نقاط أساسية

  • ثمة مؤشرات حول عزم الجهات الدولية ممارسة ضغوط قوية على الأطراف الداخلية الليبية والجهات الإقليمية من أجل فرض تسوية جدية في ليبيا، وبرز توافق واسع بين مختلف الأطراف الإقليمية على أن تتعهد الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بمهمة الإشراف على مسار الحل السياسي للأزمة الليبية.

  • يتوقَّع أن تُولِّد المبادرة التي قدمها المبعوث الأممي مؤخراً ديناميكية سياسية أقوى من مساري الصخيرات وبرلين، بحيث تفرض أجندة إجرائية وعملية على الفرقاء السياسيين، وتوفر إطاراً جديداً للعملية التفاوضية المتعطلة
  • على الرغم من معادلة التوازن الدقيق بين الأطراف الليبية، ومن الموقف الدولي الضاغط لاستمرار السلم الأهلي، يظل سيناريو تجدُّد الصراع المسلح خياراً قائماً، وستتزايد احتمالاته مع تزايُد وتيرة الانقسام الداخلي الليبي.

احتفلت ليبيا يوم 24 ديسمبر المنصرم بعيدها الوطني الحادي والسبعين، في حين لا تزال الأزمة الداخلية قائمة ومعقدة. وقد برزت في الآونة الأخيرة عدة مؤشرات على عزم القوى الدولية التدخل المباشر لفرض حل سياسي توافقي في ليبيا

تهدف الورقة إلى استعراض صيغ الحل المنشود في ليبيا وإمكاناته، في ضوء ما تسرَّب من مقترحات دولية في الأيام الماضية.

تحولات الأزمة الداخلية

لا تزال ليبيا تعاني من ازدواجية الحكم والشرعية في البلاد المقسمة فعلياً بين حكومتين في الشرق والغرب، ومجلسين تشريعيين (مجلس النواب في طبرق، والمجلس الأعلى للدولة في طرابلس)، وجيشين (الجيش الوطني الليبي في الشرق، والمجموعات المسلحة في الغرب). ومع أن وقف إطلاق النار الذي أقرته مختلف الأطراف سنة 2020 لا يزال قائماً برغم بعض الثغرات المتفرقة، إلا أن آفاق الحل السياسي لم تبرز بوضوح ولا تزال تعترضها عوائق كبيرة.

وتعهَّد رئيسا الحكومتين فتحي باشاغا وعبد الحميد دبيبة بتهيئة الظروف الملائمة للانتخابات الرئاسية والتشريعية التي كان من المتوقع أن تتم في 24 ديسمبر 2021. كما أن مجلس النواب ومجلس الدولة استأنفا مشاوراتهما من أجل بلورة القاعدة الدستورية التي تقتضيها الانتخابات بعد أن علَّق مجلس النواب قرار إنشاء محكمة دستورية في بنغازي مراعاةً لاعتراض مجلس الدولة على هذا القرار الانفرادي.

 أما المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي فقد أمهل الفرقاء السياسيين فرصة أخيرة للتوصل إلى التوافقات المطلوبة، مُهدِّداً بالتدخل العسكري للحفاظ على وحدة الدولة وأمنها. ورغم محاولات رئيس الحكومة المعين من مجلس النواب فتحي باشاغا الدخول إلى العاصمة طرابلس وتوحيد مؤسسات الدولة، لا تزال حالة الانقسام والتفكك قائمة، ولم تنجح الدعوات المتكررة إلى إنشاء حكومة وحدة وطنية تمثل كل أطياف المجتمع الليبي.

المبادرات الدولية للحل في ليبيا

بمناسبة العيد الوطني الليبي أصدر معظم الدول الغربية الرئيسة (الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا) بيانات متشابهة تدعو إلى إيجاد قاعدة دستورية للانتخابات المقبلة في ليبيا من خلال العمل المشترك بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة تحت رعاية هيئة الأمم المتحدة، مع التهديد ببلورة مسار جديد بديل في ليبيا من أجل دفع عملية التسوية السياسية المعطلة.

وقدَّم المبعوث الجديد للأمم المتحدة عبد الله باتيلي إحاطة لمجلس الأمن بتاريخ 16 ديسمبر 2022 تحدث فيها عن مظاهر المأزق الداخلي الليبي، مُركزاً على ضرورة حل معضلة الشرعية المؤسسية والتوصل إلى آليات دستورية مناسبة لتنظيم الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وتضمن بيان أعضاء مجلس الأمن بخصوص ليبيا الصادر في 21 ديسمبر 2022 هذه الأفكار من خلال المطالبة بالتوافق الوطني وتوحيد الأجهزة التنفيذية للدولة، والتوصل لقاعدة دستورية للانتخابات، والحفاظ على مناخ السلم الأهلي وتعزيزه مع دعم جهود ممثل الأمين العام عبد الله باتيلي في إيجاد الحل السلمي التوافقي في ليبيا.

وما يمكن استنتاجه من هذه البيانات هو عزم الجهات الدولية ممارسة ضغوط قوية على الأطراف الداخلية الليبية والجهات الإقليمية من أجل فرض حل سياسي جدي في ليبيا، نتيجة سببين رئيسيين هما:

1) الحاجة الماسة إلى النفط الليبي في معادلة الطاقة الجديدة المتولدة عن الأزمة الأوكرانية.

وفي هذا السياق، تسعى الدول الأوربية إلى عودة ليبيا القوية إلى السوق النفطية لكسر ديناميكية ارتفاع الأسعار وتأمين متطلبات بلدان شمال المتوسط القريبة من الساحل الليبي.

2) محاصرة الحضور الروسي في الساحة الليبية والحيلولة دون تزايد الدور العسكري والاستراتيجي الروسي في ليبيا

ذلك سيفرض إقامة حل سياسي توافقي على أساس مصالح الدول الغربية الكبرى مع مراعاة التوازنات الإقليمية التي أصبحت واقعاً راسخاً (تركيا، ومصر، وتونس، والجزائر).

ومن هذا المنظور، برز توافق واسع بين مختلف الأطراف الإقليمية على أن تتعهد هيئة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بمهمة الإشراف على مسار الحل السياسي في ليبيا.

مقاربة التسوية المرتقبة

وفق ما رشح من الأوساط الدبلوماسية الإفريقية، يتبنَّى الدبلوماسي السنغالي عبد الله باتيلي مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا مشروعاً للحل السياسي يقوم على العناصر الآتية:

1) عقد مؤتمر وطني ليبي جامع

قد يلتئم المؤتمر في يناير 2023، والهدف منه دفع مسار المصالحة الوطنية وإطلاق سراح السجناء السياسيين وتوحيد المؤسسة العسكرية والأجهزة الإدارية والمالية للدولة، على أن يكون برعاية هيئة الأمم المتحدة ومنظمة الاتحاد الأفريقي وبحضور دول الجوار المعنية بالشأن الليبي.

2) العمل مع مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة

المطلوب من المجلسين وضع القاعدة الدستورية للانتخابات الرئاسية والبرلمانية على أن تنظم قبل أكتوبر 2023، وفي حال فشل المجلسين في التوصل إلى أرضية مشتركة يعلن المجلس الرئاسي حل المجلسين ويعين حكومة توافقية جديدة وينظم حواراً وطنياً سيادياً تحت مظلة الأمم المتحدة يفضي إلى وضع الآليات الكفيلة بتنظيم الانتخابات المقبلة.

3) الإسراع في تفكيك المليشيات المسلحة

ذلك سيمكن من توطيد إجراءات حظر السلاح في داخل ليبيا، والعمل على بناء جيش وطني مركزي تدمج فيه مختلف المجموعات المسلحة.

آفاق الحل السياسي في ليبيا

في ضوء المعطيات الراهنة، وبالنظر إلى طبيعة المبادرات والمقترحات المطروحة في الساحة السياسية الليبية، يمكن استشراف السيناريوهات الثلاثة الآتية:

أولا: سيناريو نجاح مبادرة الحل التوافقي

المبادرة هي في طور الصياغة النهائية (مبادرة مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا). وعلى الرغم من أن هذه المبادرة تحظى بدعم دولي واسع، إلا أن الكثير من العقبات تعترضها مثل:

  • تجذُّر الانقسام الليبي الداخلي،

  • وتضارُب مصالح الأطراف الإقليمية المؤثرة،

  • وضعف البناء المؤسسي للدولة،

  • واستفحال الحالة المليشاوية القائمة،

  • وهشاشة آليات الضغوط الخارجية.

غير أنه من الراجح أن تولد هذه المبادرة ديناميكية سياسية غير مسبوقة أقوى من مساري الصخيرات وبرلين، بحيث تفرض أجندة إجرائية وعملية على الفرقاء السياسيين وتوفر إطاراً جديداً للعملية التفاوضية المتعطلة.

وقد ينجم عن هذه المبادرة تغيير الواجهة السياسية الليبية بصعود شخصيات جديدة وتراجُع نفوذ الوجوه القيادية الحالية: عبد الحميد دبيبة وفتحي باشاغا وعقيلة صالح وخالد المشري وخليفة حفتر، وغيرهم.

2. سيناريو تجدُّد الصراع المسلح واستفحال الانقسام الداخلي

الصراع قد يحدث عن طريق محاولة جديدة للمشير خليفة حفتر غزو غرب ليبيا على غرار محاولاته السابقة في سنتي 2019 و2020.

كما أن استئناف رئيس الحكومة الجديد فتحي باشاغا محاولاته دخول طرابلس وإنهاء حكم المليشيات قد يفجر الوضع الأمني المتردي، خصوصاً بعد توطيد التعاون العسكري بين منافسه عبد الحميد دبيبة والحكومة التركية.

وعلى الرغم من معادلة التوازن الدقيق بين الأطراف الليبية، ومن الموقف الدولي الضاغط لاستمرار السلم الأهلي، يظل هذا السيناريو خياراً قائماً، وستتزايد احتمالاته مع تزايُد وتيرة الانقسام الداخلي الليبي.

3. سيناريو الحل العسكري الخارجي المفروض

هذا السيناريو تتبناه بعض الأطراف الغربية (إيطاليا على الأخص) بحيث تتدخل قوات أوروبية وأمريكية من أجل السيطرة العسكرية الكاملة على البلاد وتفكيك المجموعات المسلحة وبناء قاعدة سياسية جديدة للحل التوافقي.

يبدو هذا الخيار بعيداً حالياً، لكونه يقتضي مظلة الأمم المتحدة التي تدير الملف الليبي.

وبالنظر إلى تفاقم الصراع الغربيالروسي على المستوى الدولي، لا يبدو من الممكن التفاهم حول أجندة مشتركة في الموضوع الليبي.

إلا أن التدخل العسكري المحدود ضمن مقاربة سياسية شاملة يظل خياراً ممكناً وإن كانت تكلفته عالية وغير مضمونة.

استنتاجات

لا يزال الوضع الداخلي الليبي متأزماً بعد مرور سنة كاملة على تعثُّر عملية الانتخابات التشريعية والرئاسية.

ومع أن حالة الانقسام مستمرة ببروز حكومتين متنافستين ومجلسين تشريعيين متمايزين وتصدُّع المؤسسة العسكرية والأجهزة التنفيذية للدولة، إلا أن الأطراف الدولية تمارس ضغوطاً قوية من أجل فرض الحل السياسي، من خلال المصالحة الوطنية الشاملة، وتهيئة الأرضية الملائمة لتنظيم الانتخابات المتعطلة.

ويبدو أن المبادرة الدولية الجديدة ستولد ديناميكية سياسية جديدة دون أن تُفضي إلى حل نهائي وحاسم للمعضلة الليبية.

____________

مواد ذات علاقة