأنظمة القانونية –ثقةً أقلّ في الجيش. وتتوافق هذه النتيجة مع التوقّعات بأنّ أنصار الإسلاميين ربّما يشعرون بعدم الثقة تجاه الجيش بسبب دوره في قمع الإسلاميين في عدد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بدءاً من مصر في العام 2013 وصولاً إلى الجزائر في العام 1992 وسوريا في العام 1982.

وبشكل عام، ترسم النتائج التي توصّلنا إليها صورةً عامة للدوافع وراء الثقة المتزايدة في القوات المسلّحة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويستمدّ الجيش الدعم من الشرائح المحافظة والطبقات الاجتماعية الدنيا، التي فقدت الثقة في البرلمانات والحكومات والتي تعتبر المؤسّسة حصناً ضد انعدام الأمن وعدم الاستقرار.

وبالإضافة إلى تراجع الثقة في الديمقراطية باعتبارها أفضل نظام للحكم والاستعداد لتمكين سلطة تنفيذية قوية، تسلّط الثقة الكبيرة في الجيش الضوء على إجهاد أوسع تجاه الحكم وخيبة الأمل في النظام السياسي.

***

ياسمينة أبو الزهور هي زميلة غير مقيمة في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية وزميلة ومحاضرة في جامعة برينستون. وكانت قبل ذلك زميلة بحوث ما بعد الدكتوراه في مبادرة الشرق الأوسط بجامعة هارفارد.

***

طارق محمد يوسف هو زميل أوّل ومدير مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. وكان قبل ذلك زميلاً أولاً ومدير مركز بروكنجز الدوحة وأيضاً زميلاً غير مقيم في برنامج السياسة الخارجية بمعهد بروكنجز في العاصمة الأمريكية واشنطن. وهو أيضاً زميل بحوث في منتدى البحوث الاقتصادية في القاهرة.

_______________

مواد ذات علاقة