ثالثا: غياب التشريع وتعدي السلطات التنفيذية على اختصاص مجلس النواب

غياب هذا التشريع الجديد الذي يقتضيه الإعلان الدستوري، ولمدة أكثر من 10 سنوات، فتح المجال أمام السلطات التنفيذية للتعدي على اختصاص مجلس النواب في تنظيم العمل الأهلي وتكوين الجمعيات الوطنية والدولية.

فأصدرت منذ 2016 وحتى مارس 2023، أربعة قرارات ولوائح إدارية تعكس إصرار السلطات الحاكمة في الشرق والغرب على خنق حرية تكوين الجمعيات الوطنية والدولية، وخاصة الحقوقية التي تفضح انتهاكاتها، والسيطرة عليها. هذه اللوائح والقرارات هي؛

  • اللائحتين 1 و2 لعام 2016 الصادر عن حكومة الشرق برئاسة عبد الله الثني.

  • القرار رقم 286 لسنة 2019 الصادر عن المجلس الرئاسي في طرابلس برئاسة فايز السراج.

  • القرار رقم 5 لسنة 2023 لمفوضية المجتمع المدني التابعة للمجلس الرئاسي بطرابلس برئاسة محمد المنفي

حدت هذه القرارات واللوائح من عمل الجمعيات المحلية والدولية في ليبيا، وقيدت حرية الأفراد في تكوين الجمعيات الأهلية من خلال وضع نظام ترخيص يتطلب موافقة الجهة الإدارية (مفوضية المجتمع المدني) بدلًا من نظام الإخطار. كما تُجبر هذه القرارات واللوائح المنظمات العاملة على إعادة التسجيل مرارًا وتكرارًا تحت تهديد الحل.

وعند التسجيل، يُطلب منها التوقيع على تعهد بأنها لن تدخل في اتصال مع سفارة أو كيان دولي دون إذن مسبق من السلطات التنفيذية.

كما تمنح هذه اللوائح والقرارات للجهة الإدارية حق اقتحام مقار الجمعيات وتفتيشها وحلها وتعليق نشاطها بشكل مؤقت وتجميد حسابها البنكي دون حكم قضائي. وتُجبر الجمعيات على الحصول على موافقة الجهة الإدارية لتلقي تمويلات لمشروعاتها، أو تنظيم أية فعاليات تندرج ضمن أنشطتها.

هذا بالإضافة إلى تدخّل الجهة الإدارية بموجب هذه اللوائح في عمل الجمعيات، لدرجة المطالبة بالكشف حتى عن أسماء الضحايا المستفيدين من أعمال الجمعية في انتهاك لخصوصيتهم، كثيرًا ما يعرضهم للخطر.

والحقيقة أن هذه القرارات واللوائح في مجملها باطلة؛ لأنها صادرة عن غير جهة اختصاص، ومن ثم ينطبق عليها ما خلص له الطعن الإداري رقم 37/39 الصادر عن المحكمة العليا الليبية أن «القانون التنفيذي يفقد صحته وصلاحيته ويعتبر باطلًا عندما يشوب القرار التنفيذي عيب جسيم وجوهري.

كأن تباشر السلطة التنفيذية عملًا من اختصاص السلطة التشريعية أو السلطة القضائية». وبالمثل اعتبر الطعن الإداري رقم 163/49 الصادر في نوفمبر 2005 من المحكمة العليا الليبية أن: «القرار الإداري إذا كان مشوبًا بعيب عدم الاختصاص، فإنه يكون معدومًا بسبب ما شابه من عيب جسيم ولا يتقيد رفع الدعوى في هذه الحالة بميعاد معين».

وبناءً عليه، فالقرارات الصادرة عن السلطات التنفيذية بشأن تنظيم الجمعيات، قرارات إدارية مشوبة بعيب عدم الاختصاص، باطلة لانطوائها على عيب جسيم وجوهري يكمن في مباشرة السلطة التنفيذية اختصاص السلطة التشريعية.

التقدير نفسه خلصت إليه دائرة الأمور المستعجلة بمحكمة جنوب بنغازي في 18 يوليو 2022، والتي أقرت تعليق المرسوم 286/2019 الصادر عن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، والذي ينظم عمل مفوضية المجتمع المدني، بعدما تقدمت منظمات المنصة الليبية بطعن على القرار أمام المحكمة.

ولعل الإقرار بعدم شرعية هذه القرارات واللوائح التنفيذية كان موطن الاتفاق الوحيد مع الرأي القانوني الصادر في 7 مارس 2023، عن إدارة القانون الليبية، والذي أقر بعدم مشروعية القرار 286/2019 وأمثاله من القرارات الصادرة عن جهات تنفيذية غير مختصة.

ولكنه تضمن رأيًا خطيرًا أخرًا مفاده أن: «جميع الجمعيات المسجلة قبل الثورة بموجب القانون رقم 19 لسنة 2001 الخاص بتنظيم المنظمات سارية وتسجيلها قائم، بينما كل المنظمات والجمعيات المحلية والدولية المسجلة بعد 2011 يعتبر تسجيلها لاغي وباطل».

وما هي إلا أيام وصدر في 13 مارس التعميم العام رقم 5803، والذي يقضي بعدم شرعية جميع الجمعيات المسجلة بعد عام 2011 ووقف عملها، ومن ثم يبيح للأمن الداخلي اقتحام مقراتها وغلقها بالقوة ويعرض العاملين فيها للمساءلة القانونية بتهمة عضوية منظمات غير شرعية، ويهددهم بعقوبات بالغة تصل حد الإعدام.

ولآن اللائحة التنفيذية الخاصة بقرار تشكيل إدارة القانون أقرت في المادة 6 بأن: «الرأي القانوني للإدارة ملزم إلا إذا تعارض مع مبادئ المحكمة العليا».

ولما كان الرأي القانوني الخاص بإلغاء ترخيص الجمعيات المسجلة بعد 2011 يعارض مبدأ المحكمة العليا في الطعن الدستوري رقم 57/1، الصادر في 23 ديسمبر 2013، والتوصية رقم 96 من تقرير المقرر الخاص المعني بحرية تكوين الجمعيات، والخاصة بأنه؛ لا يمكن للدول الموقعة على العهد الدولي تجريم عمل الجمعيات غير المسجلة، حتى ولو بموجب قانون وطني، لأن الاتفاقية الدولية تعلو على القانون الوطني ويتعين على السلطات التنفيذية الالتزام بها.

أصدرت حكومة الوحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة منشورًا (رقم7/2023) في 21 مارس 2023، يسمح للجمعيات المحلية والدولية في ليبيا بمواصلة عملها مؤقتًا، ويقر بشرعيتها (المؤقتة)، وذلك لحين (تصحيح) أوضاعها وفق قانون 19/2001 ا لتنظيم الجمعيات.

وبذلك عاد هذا القانون القمعي المخالف للمعايير الدولية (والذي أضحى بعد 2011 غير دستوري وباطل) مرة أخرى ليكون الإطار التشريعي الناظم لعمل الجمعيات الوطنية والدولية في ليبيا بعد 12 سنة من ثورة 2011.

رابعا: مقترحات بتعديلات شكلية على قانون باطل

كان من المؤسف أن مجلس النواب الليبي تقاعس مرة أخرى عن الامثال لالتزامه الدستوري بسن تشريع جديد يضمن حرية واستقلال المجتمع المدني في ليبيا، فقرر العودة لقانون 19 لسنة 2001، مكتفيًا باقتراح تعديلات شكلية عليه تتلخص فقط في تغيير مسمى الجهة الإدارية التي ستتولى قمع الجمعيات، لتصبح (المفوضية العامة للمجتمع المدني) بدلًا من (اللجنة الشعبية العامة أو مؤتمر الشعب العام) وذلك دون أي تغيير يذكر في طبيعة الصلاحيات الواسعة غير الدستورية المخولة لهذه الجهة.

فبحسب التعديل الذي اقترحه بعض أعضاء مجلس النواب، هذه المفوضية الجديدة، ذات الشخصية الاعتبارية والميزانية المستقلة، ستتبع السلطة التشريعية وتختار رئاسة مجلس النواب أعضائها. وستتولى منفردة، دون إبداء أسباب أو أذن قضائي، قبول أو رفض تسجيل الجمعيات، إيقاف أو حل الجمعية، إلغاء قرارات مجلس إدارة الجمعية وتبديله، والموافقة المسبقة على أي نشاط أو تمويل للجمعية. كما تختص المفوضية بمنح كافة الأذونات، وإتمام الإجراءات القانونية والإدارية، والإشراف والمتابعة للجمعيات والمنظمات غير الحكومية المحلية والدولية.

ومرة أخرى، الصلاحيات الواسعة والقمعية، لا تعصف فقط بحرية واستقلال العمل الأهلي المصونة بموجب الإعلان الدستوري، وإنما تخالف مبادئ حرية التنظيم التي أقرها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وضمانات حرية تكوين الجمعيات حسب المادة (10/1) من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.

كما تخالف بشكل جذري المعايير الأساسية الواجبة في أي قانون وطني منظم للعمل الأهلي، والواردة في تقرير المقرر الخاص الأممي المعني بحرية التنظيم الصادر في مايو 2012.

كما أن هذا القانون الوطني ما زال فاقدًا لشرعيته باعتراف السلطة القضائية الليبية، وذلك بموجب الطعن الدستوري رقم 57/01 الصادر في ديسمبر 2013، والذي أوضح أن «الاتفاقية الدولية التي صادقت عليها السلطات التشريعية الليبية تعلو على القانون الوطني.

وفي حالة التناقض بين القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية، يجب تطبيق أحدث (اتفاقية دولية) مباشرةً أمام المحاكم الوطنية».

خامسا: قانون جديد ينظم الحق في حرية تكوين الجمعيات

يعتبر مركز القاهرة أن أي قانون وطني ينظم عمل الجمعيات في ليبيا ينبغي أن ينطلق بالأساس من الحقوق المدنية والسياسية التي يكفلها العهد الدولي وتلتزم بها ليبيا، ويتماشى مع الحق في حرية التنظيم المكفول دستوريًا بموجب الإعلان الدستوري 2011، ويتوافق مع تفسيرات لجنة حقوق الإنسان التابعة للمفوضية السامية، خاصةً في طبيعة القيود أو الاستثناءات التي يجوز فرضها عليه وتوجيهات المقررين الخواص المعنيين بحرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات بالأمم المتحدة.

وفي هذا السياق، كانت مبادرة المنظمات الليبية باقتراح مشروع لتنظيم الحق في تكوين الجمعيات يضمن حريتها واستقلالية عملها، ويعيد للسلطة التشريعية قبضتها على تنظيم هذا الحق بعيدًا عن قرارات ولوائح السلطات التنفيذية في الشرق والغرب التي تستهدف قمع المجتمع المدني والانتقام من العاملين فيه.

مقترح قانون الجمعيات المدنية صاغته لجان ليبية متخصصة، وخضع للمراجعة والتعديل عدة مرات على مدى 10 سنوات من جانب خبراء ليبيين ودوليين، ودارت حوله مناقشات متعمقة بين الخبراء والمسئولين ذوي الصلة، وتم طرحه للتوقيع والتأييد من جانب المنظمات والجمعيات الليبية واكتسب الكثير من التأييد.

وفي يونيو2021 تم تقديمه للجنة التشريعية لمجلس النواب بغية مناقشته وإقراره في الجلسة العامة. ورغم مرور ما يقرب من عامين على ذلك؛ لم تتلق المنظمات المقدمة للمقترحة أي رد من البرلمان.

يضمن مشروع القانون المقترح الحق في تأسيس المنظمات بنظام الإخطار البسيط، ويحمي المنظمات من الحل التعسفي، ومن تدخل الدولة والأجهزة الأمنية في عملها، ويكفل حق وصول المنظمات للتمويل أو التواصل والتعاون مع الجهات الدولية والأممية، مع وضع اللوائح المناسبة لضمان الشفافية والمساءلة.

كما ينص القانون المقترح على تشكيل «مفوضية دعم ورعاية شئون المجتمع المدني» وهي هيئة إدارية تنظيمية مستقلة تضمن ممارسة حق تكوين الجمعيات والتجمع السلمي باستقلال وحرية. كما أدخل المشروع حق تقديم العرائض، مكلفًا السلطات الليبية بالرد على العرائض الشعبية المقدمة من المنظمات والمواطنين.

وإذ يعلن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان انضمامه ودعمه لهذه المبادرة، يدعو منظمات المجتمع المدني الليبية الأخرى للانضمام والمشاركة في مراجعة مشروع القانون المقترح، وتبادل الرؤى حوله بهدف تطويره وتحسينه، وتبنّي مطالبه، والضغط من أجل اعتماده من جانب السلطات التشريعية الليبية.

ويطالب السلطات التشريعية الليبية بسرعة تبني قانون يضمن حرية واستقلال العمل الأهلي وتكوين الجمعيات بعد تأخره لأكثر من 10 سنوات، وترك المجتمع المدني فريسة لقمع الجهات التنفيذية.

______________

مواد ذات علاقة