خيري عمر

تيار السلفيّة المدخليّة

وتكتمل الديناميات الإسلاميّة مع صعودِ السلفيّة المدخلية ضمن الخريطة الفاعلة في السياسة الليبية، حيث شهدت تطوّرات متسارعة منذ نهاية حقبة القذافي، فقد ظهرت لملء الفراغ في مقابل ظهور الإخوان المسلمين ضمن مشروع ليبيا الغد.

ومنذ بدء الحرب الأهلية في 2014، اتجهت للتغلّغل في وزارة الأوقاف، وهي الأسرع اندماجاً في السلطات المحلية والعسكرية للحكومتين في شرق وغرب البلاد، لتكون الأكثر تأثيراً من بين الإسلاميين في السياسة الليبية.

لا تبدو المجموعات السلفية تنظيماً تقليدياً، فهي أقرب إلى مجموعاتٍ شبكية، تستمدُ تماسكها من فتاوى الشيخ، ربيع المدخلي، مُرشداً دينياَ وسياسياً، ما جعلها أكثر مرونة في التعامل مع الانقسام السياسي.

فلم ينشغل المداخلة بخلافات الحكومتين، بقدر الاهتمام بتوطيد المكانة السياسية والأمنية عبر الالتحاق بالمؤسّسات على الجانبين، ما يعكس سيولة أو غموض الأهداف.

فعلى الرغم من اشتعال المعارك على طرابلس، انشغلت الكتائب السلفية بالاندماج في الجيش الليبي (القيادة العامة)، كما سعت قوات الردع إلى توسيع دورها على مستوى المؤسّسات المهمة في العاصمة، لتقومَ بدور استعادة النظام في المؤسّسات المحلية.

وتحت هذه الوضعية، تمكّن المداخلة من تثبيتِ دورهم الأمني والديني على مستوى البلاد، ليتصاعد دورُهم في أثناء المعارك حول العاصمة في أغسطس/ آب 2018، وحرب 2019 – 2020.، لكنها فقدت وجودها في شرق ليبيا.

ومع اختلاف التَشَكّل التنظيمي، تظهر عوامل القوة والضعف، فمن جهةٍ، يعملُ الإضعاف المتبادل ما بين الإخوانوالسلفية الجهادية على إفساح الطريق أمام المدخلية للتغلغل في مؤسّسات الدولة.

وفيما دَعمت الانقسامات المتتالية تراجع الإخوان المسلمين،حيث تُوفّر مجموعاتُ السلفية الجهادية مظلّةً مفتوحةً لبعض الإسلاميين المستقلين الخارجين من حزب العدالة والبناء.

ومن جهةٍ أخرى، يساهم انتشار المداخلة على جانبي الحكومتين في زيادةِ الفرصة لطرحهم بديلاً يُغطي على انحسارِ الإسلام السياسي، نظراً لارتفاع الطلب على مساهماتها في الصراع الدائر، ما يُضفي مزيداً من القوّة على أيديولوجيةٍ محافظة.

تبادلت أطراف الإسلاميين في ليبيا الاتهام بالتطرّف والإرهاب، ولم يقتصر الأمر على الخلاف الثقافي، بل امتدّ إلى القمع والانتهاك الجسدي. وعلى الرغم من تلاقي الإسلاميين والمداخلة على معاداةِ تنظيم الدولة الإسلامية، تنامتْ الخلافات بين المجموعات الثلاث، لتصيرَ واحدةً من المعضلات الليبية، حيث تتكوّن مصفوفة صراع ثلاثي الاتجاه.

فقد تبادلت أطراف الإسلاميين الاتهام بالتطرّف والإرهاب، تحت أرضيةٍ عدوانية، لا تقتصر على الخلاف الثقافي ونشر الأفكار المُغذيّة للخلاف، بل تمتدّ إلى القمع والانتهاك الجسدي، مستخدمين مؤسّسات الدولة ووسائل الاتصال المفتوحة، لتعمل على تنامي بناء مصفوفة الصراع بين الجماعات الدينية.

وبينما يبتعدُ المداخلة عن نقاشِ المشكلات اليوميّة، شكّل الموقف من مقترحات البعثة الأممية للحوار السياسي (2015) أرضية الانقسام بين الإسلاميين. تسبّبت التحضيرات لاتفاق الصخيرات في تصاعد الخلاف بين العدالة والبناء والمجالس الثورية والعسكرية لمدن غرب ليبيا.

ولاحقاً، تبنّى الحزب الديمقراطي ضرورة إجراء الانتخابات مؤسّساً موقفه على ضرورة وجود الدولة واحتكارها للسلاح، فيما تحفّظ العدالة والبناء على القوانين الانتخابية، ليكون موقفه متقارباً مع تيار دار الإفتاء، ما يعكسُ تشتّت الموقف السياسي.

وبتصنيفها مؤسّسة محايدة، ينظرُ الحزب الديمقراطي، في 19 يناير/ كانون الثاني 2022، لتدخل دار الإفتاءالسياسي نوعاً من الوصايةعلى ثورة فبراير، حيث لا تحتمل الأحداث الجارية التصنيف تحت ثنائيات الحلال والحرام أو الحق والباطل، فطبيعةُ العمل السياسي تقديريّة على أساس نسبية المصالح والمفاسد، والأولويات والإكراهات، كما في حالات اتفاق الصخيرات أو الدعوة إلى التظاهر أو تحريم زيارة مسؤول لدولة على خلاف مع حكومة طرابلس.

تصوّرات دار الإفتاء والسلفية الجهادية

تلعبُ دار الإفتاء دوراً مهماً في تشكيل الوعي الأيديولوجي للسلفية الجهادية، وتقديمها تيّاراً تحرّرياً، فمن خلال تصدّيها للشؤون العامة، تطرحُ تأويلات للشريعة في الشأن السياسي، وقد اكتسبت هذه المكانة مع اندلاع ثورة فبراير (2011) عندما ساهم المفتي الصادق الغرياني في وضع ملامح خطاب المحتجّين تجاه إقرار العزل السياسي، المصالحة الوطنية، وعقد الحوار السياسي تحت مظلّةٍ وطنيةٍ مستقلة، ولذلك اعتبر اتفاق الصخيرات تأسيساً للفساد وتردّي الدولة، ودعا أيضًا لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، قوات الردع الخاصة، والقيادات صنيعة الاستخبارات السعودية.

ووفق اعتبار دار الإفتاء حكومة الشرق غير شرعية، تنتفي عنها صلاحية طبع العملة أو عقد اتفاقيات عسكرية مع أطراف خارجية، في 14 مايو/ أيار 2024. ولذلك، اعتبر التدخّل الروسي عدواناً واحتلالاً من دولةٍ كافرةٍ، تجب مقاومته بالجهاد الدفاعي. كما يضع بعض الدول العربية تحت تصنيف دول مُعادية، لا يجوز التجارة معها، ويشير بشكلٍ متكرّر إلى كلٍّ من الإمارات والأردن ومصر.

ووفق هذا النهج، يتقاربُ تيار يا بلاديمع الأرضيّةِ الجهادية، وتقوم مقولاته على ثلاثة مكوّنات، في 10 يناير/ كانون الثاني 2023؛ شمول ثورة فبراير المجتمع، تنوّع الرأي وعَلم الاستقلال.

وفي هذا السياق، يصنّف مرحلة القذافي خارج الروح الوطنية، لتجاوزها ثوابت الدستور والعَلَم. ووفق هذا التحديد، يُعتبر العدل أرضية مشتركة للمصالحة الوطنية وبناء الدولة.

وتمديداً لمنهج المفتي، اهتم تيار يا بلاديبالقضايا الخارجية، حيث برّر نشأته بمواجهة التهديد الخارجي ورفض انتهاك السيادة، ثمّ مواجهة الفساد والانقلاب، وكان أقلّ رغبة في التعاون مع شبكة الأحزاب الليبية، في 15 فبراير/ شباط 2023، لانخفاض فاعلية أحزابه الثمانية في تكوين رؤية للحل السياسي ومحدودية تأثيرها.

ومع اندلاع حرب غزّة، اتضحت ملامح فتاوى مفتي ليبيا،في 29 مارس/ آذار 2024، فقد اعتبر اقتحام معابر غزّة والضفة الغربية فريضة عين على المسلمين. ولذلك، صنّف مانعي الوصول إلى المعابر في مصر والأردن صهاينة.

لا تبدو المشكلة في غموضِ آليات الفتوى بقدر تصريحها بالخروج على الحكومة من دون ضمانات واضحة أو التحوّط ضدّ الفوضى. فقد جاءت خالية من السياقات الإقليمية والداخلية في كلّ دولة.

وبغضّ النظر عن الجدل حول الاختصاص المكاني، لم تتمكن دار الإفتاء من بسط ولايتها على شرق ليبيا في رؤية الأهلة في رمضان الفائت، وبالتالي، فإنّ شمول الفتوى لجغرافيا ومصالح أخرين، في 29 مارس/ آذار 2024، كان يتطلّب تبرير حالة الطلب والإلزام بالخروج.

وبغضّ النظر عن قيام هذه التطلّعات على خلفية الأممية الإسلامية، فإنها تعكس جانباً من الخلاف السياسي أكثر منها رأياً علمياً، فلم تستوف دراسة شروط الاستطاعة وترجيح المصلحة في تركيبة سياسية واقتصادية مُعقدة، لتكون دعوة للتمرّد والثورة على الطغاة دون التقيّد بحدودِ الدولة.

اتجاهات السلفية المدخلية

بشكلٍ عام، لا يسعى المداخلة إلى وضع نظريةٍ للدولة، فهم أكثر انشغالاً بمجريات الوضع السياسي. وتُفسّر أفكار الخضوع لولي الأمر قابلية المداخلة للتكيّف مع السلطة القائمة والترابط معها، لتتشكّل بيئة مناسبة للنمو السريع منذ حقبة القذافي، وزادت شعبويتها في السنوات اللاحقة لثورة فبراير، وخصوصاً بعد اندلاع الحرب الأهلية في 2014.

ورغم استقرار هذه القاعدة الفكرية، فإنّ انتشار دعاة المداخلة على مساجد ليبيا وتصاعد قدرة الردع الخاصةعلى توسيع استقلالها عن الحكومة لتغَيّر في القناعاتِ الإيديولوجية تجاه الخضوع للسلطة والخروج من حالةِ المُهادنة بتوسيع نفوذها على حساب الحكومة في طرابلس.

كما يشكلون مكوّناً مهماً في الجيش الوطني لدورهم في معركة استعادة بنغازي في 2015.

تفسح هذه التغيّرات الطريق أمام مراجعة رفض الديمقراطية والقبول بالمشاركة في التصويت والانتقال من وضعيةِ جماعة الضغط إلى المشاركة المباشرة في الشؤون العامة، ما يمثل تغيّراً هيكلياً في تركيبةِ الناخبين ونتائج الانتخابات.

ومع تتابع الاشتباكات المسلحة والحروب الأهلية، زاد تغلغل المداخلة في القطاعين، الأمني والعسكري، على جانبي الحكومتين، ما وضعهم في ميزة نسبية مُقارنة بالتيارات الأخرى.

وبينما يسودُ المذهب المالكي في ليبيا، يمثل انتشار المداخلة مصدر خلاف على هُويّة الدولة، ما يثير مخاوف متنامية بسبب خلاف الأيديولوجيا بين التيارات المختلفة، سواء الجهادية أو الإباضية أو المالكية.

أرست هذه الحالة مناخَ التنافر بين مجموعات السلفية الجهادية والإخوان المسلمين، لتعكسَ التناقضات موقفاً غير متجانس بشأن طبيعة النظام السياسي أو الصراع المسلّح.

وبدا التشتّت واضحاً، في انحسارِ النفوذ في المؤسّسات، فقد ساهمت التقلّبات السياسية في تحويل نفوذهم لخدمةِ الفاعلين الجدد المصاحبين للحكومات الانتقالية.

يتبع

***

د. خيري عمر ـ استاذ العلوم السياسية في جامعة صقريا، حصل على الدكتوراة والماجستير في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، وعمل باحثاً في عدة مراكز بحثية. ونشر مقالات وبحوثاً عديدة عن السياسية في أفريقيا ومصر والشرق الأوسط .

__________________

مواد ذات علاقة