
مثل “الكابوس” على الإسرائيليين جاءت عملية “طوفان الأقصى” التي شنتها المقاومة الفلسطينية في غزة ضد المستوطنات المحاذية للقطاع، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتأتي العملية ردا على اعتداءات القوات والمستوطنين الإسرائيليين المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني وممتلكاته ومقدساته، ولا سيما المسجد الأقصى في القدس الشرقية المحتلة.
في المقابل، أطلق الجيش الإسرائيلي عملية “السيوف الحديدية” مع شنّه غارات مكثفة على مناطق عديدة في قطاع غزة، الذي يسكنه أكثر من مليوني فلسطيني يعانون من أوضاع معيشية متدهورة، جراء حصار إسرائيلي متواصل منذ 2006.
أمر غير مألوف
وقالت صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية بنسختها الانجليزية إنه “من غير الواضح ما الذي سيحدث بعد، وما إذا كان سيُنظر إلى هذا الهجوم على أنه مشابه لصدمة عام 1973، أو بالفشل الذي شعر به البعض عام 2006 أثناء الحرب في لبنان“.
وأضافت: “لقد أيقظتنا صفارات الإنذار في القدس صباح 7 أكتوبر 2023، الساعة 8:15 صباحا، وهو أمر غير مألوف“. وأردفت الصحيفة بأنه “لم يكن من المعقول أيضا أن تُطلق الصواريخ دون سابق إنذار“.
وأوضحت أنه “في الصراعات السابقة، مثل عام 2012 عندما استهدفت الصواريخ المدينة لأول مرة، وفي عامي 2014 و2021، كانت هناك فترة طويلة قبل الهجوم“.
“لكن اختُرق الصمت يوم 7 أكتوبر 2023، وكان هناك شعور عميق بانعدام الأمن، وإحساس بتغيير كبير في نوع الصراع الذي نواجهه“، وفق وصف “جيروزاليم بوست“.
وأكدت الصحيفة العبرية أن “مشاهد الهجمات التي نفذها مقاتلو حركة المقاومة الفلسطينية (حماس) على مستوطنات غلاف غزة هي بمثابة الكابوس“.
وأشارت إلى أن “حماس حاولت التسلل إلى المستوطنات على طول الحدود في الماضي، واستخدام الأنفاق لشن هجمات، ولكن هجوم 7 أكتوبر 2023 كان من نوع مختلف“.
وأوضحت أن “العدد الكبير من نقاط التسلل وحقيقة أن المقاتلين ولجوا إلى المستوطنات وتجولوا في أنحائها، والتقطوا مقاطع فيديو لأنفسهم بجوار المركبات المدمرة أو بجوار ضحايا هجماتهم، كل ذلك يثير شعورا هائلا بانعدام الأمن“.
وطرحت الصحيفة سؤالا: “كيف وصلت إسرائيل إلى هذا الوضع؟“
وقالت: “حماس عدو معروف، تحاربه إسرائيل منذ عقود، فخلال الانتفاضة الثانية (عام 2000)، بدأت الحركة في زيادة قدراتها، وذلك باستخدام الصواريخ وقذائف الهاون لاستهداف المستوطنات داخل غزة وعلى حدودها“.
نقطة تحول
وذكرت الصحيفة أنه “بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005، بدأت حماس بتخزين الصواريخ والأسلحة، واستخدمتها في يونيو/حزيران 2006، لتنفيذ الهجوم الذي أسرت فيه الجندي الإسرائيلي، جلعاد شاليط، الذي احتجز في غزة لخمس سنوات“.
وأردفت: “بعد عام 2006، واصلت حماس إطلاق الصواريخ مستهدفة (مستوطنة) سديروت والمستوطنات المحاذية لحدود غزة“.
واستطردت: “ثم وسّعت حماس نطاق صواريخها، فضربت منطقة عسقلان للمرة الأولى عام 2008، ودفع ذلك إسرائيل إلى إطلاق عملية (الرصاص المصبوب)، والتوغل البري في غزة“.
وأشارت جيروزاليم بوست إلى أنه “كانت هناك عدة عمليات أصغر قبل هذه المعركة الكبرى، منها عملية أمطار الصيف (2006)، ولكن يبدو أن معركة عام 2009 كان بمثابة نقطة تحول في حجم الصراعات القادمة“.
وأفادت بأن “حماس استفادت من الربيع العربي والفوضى التي اندلعت في ليبيا ومنطقة سيناء المصرية، فاستوردت المزيد من الأسلحة وخزنت ترسانة من الصواريخ“.
وذكرت الصحيفة أنه “بحلول عام 2012، شعرت الحركة بالثقة الكافية لإطلاق صواريخ على تل أبيب والقدس خلال العملية التي أطلقت عليها إسرائيل اسم عمود السحاب (أسمتها المقاومة معركة حجارة السجيل)”.
وقالت الصحيفة: “علاوة على ذلك، كانت حماس تحوّل مواردها في هذا الوقت لبناء الأنفاق، التي خُصصت للتهريب، لكنها بدأت كذلك في محاولة حفر أنفاق تحت حدود قطاع غزة لضرب المستوطنات“.
وأردفت: “وفي الجولة التالية من القتال عام 2014، دمرت إسرائيل ما لا يقل عن 34 نفقا، وقصفت آلاف الأهداف في غزة“.
وأضافت الصحيفة أنه “في ذلك الوقت، كانت لدى حماس ترسانة مكونة من حوالي 10 آلاف صاروخ، كثير منها دُمّر أو أُطلق بالفعل أثناء المعركة“.
وأوضحت أن “القبة الحديدية باتت أساسية في منظومة الدفاع الإسرائيلية، مع تزايد حجم إطلاق الصواريخ في كل معركة“.
فعلى سبيل المثال، أطلقت “حماس” عددا من الصواريخ خلال ساعات قليلة فقط في 7 أكتوبر 2023، يفوق ما أطلقته في العديد من المعارك المبكرة التي استمرت عدة أيام مع إسرائيل.
تكتيكات جديدة
وقالت “جيروزاليم بوست” إن “معركة عام 2014 شكلت نقطة التحول، وأظهر تهديد الأنفاق كيف أن حماس أرادت اختراق الحدود وتهديد المستوطنات على طول الحدود“.
بالإضافة إلى ذلك، استخدمت حماس “حينها قوات كوماندوز بحرية لمحاولة التسلل إلى شاطئ قرب قاعدة زيكيم البحرية، لكن حيدتهم إسرائيل“.
وبعد عام 2014، حدث تحول في الإستراتيجية الإسرائيلية، وانتهت التوغلات البرية واستخدمت إسرائيل قواتها الجوية بشكل متزايد لتوجيه ضربات دقيقة داخل غزة.
وأضافت الصحيفة أنه “بشكل عام، تصورنا أن العدد الكبير من ضحايا (إسرائيل في) حربي 2009 و2014 لن يُرى مرة أخرى“.
كما “ركزت إسرائيل جهودها على حركة الجهاد الإسلامي، حيث فضلت حماس أحيانا البقاء بعيدا عن المعارك“، وفق الصحيفة العبرية.
وكانت هناك استثناءات، مثل معركة “سيف القدس“، عندما أطلقت حماس صواريخ على القدس عام 2021.
وكانت عملية “الحزام الأسود“، حسب الصحيفة، هي الأكثر تعبيرا عن الفترة ما بين 2014 و2023، والتي بدأت باستهداف قائد الجهاد الإسلامي في فلسطين، بهاء أبو العطا.
ومع ذلك، كانت هناك خلافات حول أفضل السبل للتعامل مع غزة، واستقال على إثرها وزير الدفاع، أفيغدور ليبرمان، في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، بسبب معارضته لوقف إطلاق النار في غزة.
وأكدت الصحيفة أنه “من المهم أن نفهم ذلك، لأنه على مر السنين أصبحت غزة ذات أهمية ثانوية لصالح قضايا أخرى“.
واسترسلت: “بُني سياج أمني جديد أكثر تطورا، وحاولت إسرائيل منع التوترات في غزة من التحول إلى معارك، ولم يكن هذا ناجحا دائما، ولكن بشكل عام سيطرنا على تهديدات حماس“.
واستدركت: “لكن لجأت حماس إلى تكتيكات جديدة، وأطلقت موجة من أعمال الشغب والاحتجاجات على طول السياج عام 2018، والتي أطلقت عليها اسم (مَسيرات العودة الكبرى)”.
وتابعت الصحيفة: “رغم فشل هذا التهديد، إلا أن بإمكان حماس تسخين الحدود وقتما تشاء، وبدا أن العمليات قصيرة المدى، مثل عملية (الدرع والسهم)، التي وقعت في مايو/أيار 2023، ستحدث بانتظام“.
وأفادت بأن “غزة كانت في مرتبة متأخرة فيما يتعلق بالتهديدات الأمنية لإسرائيل؛ لأن الوكلاء المدعومين من إيران زادوا من تهديداتهم في أماكن أخرى“.
وأشارت إلى أنه “على سبيل المثال، بعد عام 2018، عندما عاد النظام السوري إلى مرتفعات الجولان، كان الوكلاء المدعومون من إيران ينشطون قرب الجولان“.
واستطردت: “تعمل إيران أيضا مع حزب الله، والذي عزّز ترسانته في لبنان، كما زادت المليشيات في العراق من تهديداتها، وتستخدمها إيران لدعم شبكة من مواقعها في جميع أنحاء العراق وسوريا“.
وعلى هذا النحو، فإن “التهديد الأكبر يتمثل في إيران ووكلائها، مثل حركة الجهاد الإسلامي، التي شنت إسرائيل ضدها عملية قصيرة في جنين في يوليو/تموز 2023″، وفق وصف الصحيفة العبرية.
أمان زائف
وأضافت الصحيفة أن “حماس بدت معزولة داخل غزة، وعاجزة حتى عن الحصول على المزيد من الأموال من رعاتها التقليديين مثل قطر“.
وتابعت: “مع تزايد اتفاقيات التطبيع الإسرائيلية في المنطقة، بدا أن حماس تقدم أيديولوجية عفا عليها الزمن وتعيش في الماضي، ويبدو أن هذا قد خدع الإسرائيليين وأعطاهم شعورا زائفا بالأمان“.
وأفادت “جيروزاليم بوست” أنه “بينما تزايد إطلاق الصواريخ، بدا أن نجاح القبة الحديدية يوفر حماية كافية للإسرائيليين، لكن تحطم الآن جزء كبير من هذا الشعور بالأمان“.
وأكدت أن “الهجمات الضخمة التي وقعت في 7 أكتوبر 2023 أدت إلى فوضى على الحدود وانهيار أمني، ومن غير الواضح ما الذي سيحدث بعد ذلك“.
وتساءلت الصحيفة: “هل ستعيد هذه المعركة تشكيل فكر القيادة الإسرائيلية بشأن التحدي الذي تفرضه حماس في غزة؟“
وتابعت: “رغم جولات الصراع العديدة، لا تزال حماس تشكل تهديدا كبيرا من خلال صواريخها، وها هي الآن قد أظهرت قدرتها على تنفيذ هجمات قاتلة على الأرض“.
وقالت: “لقد أظهرت حماس في الماضي قدرتها على اختطاف واحتجاز الرهائن، لقد فعلت ذلك مع شاليط، ولا تزال تحتجز إسرائيليين اثنين، أفيرا منغيستو وهشام السيد، كما أن لديها جثتي الجنديين أورون شاؤول وهدار غولدين، اللذين قُتلا عام 2014″.
وختمت جيروزاليم بوست بالقول إن “حماس تتمتع بامتياز إدارة غزة والتهديد بشن هجمات في الوقت الذي تختاره، ومن غير الواضح ما إذا كان هذا الامتياز سينتهي الآن“.
_____________