نسرين سليمان

تختزل بعض ساحات المدن المركزية في ليبيا قصصاً وحكايا ولحظات رمزية ومفصلية عاشتها إبان ثورة السابع عشر من فبراير، التي أنهت حكم القذافي الديكتاتوري الذي حكم ليبيا بسلطة القوة والسلاح لأكثر من أربعين سنة متتالية.

ومنذ أن تخلت هذه الساحات عن المسميات القديمة لها، وتحررت منها كلياً لتختار لنفسها اسماً يواكب ما عاشته من لحظات مفصلية في الثورة الليبية، أصبحت عنواناً لعهد جديد دخلت إليه البلاد حيث مثلث انعكاساً لانتكاسات وأزمات، واحتفالات، وأصبحت المكان المألوف والثابت الذي لا يتغير للتعبير عن أي فرح وحزن يعيشه المواطنون.

ومع مرور أكثر من 11 سنة على هذه الذكريات بجوانبها المؤلمة والمبهجة، واكبت هذه الساحات أيضاً ما عاشته ليبيا من انقسامات على مدار سنوات، فأثرت سلطة حفتر على المنطقة الشرقية على سبيل المثال في تغيير استخدامات ساحة التحرير في مدينة بنغازي فغابت عنها مظاهر التحرر في التعبير عن الأفكار والسعي نحو الديمقراطية.

كما تركت سحابة تنظيم “الدولة الإسلامية” السوداء التي حطت على سماء مدينة سرت قبل سنوات، أثراً وقصصاً لا تنسى عاشتها ساحة المدينة.

مقتطفات الثورة

منذ الـ15 من شهر فبراير/ شباط في عام 2011، خرجت مظاهرات عارمة في شرق ليبيا، في يوم أطلق عليه يوم الغضب فامتلأت فيه ميادين الشرق الليبي، وأبرزها كان ساحة الكيش في مدينة بنغازي بمتظاهرين غاضبين يطالبون بتصحيح الأوضاع المعيشية.

وسرعان ما قوبلت هذه المظاهرات برصاص وأسلحة من طرف كتائب القذافي، ما أدى إلى سقوط عدد من القتلى في ميدان التحرير في مدينة بنغازي.

ومن ميدان بنغازي انتشرت نيران الثورة بسرعة غير متوقعة، فقد أدى استخدام القذافي للأسلحة وسقوط قتلى في بنغازي إلى إشعال غضب شعبي في طرابلس في 17 من فبراير/ شباط، دفع المواطنين إلى الخروج للمساندة في ميدان الشهداء في العاصمة، والذي سمي سابقاً بـ”الساحة الخضراء” إبان حكم القذافي، وقد قوبل هناك أيضاً المتظاهرون بالقمع والرصاص.

ومنذ يوم 18 من فبراير/ شباط وحتى 21 من نفس الشهر، شهدت ساحات مدن ليبية عدة، أهمها ساحة الشهداء في مدينة الزاوية وساحة الحرية في مدينة مصراتة، مظاهرات عارمة حتى تحررت بنغازي في 21 من فبراير/ شباط، فتشجع بقية المتظاهرين على إكمال المشوار، مع دعم ومساندة من ثوار بنغازي الذين تظاهروا بالآلاف في ساحة الكيش، واعتصموا هناك.

وضيق القذافي الخناق على مصراتة وطرابلس، فقد استهدف المتظاهرين في الساحات الرئيسية في هذه المدن، ما أدى إلى وقوع عدد كبير من القتلى، كما حاصر مدينة مصراتة لأشهر طويلة، فصارت ساحات هذه المدن رمزاً للثورة، فكل زاوية فيها تعبر عن حكاية من حكاياتها.

أما سرت المدينة الصديقة للقذافي، فقد احتمى فيها حتى اللحظة الأخيرة حين وجد في أنبوب مياه وقتل في حينها بعد دخول الثوار إلى المدينة، فقد كانت ميادينها وما زالت تعبر عن القرب والوفاء له.

التظاهر لنصرة حفتر

منذ اندلاع الثورة الليبية وصفت مدينة بنغازي بالشرارة التي أطلقت العنان لهذا الغضب الشعبي، فقد احتضنت ساحة الكيش فيها أول مظاهرة في الثورة الليبية، وبعد مرور سنوات من الثورة ومع سيطرة حفتر على المدينة بقوة السلاح تغير طابع التظاهر فيها فصارت مقتصرة على التظاهر لنصرة حفتر بعد أن كانت ميداناً للمطالبة بالحرية والحقوق.

تقول سلسبيل إحدى المهجرات من مدينة بنغازي والمشاركة في مظاهرات الثورة لـ القدس العربي: “مظاهرات الثورة الليبية لا تنسى، كنا يداً واحدة نقف في ساحة الكيش أو ساحة التحرير ببنغازي، سمها بأي مسمى تريده ولكنها كانت مهداً للثورة، ومكاناً استطعنا فيه أن نكسر قيود الخوف والعجز”.

وتتابع: “اعتصمنا في الميدان لأيام. (عاصمة يا عاصمة.. نبو ليلة حاسمة) كنا نطلق شعارات كهذه دعماً لطرابلس التي حُرّرت بعد أشهر من تحرير بنغازي، ومضت الأشهر سريعاً وانتهت الثورة وتحولت هذه الساحة التي كان شعارها الحرية إلى ساحة يملؤها الظلم والسواد”.

وتواصل: “هجرنا من بنغازي قسراً، كان الداعمون لحفتر يحتفلون بقتلنا وتهجيرنا في نفس هذه الساحة، وما زالوا حتى اليوم يحتفلون بخطابات حفتر وبانتصاراته في نفس الساحة التي كانت يوماً ملجأً للباحثين عن الحقوق أصبحت مكاناً لسلب الحقوق”.

وتزيد: “حفتر أعلن عن ساعات صفر عديدة في هذه الساحة لطخ جمالها وقدسية تعابيرها بالدم والتحريض على القتل والدمار، ورغم أننا خرجنا لدعم الثورة منذ الأيام الأولى لها كان جزاؤنا أن نخرج فارّين من بيوتنا لسنوات ليسكنها آخرون سرقة وظلماً بحجة أننا دواعش حاربهم حفتر احتيالاً للوصول إلى السلطة”.

ميدان الشهداء في مدينة طرابلس، الذي شهد على ضغوطات مارسها القذافي على المتظاهرين العُزّل سعياً منه للحفاظ على العاصمة من السقوط، لم يتخلّ عن طابعه المبهج المميز، فقد خصص للتجمع في الاحتفالات الرسمية ولاستذكار الثورة.

كما بقي ميدان الشهداء مكاناً للتعبير عن الرفض والاستنكار لأي محاولات لعسكرة الدولة أو القضاء على الديمقراطية المنشودة، فقد تجمع المتظاهرون لأسابيع ولأشهر رفضاً للتحرك العسكري الذي شنه حفتر ضد بنغازي.

وفي سائر الأيام لا يخلو ميدان الشهداء من الفرحة والبهجة فيتجول فيه الباعة، والخيالون، وتملؤها أجواء الاستعراض بالسيارات، كما يزوره الناس لإطعام الحمام الذي يقول كل مواطني العاصمة إنه يدل على السلام الذي تعيشه المدينة.

وحافظ الميدان على هذا الطابع لسبب وجيه، وهو أن طرابلس لم تشهد نجاح أي عملية سيطرة مسلحة من قبل أي فئة.

ولم تكن ميادين الغرب الليبي الذي يعيش تحت نفس الظروف ببعيدة عن الطابع الذي عاشته مدينة طرابلس وحافظت عليه وهو طابع السلام، فبقي ميدان “الحرية” في مصراتة شاهداً على حصارها لأيام، من خلال استضافة احتفالات تذكيرية بمناسبات وتواريخ مؤلمة ومبهجة عاشتها المدينة تحت الحصار.

كما ظل ميدان الشهداء في مدينة الزاوية هو الآخر مكاناً للاحتفال بذكريات الثورة أو للتعبير عن الرفض والاستنكار لأي مظاهر سلبية تعيشها المدينة.

تنظيم «الدولة» والقذافي

مدينة سرت الليبية التي كانت المدينة المدلّلة لدى القذافي كونها مسقط رأسه، وسعى لتحويلها من مدينة هامشية صغيرة إلى ضخمة تحوي عدداً من إدارات الدولة وتلعب دور العاصمة الثانية للبلاد بعد طرابلس، وأحياناً قبلها، فأوجد فيها مقر البرلمان الليبي بعد نقله من طرابلس في أواخر الثمانينات، كما شيد على أرضها قاعة “واغادوغو” الشهيرة فيها التي أعلن فيها في سبتمبر/ أيلول عام 1999 قيام الاتحاد الإفريقي (خلفاً لمنظمة الوحدة الإفريقية).

لم تستطع سرت التخلص من الوفاء لابن مدينتها القذافي، فرغم تحررها من قبضة النظام، واحتضانها لاحتفالات عارمة في ميدان المدينة بعد ذلك، استخدمت ميادينها للتظاهر دعماً للدكتاتور الراحل، ولنجله سيف تماشياً مع توجه قبيلة القذاذفة التي ينحذر منها والده .

ميادين سرت لم تحتضن مظاهرات لدعم القذافي فحسب، بل مرت بلحظات مؤلمة، إذ قُتل فيها العشرات ذبحاً ورمياً بالرصاص عقب احتلال المدينة والسيطرة عليها من قبل تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي استطاعت قوات حكومة الوفاق دحره والقضاء عليه في عام 2016 من خلال عملية “البنيان المرصوص”.

تنظيم “الدولة” لم يخرج من سرت، منازلها ومبانيها وميادينها، بسهولة، بل كلف ذلك المدينة الكثير، فقد دُمرت معظم معالمها وقُتل في هذه المعركة المئات من الشباب، ولكن ورغم ذلك، سرعان ما عادت سرت إلى عادتها القديمة واحتضنت تظاهرات داعمة لسيف القذافي بعد إعلانه الترشح للانتخابات في عام 2021.

وشهدت ميادين سرت هي الأخرى تظاهرات ضد حفتر بسبب فرضه سيطرته عليها، وتم اعتقال صحافيين ومواطنين وناشطين، لم يعرف مصيرهم حتى الآن.

منابر للسياسيين

وحسب الكاتب والصحافي الليبي علي الوندي: “الميادين والساحات في كافة ربوع ليبيا كانت تحمل رمزية كبيرة لدى المواطنين، كونها تمثل الشرارة الأولى للرغبة في التغيير عند الليبيين وتحقيق حياة أفضل إلا أنها باتت الآن منابر للسياسيين الذين يحاولون من خلالها توجيه رسائل لا تحمل إلا عبارات شخصية لهم، مستغلين رمزية هذه الساحات عند الليبيين، ومستغلين شعارات الثورة الليبية، وتضحيات الليبيين لتمرير الأجندة الخاصة بهم”.

وحفتر “هو خير مثال لاستعماله لساحة الكيش ببنغازي في كافة احتفالاته وخطبه الرسمية التي هدد في بعضها بالهجوم والاعتداء على الأبرياء”، وفق الوندي الذي أضاف أن “الثورة بشكل عام استُغِلّت من السنة الأولى لنجاحها من قبل بعض السياسيين الباحثين عن السلطة للوصول إلى مراتب معينة في البرلمان وفي الحكومة وغيرها، وباتت غطاء للجميع وذريعة تبرر تلهفهم على الحكم”.

ورغم اقتراب العيد الثاني عشر للثورة لم يستطع الليبيون حتى الآن من الوصول إلى حلم الانتخابات المأمول.

عجزت الأجسام السياسية على التوافق بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار من خلال اتفاق رعته الأمم المتحدة. ولم ترض كافة القوى، وفي مقدمتها حفتر، بالاعتراف بحكومة الوحدة الوطنية كحكومة واحدة تبسط السيطرة على ليبيا، رغم أنها تشكلت بموجب اتفاق سياسي.

ويبدو أن المخاض أمام ليبيا ما زال عسيراً وطويلاً مع عدم قدرتها على التخلص من سلطة المجموعات المسلحة وعدم قدرتها على إيجاد التوافق المنتظر.

_____________

مواد ذات علاقة