علي اللافي

أكد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي رفضه لما حصل في الاجتماع التشاوري لمجلس وزراء الخارجية العرب في طرابلس، والذي شهد مقاطعة واسعة للعديد من الدول العربية، وبدا موقف المنفي متناغما إلى حد بعيد مع موقف حكومة الوحدة.
ويعكس انحياز رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي إلى موقف حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها، بشأن اجتماع وزراء الخارجية العرب، الذي عقد مؤخرا في العاصمة طرابلس وشهد مقاطعة واسعة، فشل الجهود المصرية في كسب دعم المجلس الرئاسي لفرض مسار جديد في ليبيا يقضي بتشكيل سلطة تنفيذية جديدة.
والسؤال هنا هو هل سقط الجزء الأكبر من رهانات القاهرة في الملف الليبي وخاصة في ارتياح واشنطن لمبادرته الأخيرة؟
وما هي حقيقة الهوس بزيارات المسؤولين الأمريكيين للمنطقة والتي كان الملف دوما جزء من مباحثاتهم؟.
بداية اهتزاز رهانات القاهرة في الملف الليبي
أولا، المتابعون لتطورات الاحداث في ليبيا أكدوا أن المنفي يدرك تعقيدات السير في هذا المسار، خصوصا في ظل المواقف الغربية، ولاسيما الأميركية المتحفظة عليه، والتي تميل إلى الإبقاء على حكومة الوحدة بقيادة الدبيبة، إلى حين إجراء الانتخابات العامة في هذا البلد.
وقد أكد رئيس المجلس الرئاسي الليبي تمسك بلاده بـ”ممارسة حقوقها الكاملة” في جامعة الدول العربية، رافضا ما اعتبره “انحياز الجامعة لطرف أو جهة ما”.
وجاء حديث “المنفي” غداة غياب دول عربية عديدة عن المشاركة في اجتماع وزاري تشاوري للجامعة العربية استضافته طرابلس التي تتولى الرئاسة الدورية لمجلس الجامعة، التي تضم 22 دولة ويوجد مقرها في العاصمة المصرية القاهرة.
ووفق بيان صادر عن الخارجية الليبية، فقد اجتمع المنفي في العاصمة طرابلس الاثنين مع كل من وزيرة الخارجية بحكومة الوحدة “نجلاء المنقوش” ونظيرها التونسي “عثمان الجرندي” ووفد مرافق له.
ثانيا، أعرب رئيس المجلس الرئاسي عن “شكره وتقديره لتونس لدعمها جهود حكومة الوحدة الليبية بتولي رئاسة جامعة الدول العربية”، مشيرا إلى رفضه “أي تمييز تجاه حقوقها وواجباتها (بلاده)”، ومؤكدا “إصرار ليبيا على ممارسة حقوقها الكاملة بالجامعة”، وشدد على “رفضه انحياز الجامعة لطرف أو جهة ما”، لافتا إلى ضرورة أن تقوم الجامعة بـ”لعب دور يعزز التماسك والوحدة بين الدول الأعضاء…”.
وكانت حكومة الوحدة لمحت في وقت سابق إلى دور مصري خلف المقاطعة التي شهدها الاجتماع التشاوري، وقالت الحكومة ممثلة في وزيرة الخارجية إن “الجامعة العربية أقحمت نفسها في الانحياز الواضح لأحد الدول (لم تسمها)، وهو ما تمنينا تجنبه حرصا على وحدة الصف العربي…”.
ويرى المراقبون أن مقاطعة دول عربية وازنة الاجتماع كانت بمثابة نزع أي “شرعية” عن حكومة الدبيبة المفترض أنها انتهت ولايتها في يونيو الماضي، ولا يستبعد هؤلاء أن تكون التحركات المصرية خلف هذا الموقف، ويرى كثير من المتابعين أن موقف “المنفي” الذي سبق وأن زار القاهرة قبل نحو أسبوعين حيث التقى هناك بخليفة حفتر، يبدو متأثرا بأجواء الرفض الأميركية لمسار تشكيل حكومة جديدة.
ويشير المتابعون إلى أن المنفي يبدو أنه لا يرغب في أن يصبح ضمن المعسكر الذي تدعمه مصر، مع السعي في الآن ذاته للحفاظ على علاقات جيدة مع القاهرة، كما يقول نفس أولئك المتابعين إن رئيس المجلس الرئاسي يتعاطى ببراغماتية شديدة، جعلته في الفترة الأخيرة محل اهتمام وتركيز القوى المتدخلة في الشأن الليبي، لاسيما بعد إطلاقه مبادرة المصالحة.
ويلفت هؤلاء إلى أن الأخير بالتأكيد سيحاول استثمار الوضع لصالحه، لاسيما مع تراجع الثقة الدولية في المؤسسات الليبية الأخرى المتمثلة أساسا في مجلسي النواب والأعلى للدولة.
ثالثا، رئيس المجلس الرئاسي قد تلقى بداية الأسبوع الحالي (تحديدا مساء الاثنين 23 يناير الحالي) اتصالا هاتفيا من المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى ليبيا السفير “ريتشارد نورلاند”، وحسب المكتب الإعلامي للمجلس الرئاسي تم التطرق خلال الاتصال إلى الخطوات التي يقوم بها رئيس المجلس، لكسر الجمود السياسي والدفع بالعملية السياسية من خلال لقاءاته الأخيرة، لتحقيق آمال الليبيين بالوصول إلى الانتخابات في أقرب الآجال، وأكد السفير الأميركي دعم الولايات المتحدة للمجلس في مشروع المصالحة الوطنية، والتقدم الذي أحرزه من خلال الملتقى التحضيري الذي عقد خلال الفترة القليلة الماضية.
وسجلت في الفترة الأخيرة عودة لافتة للاهتمام الأميركي بالساحة الليبية، وسط حديث متزايد عن أن واشنطن تقود مسارا يقوم على توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا، مع الدفع باتجاه انتخابات تحت إشراف حكومة “الدبيبة”.
ويربط البعض هذا الاهتمام برغبة واشنطن في سد المنفذ الليبي أمام روسيا وطرد عناصر “فاغنر”، التي تقول تقارير إنها منتشرة في المواقع والموانئ النفطية.
ولا يمكن تغييب معطى أنه لأول مرة نجد مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى يجرون لقاءات مكثفة مع كل الأطراف الليبية منذ عام 2021، والثابت أن تلك التحركات تشير إلى صراع سياسي كبير قد يطرأ في ليبيا على خلفية الصراع الأميركي/الروسي الذي يشهده العالم حاليا.
والواضح أن كل تلك المؤشرات توضح أن محور اللقاءات كان الوجود الروسي في الأراضي الليبية، المتمثل في مقاتلي شركة فاغنر الروسية حيث أن واشنطن تريد التخلص من هذا الصداع لأن فاغنر تتمدد من بوابة ليببا بشكل كبير داخل أفريقيا، بعد الفراغ الذي أحدثه الانسحاب الفرنسي العسكري من دول مثل مالي.
تعدد زيارات المسؤولين الأمريكيين للمنطقة وهوس البعض بها
أولا، لاحظ كل المتابعين للتطورات في الإقليم أن عدد من المسؤولين الأميركيين قد قاموا خلال الأسبوعين الماضيين بجملة من الزيارات والاتصالات في ليبيا، آخرها الاتصال الهاتفي الذي أشرنا اليه أعلاه برئيس المجلس الرئاسي.
والغريب أن بعض الساسة والمحللين العرب مولعين بالغرب وثقله وآثار تحركاته وهو ما أكثر من عمليات التكهن بكواليس تلك الزيارات والاتصالات، وما يمكن أن يترتب عليها، وإظهار حنكتهم السياسية ومعرفة بما يجري في الدوائر القريبة.
وذلك لا يعني طبعا عدم وجود الجديد فعلا في رؤية الإدارة الامريكية للملف والذي لم لن يغيب في سلم أولياتها.
ثانيا، رئيس جهاز الاستخبارات الأميركية “وليام بيرنز” هو طبعا الشخصية الأميركية الأبرز التي زارت ليبيا أخيراً أوضح بعض التوجيهات الخاصة لمن التقاهم في ليبيا، ولكنه لم ولن يدخل في التفاصيل لراهن ومستقبل العملية السياسية ولا يعني ذلك أنه لم يتحدث مثلا على ضرورة ترك البعض للساحة.
والثابت أن أولوية واشنطن هي حفظ مصالحها في المنطقة أولا وأخيرا بناء على خطوط حمراء ثلاث (النفط – محاربة الإرهاب – فاغنر) وهو ما يعني أن تزايد درجة اهتمامها بالملف الليبي مرتبط بقضايا تتصل بمصالحها.
والثابت أيضا أن واشنطن لن تكون غائبة أبدا عن الملف الليبي بل ستكون حاضرة في كل الحلول ومربعاتها بل ستختار حلولا يمكن نقض بعص تفاصيلها خلال قادم الأشهر وبعض حلولها ومقترحاتها ستهمش مستقبلا كثيرا من أدوار ومقترحات أطراف إقليمية بعينها وأولهم القاهرة والتي سبق أن سقط مقترحها في البيان الختامي للقمة العربية كما أن كل ترتيباتها بين المجلسين حتى الآن أصبحت بين قوسين…
ثالثا، الزيارات الأمريكية مهمة نعم ولكنها أيضا باتت كالمواسم ويزداد الاهتمام بها وبكواليسها وتداعياتها كلما حدثت ثم لاحقا ينحسر ذلك الاهتمام عند انتهائها، وقريباً سيعود الحديث وبكل الصيغ، عن رؤية وخطة ومبادرة، مع وصول الدبلوماسي الأميركي “كينيث غلوك” المرشح لتولي منصب نائب رئيس البعثة الأممية في ليبيا.
ولكن شيئاً لن يتغير في السياسة الأميركية في الملف الليبي نشاطاً وتراجعاً إلا بقدر مصالحها في الملفين، النفط وفاغنر والتنظيمات الإرهابية دون تغييب ان واشنطن تضع ليبيا ضمن قائمة عشر دول تبحث ولها استراتيجيا متكاملة لاستقرارها…
كيف سيبقى للقاهرة دور ولكن ليس كما راهن نظام السيسي
أولا، من يعتقد أنه يمكن تغييب القاهرة في الملف الليبي لا يمكن ان يكون الا طرفا واهما وغير ملم بأبجديات حل الملفات الإقليمية، وثانيا يجهل أيضا ابجديات التاريخ والجغرافيا.
ولذلك ما يمكن الحديث عنه أن يكون دور مصر متوازنا وليس وفق رهانات النظام الحالي والذي يتخبط في كل الاتجاهات (حقوقيا – سياسيا – اقتصاديا – اجتماعيا) إضافة لعدم قدرته على مجاراة تطورات الإقليم ومتغيراتها ونسقها السريع، وسيبقى دور القاهرة موزونا لدور الجار الغربي لليبيا أي الجزائر والتي تسند بقوة المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة.
كما سيكون ذلك الدور موازنا لأدوار أنقرة في المنطقة ورغم تبيانها مع حليفيها السابقين أي الامارات والسعودية فانها ستكون حاضرة وبقوة في تفاصيل هندسة خارطة الطريق.
وعبر تركيا سيتم وضع حفتر أولا وعقيلة ثانيا خارج المشهد المستقبلي وخاصة اذا ما مضت واشنطن وبقية والاطراف الدولية في ابعاد كل الشخصيات الجدلية أي في نسخ لما تم في مصر سنة 2011 (عندما تم ابعاد عمر سليمان وخيرت الشاطر وحازم إسماعيل وآخرين).
والتراجع المصري الحالي قد تتم موازنته بعودة القاهرة للملف لكن بشروط بقية الأطراف وليس بشروطها دون مس بمصالحها الاقتصادية والجغرا سياسية كما لم ولن تستطيع ممارسة سياسة مكنتها منها عدم توازن القوى إقليميا بين 2014 و2020…
***
علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون المغاربية والافريقية
_____________
