ب ـ الصراع السياسي ومستقبل الانتخابات

يتجلى الصراع على السلطة بين السياسيين الليبيين في العمليات السياسية الجارية تحت ضغط المجتمع الدولي لتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية، حيث يواصل أبرز السياسيين في المشهد السياسي الليبي محاولة كسب الوقت لزيادة نفوذهم، وهم يعلمون أنهم لا يتمتعون بدعم شعبي كبير ولا يريدون المخاطرة بخسارة السلطة في انتخابات ديمقراطية.

حيث كان مجلس النواب الذي يقع مقره في طبرق شرق ليبيا، والمجلس الأعلى للدولة الموجود في طرابلس، يتفاوضان إسميا بشأن تنظيم الانتخابات وغالبا ما كانا في الأصل يعرقلان بشكل أو بآخر أقامت الانتخابات.

بعد فشل آخر المفاوضات بين لمؤسستين المتنافستين، وهو ما حدث في المغرب في يونيو 2023، من خلال لجنة (6+6)، تحرك الحوار بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة السابق خالد المشري، بشكل مفاجئ نحو هدف جديد، وهو تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة كشرط مسبق لإجراء الانتخابات.

في البداية رحبت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا بالاقتراح. لكن تشكيل حكومة وحدة جديدة ليس بالتأكيد عملية سياسية سهلة التنفيذ. ولكن يبدو أن الاقتراح كان بمثابة تكتيك آخر لتأخير الانتخابات فضلا عن محاولة مقنعة للإطاحة بـ عبد الحميد الدبيبة من منصب رئيس الوزراء، حيث أنه في الأسابيع التالية للاقتراح أصبح خالد المشري وعقيلة صالح ينتقدان عبدالحميد الدبيبة بشكل متزايد، ثم أعلن حفتر أيضا أنه يؤيد مقترح الحكومة المؤقتة.

لقد اتخذت الأحداث في ليبيا منعطفا آخر في أغسطس 2023 عندما انتخب المجلس الأعلى للدولة رئيسا جديدا له، هو محمد تكالة، الذي أطاح بـ خالد المشري من السلطة والذي كان يقود هذه المؤسسة منذ عام 2018.

حيث تمثل هزيمة خالد المشري غير المتوقعة من خلال تصويت داخلي في المجلس الأعلى للدولة انتصارا قصير الأمد لـ عبدالحميد الدبيبة، فقد أصبح خالد المشري أحد منتقدي سياساته الرئيسية في صفوف المؤسسات الغربية، ومع خروجه من المشهد بدأت المحادثات بين المجلس الأعلى حيث عادت دعوة المجلس النواب لتشكيل حكومة وحدة إلى نقطة البداية.

ربما لعب الوزراء الحالي عبدالحميد الدبيبة دورا مهما خلف الكواليس للإطاحة بـ خالد المشري من قيادة المجلس الأعلى للدولة، وفقا لبعض التحليلات مع ذلك ينبغي التأكيد على أن محمد تكالة الرئيس الحالي للمجلس الاعلى للدولة في الماضي قدم دعمه لمنافس لدود آخر لرئيس الوزراء الحالي وهو فتحي باشاغا.

على كل الأحوال فإن تغيير رئاسة المجلس الأعلى للدولة يحتاج إلى فترة تعديل قبل استئناف المفاوضات مع مجلس النواب. وبالتالي فإن احتمال إجراء الانتخابات في عام 2023 قد انتهى بشكل نهائي، وحتى أنه عملية تشكيل حكومة وحدة جديدة يبدو صعبا على المدى القصير.

في هذا السياق، فإن موقف عقيلة صالح رئيس مجلس النواب في طبرق لم يعد يبدو جيدا كما كان في الماضي، فهناك الآن شكوك حول طبيعة العلاقة بين عقيلة صالح وخليفة حفتر، على الرغم من أنهما حلفاء إسميا لكن بعض المؤشرات تؤكد أن هناك حالة خلاف قوية بينهم حول السلطة.

تشير هذه التطورات إلى أن المشهد السياسي الليبي لا يزال مائعا وعرضة للانتكاسات السريعة، بالتوازي مع ذلك يتواصل الحوار غير الرسمي بين عبدالحميد الدبيبة وخليفة حفتر، والذي يضم المحاورين الرئيسيين للطرفين إبن شقيق الدبيبة (ابراهيم) وأحد أبناء خليفة حفتر (صدام)، وبواسطة دولة الإمارات.

أدى هذا الحوار في يوليو 2022 إلى اتفاق ضمني حول تقسيم عائدات النفط بين سلطات الشرق والغرب، بالاضافة إلى تغيير رئيس المؤسسة الوطنية للنفط.

ففي السابق منع خليفة حفتر بشكل متكرر صادرات النفط من الشرق إلى الغرب للضغط على طرابلس، حيث سمح الاتفاق بين عبدالحميد الدبيبة وخليفة حفتر بالسماح الكامل لصادرات ليبيا من النفط، مما أتاح فترة من النمو الاقتصادي القوي والاستقرار النسبي. لكن خليفة حفتر شكك مؤخرا في الاتفاق مع طرابلس، بحجة أن توزيع عائدات النفط لم تكن عادلة فما فيه الكفاية.

وفي 3 يوليو 2023، هدد الجنرال خليفة حفتر باتخاذ إجراء عسكري جديد إذا لم تقم سلطات الغرب بإنشاء لجنة مالية علياللإشراف على توزيع عائدات النفط بحلول نهاية أغسطس 2023. بالفعل بعد ثلاثة أيام قررت سلطات طرابلس بأمر من رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي إنشاء اللجنة المالية العليا التي طلبها حفتر، وتضم الهيئة الجديدة أعضاء من المؤسسات الليبية الرسمية، بما في ذلك مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وحكومة طرابلس، لكنها حتى الآن لا يوجد لها أي مخرجات فعلية على أرض الواقع.

لكن التوترات لم تهدأ حيث أثار اختطاف وزير المالية السابق في 11 يونيو 2023 بعد وصوله إلى مطار امعيتيقة، احتجاجا في إثنين من حقوق النفط الرئيسية في ليبيا، وكلاهما يخضع لسيطرة قوات حفتر، والوزير السابق هو فرج بومطاري الذي كان أحد المرشحين المحتملين لرئاسة البنك المركزي الليبي.

ويبدو أن أحتجاز بومطاري وما ترتب عليه من إغلاق للنفط، مرتبط بالخلافات حول احتمال تعيين رئيس جديد للبنك المركزي حينها. على أية حال أدى إطلاق سراح بومطاري في 16 يوليو 2023 إلى استئناف العمل في حقلي الشرارة والفيل النفطيين.

في تطور مهم آخر، قام حفتر بتعيين ابنه صدام لرئاسة فرقة جديدة في الجيش المتواجد في الشرق، والتي تم تشكيلها من بعض المفارز العسكرية الرئيسية الموجودة مسبقا، حيث عززت هذه الخطوة قوة عائلة حفتر في شرق ليبيا.

في الوقت نفسه، أعلن البنك المركزي الليبي عن إعادة توحيده بعد ما يقرب من عقد من الانقسام، وكانت السلطات في شرق ليبيا تستخدم بنكا مركزيا موازيا مقره بنغازي منذ عام 2014، حيث وافقت السلطات المتنافسة في شرق وغرب ليبيا على إعادة توحيد الفرعين، والذي جاء بعد عملية استمرت 19 شهرا أشرفت عليها شركة المحاسبة ديلويت والتي يقع مقرها في لندن.

لقد حافظ البنك المركزي في طرابلس على مسؤولية توزيع عائدات النفط بين مؤسسات الدولة المختلفة على مر السنين، وتشير إعادة الشمل مع فرع بنغازي إلى تخفيف الصراع بين عبد الحميد الدبيبة وخليفة حفتر، حيث تحول محافظ البنك المركزي الليبي، الصدّيق الكبير، إلى رقم صعب في المشهد السياسي الليبي منذ عام 2011، إذ تغير الكثير من المسؤولين في البلاد سواء على مستوى رؤوس الدولة الليبية المنقسمة، او على صعيد رؤساء ومديري مؤسسات وشركات حيوية في البلاد وكان آخرهم الرئيس السابق للمؤسسة الوطنية للنفط، مصطفى صنع الله، حيث خلفه فرحات بن قدارة. لكن بقى الصدّيق الكبير على رأس المصرف المركزي للمؤسسة المالية الليبية الأهم على الإطلاق، والتي يسميها البعض بين بيت مال الليبيين.

حتى وإن كان إعادة توحيد البنك المركزي تمثل تطورا إيجابيا على ما يبدو، فإن الحوار بين الدبيبة وحفتر له حدود واضحة، إذ أثبت الأثنان عدة مرات أنهما قادران على الاتفاق على قرارات مؤسسية، تهدف إلى تسهيل توزيع عائدات النفط، لكن من غير المرجح أن يتمكنا من التوصل إلى حل وسط لتشكيل حكومة وحدة يكون فيها دور لكليهما، ومن الواضح أيضا، أن خليفة حفتر سيكون مستعدا لإسقاط حكومة عبد الحميد الدبيبة رئيس الحكومة المعترف بها دوليا، إذا سمحت الظروف لذلك.

ومن المرجح حدوث تغييرات مهمة أخرى على الساحة السياسية الليبية في الأشهر المقبلة، في سياق المنافسات والمفاوضات لتشكيل حكومة مؤقتة جديدة، وفي ضوء الانتخابات المحتملة، وإن كان من غير المرجح إجرائها.

يتبع

____________

المصدر: تقرير بعنوان تقدير موقف: مستقبل الانتخابات في ليبيا بعد إقرار قانون الانتخابات من البرلمانالصادر في 6 نوفمبر 2023 عن وحدة الدراسات والأبحاث بالمركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية.

مواد ذات علاقة