عبير محمود

تبدو السياسية الخارجية للدول الأوروبية ودول حلف الناتو للوهلة الأولى بأنها موحدة ومتسقة فيما بينها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. ولكن إذا أمعنا النظر بها فإننا نجد كم كبير من الخلافات السياسية والأمنية والاقتصادية بين تلك الدول في عدد كبير من الملفات والأزمات الملتهبة حول العالم.

ويرجع خبراء السياسة ودارسيها ذلك، إلى اختلاف مصالح تلك الدول، والتغييرات السياسية التي تجري في الحكومات الغربية والأمريكية وأسباب أخرى لا يمكن حصرها بمقال تحليلي واحد.

ويمكن اعتبار ليبيا هي إحدى النقاط الساخنة حول العالم والتي تُبّين الأحداث الجارية فيها عمق الخلافات بين الدول الأوروبية وواشنطن ودول الناتو بشكل عام، وتعكس تضارب مصالح الدول المتدخلة في الصراع وكيف تنشط كل منها بشكل أحادي يلبي طموحاتها ومصالحها السياسية.

وبحسب بعض المراقبين فإن بعض دول الاتحاد الأوروبي تسعى للإمساك بإحدى ملفات الأزمة الليبية ليكون مدخلاً جيداً لها لتنفيذ مصالحها في ليبيا، ويعتبر ملف الهجرة غير الشرعية عبر ليبيا إلى أوربا في الأشهر القليلة الماضية أحد تلك الملفات الهامة التي تخطط إيطاليا للاستفادة منه بحجة أنها المتضرر الأول، في تعزيز نفوذها على حساب النفوذ الفرنسي والأمريكي والتركي.

ملف الهجرة كـ “ذريعة” لتعزيز النفوذ الإيطالي في ليبيا

في سياق ذو صلة، أعلن وزير الدولة للاتصالات والشؤون السياسية بحكومة الوحدة الوطنية الليبية وليد اللافي، لـ “وكالة نوفا” في بداية شهر يوليو الحالي، عن تنظيم حكومة الوحدة مؤتمر دولي حول مكافحة الهجرة غير الشرعية في طرابلس في 17 يوليو الجاري.

وتؤكد أحدث البيانات الصادرة عن وزارة الداخلية الإيطالية وصول ما لا يقل عن 25.692 شخصًا إلى السواحل الإيطالية عبر ليبيا عام 2023. و14.755 مهاجرًا من ليبيا حتى 5 يوليو 2024.

وأوضح للافي، أن العديد من الزعماء الأوروبيين والأفارقة أبدوا قدراً كبيراً من الاهتمام في المشاركة بالمنتدى، وأكدت إيطاليا مشاركتها إلى جانب دول أخرى.

في السياق ذاته، أكدت وكالة نوفا الإيطالية بأن رئيسة الوزراء الإيطالي، جيورجيا ميلوني، ستتوجه إلى العاصمة الليبية طرابلس، يوم الأربعاء المقبل للمشاركة في منتدى الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط.

وذكرت الوكالة أن وزير الداخلية الإيطالي ماتيو بينتيدوسي، سوف يرافق مليوني، خلال مشاركتها في المنتدى. وكانت رئيسة الوزراء الإيطالية زارت طرابلس وبنغازي في 7 مايو الماضي، والتقت رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد دبيبة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي.

مشاركة إيطاليا بمنتدى الهجرة عبر المتوسط.. الأهداف والغايات

وتعليقاً على هذه المعلومات أكد الباحث المتخصص بالشأن الليبي عبد الستار حتيتة، بأن إيطاليا تخطط للاستثمار في منتدى الهجرة المزمع عقده، أقصى استثمار، باعتباره سيكون مدخل لتعزيز نفوذها على حساب نفوذ دول أخرى.

وبحسب حتيتة، بما أن المؤتمر هدفه إيجاد حلول للهجرة غير الشرعية، فإنه من المتوقع أن يتم عقد اتفاقيات علنية وسرّية بين ليبيا وبعض الدول المشاركة وفي مقدمتهم إيطاليا للحد من هذه الهجرة، وبطبيعة الحال هذه الاتفاقيات سوف تتضمن اتخاذ إجراءات وتدابير تهدف للحد من الهجرة، ومنها إرسال قوات إيطالية مدربة ومعدات وأجهزة وآليات إلى ليبيا للسيطرة على الحدود وضبط عمليات تهريب المهاجرين، إلى جانب إنشاء قواعد عسكرية أو مراكز مراقبة لعمليات التهريب وطرق التهريب ومراكز الاتجار بالبشر.

إضافة لما سبق أكد حتيتة بأنه من الممكن أيضاً الاتفاق على توقيع بعض مذكرات التفاهم بخصوص التنمية وانشاء مشاريع استثمارية في ليبيا بهدف إيجاد عمل للمهاجرين أو مراكز لجوء.

ووفقاً لحتيتة فإن كل ما سبق ذكره من إجراءات سوف يساهم بشكل مباشر بتعزيز النفوذ الإيطالي في ليبيا عسكرياً وأمنياً واقتصادياً وحتى سياسياً على حساب كل دول النفوذ الأخرى تحت ذريعة إدارة ملف الهجرة غير الشرعية، كما أنه سوف يحقق للقيادة الإيطالية مصالح كثيرة، حيث سيشكل ذلك إنجاز سياسي كبير لحكومة ميلوني واليمين المتطرف في إيطاليا الذي يعارض الهجرة غير الشرعية وسياسة اللجوء. كما أنه سوف يكون مدخلاً مهما لتعزيز استفادة الحكومة الإيطالية من النفط الليبي تحت شعار الاستثمار والتنمية وتحسين أوضاع السكان للحد من الهجرة.

وختم حتيتة حديثه بالإشارة إلى أن الخطة الإيطالية هذه، سوف تهدد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في ليبيا والتي تعتبر الساعي الأكبر للسيطرة على النفط الليبي والاستثمار به، كما أنها تهدد النفوذ الفرنسي، بالتزامن مع سعي باريس لإيجاد موطئ قدم لها في ليبيا وشمال أفريقيا بعد خسارة جزء كبير من نفوذها في وسط وغرب أفريقيا.

تهديد إيطاليا لنفوذ تركيا والناتو

في السياق ذاته، أكد الخبير العسكري والاستراتيجي حاتم كريم الفلاحي بأن إيطاليا سوف تستغل توقف المهمة الجوية البحرية للاتحاد الأوروبي “إيريني” عن استئناف تدريب خفر السواحل والبحرية الليبية، مع الإشارة إلى أن تدريب الإدارة العامة لأمن السواحل هو من اختصاص تركيا. وبالتالي هذا سوف يساهم بتعزيز النفوذ الإيطالي على حساب النفوذ التركي.

ووفقاً لكل ما سبق يرى الفلاحي بأن السياسية الحالية لإيطالية تشير بوضوح لرغبتها بالالتفاف على سياسة شركائها الأوروبيين والأمريكيين والعمل بشكل احادي مع حكومة الدبيبة بعيداً عن الفيلق الأوروبيالليبي الذي تم تشكيله منذ بضعة أشهر بحسب بعض وسائل الإعلام. حيث تهدف روما من وراء ذلك إلى التفرد بالسيطرة على ليبيا وتحصيل الحصة الأكبر من ثرواتها، على اعتبار ليبيا هي منطقة النفوذ التاريخي لإيطاليا.

______________

مواد ذات علاقة