فوزي عمار اللولكي

عاشت ليبيا سنوات إهدار الفرص منذ عام 2011 وحتى اليوم . لقد اهدر الليبون فرص توافق المجتمع الدولي والدول الكبرى في مؤتمر أصدقاء ليبيا وغيرها من المؤتمرات اللاحقة من الصخيرات وبرلين والتي انتجت حكومات فاسدة متتالية من حكومة الدمية (السراج) إلى حكومة الرشاوي وفساد العائلة وتزوير شهائد الوزراء (كامبردج فرع صرمان).

كل هذه الحكومات لم تنتج سوى حالات احتراب وسرقات مليارية قد تدخل في كتاب جينيس كاكبر عملية نهب ممنهج حسب ما وصفها غسان سلامة المبعوث الأممي الاسبق .

اختلفت الدول الكبار في مجلس الامن فجمدت الحل في ليبيا. إلى أن وصل المبعوث الجديد باثيلي والذي لم يتوقع له أحد النجاح كونه من دولة أفريقية فقيرة في مهمة فشلت فيها ستيفاني ويليام الامريكة ذات الدعم الدولي وغسان سلامة المثقف العربي القادم من لبنان وهي دولة عاشت نفس المصير.

اليوم بخروج قرار مجلس الامن حول ليبيا رقم ( 2656) في هذه الظروف من انقسام مجلس الأمن هو انتصار للأمة الليبية في حد ذاته.. ولكن هذا لا يكفي ما لم يلتف الليبيون حول حل يفضي للانتخابات برلمانية ورئاسية متزامنة تنهي المراحل الانتقالية.

قرار مجلس الامن كان متوقع للمتابعين خاصة حرص الإدارة الأمريكية على إعادة طرح آلية توزيع عوائد النفط أسماها الأمريكان (آلية مستفيد) تخصص فيها الأموال فقط للمرتبات ودعم الغذاء والمحروقات بعد وصول الأمريكان لقناعة ان حكومة الفساد والعائلة لم تعد مقبولة محليا ودوليا.

ايضا تحسن ملحوظ في العلاقات بين الدول الاقليمة المتداخلة وهي تركيا ومصر. فالحل الليبي من وجهة نظري هو معادلة بين اللاعبين الفاعلين الليبين والدول الإقليمية مع الدول الكبرى.. واي حل يسقط اي من هذه العناصر الثلات لن يصل لنتيجة.

الطرح الذي رشح ان الدول المتداخلة اتفقت على حكومة مشتركة بقيادة جديدة تجمع بين المعرفة بدواليب الحكم ونظافة اليد حتى لا يستمر مسلسل الفساد والاحتراب.

مع حق في تساوي الفرص فلا يجوز أن يدخل احد الانتخابات مستعملا الأموال العامة ورشاوي المناصب الادارية. ولكن هذا الحل يواجه تحديات كبرى وهي ان لا حل الا من خلال الأجسام الموجودة وهي البرلمان ومجلس الدولة المنقسمين على بعضهم وداخل بعضهم.

ما يجعلني متفائل هذه المرة هو طبيعة الليبين والتي تحب التحدي وتنجح في التحديات الكبرى. فهل يفعلها الليبيون هذه المرة بالخروج بحكومة تُخرج ليبيا إلى من الركام الى بر الامان.. ام هي فرصة أخرى للهدر وقد تكون الفرصة الأخيرة لبقاء الكيان الليبي موحدا قبل تشظي الدولة التي عرفناها قبل فبراير 2011.

***

الهشاشة في المسألة الليبية

العنوان في تشخيص الحالة الليبية اليوم هو الهشاشة، الهشاشة الاجتماعية والهشاشة المؤسساتية والهشاشة الاقتصادية.

ليبيا اليوم مجتمع ما قبل الدولة، وإذا لم تحل مشكلة ليبيا الادارية من حيث المركزية والمشكلة الاقتصادية من حيث توزيع عادل للثروة والمقصود هنا توزيع التنمية من خلال المال القادم من المشاع، النفط والغاز والشواطيء والمعادن.

واخيرا الهشاشة الاجتماعية المثمتلة في الوعي بالهوية الليبية الجامعة قبل الانتماء للهوياتات الضيقة المثمتلة في القبيلة والمدينة والعرق والحزب المؤذلج العابر للحدود.

ايضا حل مشكل تداخل الخطاب الديني مع تكوين الدولة وهنا اقول الخطاب الديني وليس الدين خاصة الخطاب الوافد. وتؤسس لمشروع ثقافي يؤسس لدولة مدنية حديثة تقبل الجميع وتقوم على المواطنة وحقوق الإنسان.

كما أن الهشاشة المثمتلة في البعثة الامميمة إلى ليبيا وهي بعثة دعم الاستقرار تخصص للدولة حديثة التأسيس وليس دول في حالة حرب أهلية وتنازع واحتراب سياسي مثل ليبيا بعد 2011، فهي بعثة منزوعة الانياب لا تملك ان تفرض حل على غرار بعثة تحقيق الاستقرار المدعومة بالقبعات الزرقاء مثل ما حدث في الكنغو مثلا.

وما لم تحل كل هذه الإشكاليات وفي ظل قيادات الصدفة وغياب قيادة وطنية فان الكيان نفسه مهدد بالتلاشيء للأسف.

في غياب مؤسسات الدولة واولها مؤسسة القضاء العادل والناجز، ومؤسسات أمنية تحمي الأمن في الداخل والقادم من الحدود ومؤسسات رقابية تحمي الغذاء والدواء. لا سيما اننا في قلب ما يجري في العالم اليوم .

فها هي اكرانيا تتفثت وقبلها العراق اصبح اقليم كردستان دولة داخل دولة والسودان اصبحت دولتين. وليبيا ليست بمعزل في ظل وجودها في قلب الصراع الاقليمي والدولي ووجود قوات اجنبية على ارضها من فريقين متصارعين. دوليا وفي غياب رؤية وطنية واتفاق على مشروع فإن الخطر يهدد الدولة (ليبيا) التي نعرفها، ما لم تحدث معجزة في عصر انتهت فيه المعجزات.

***

حسابات التاريخ وحسابات البقالة

كثيرا منا يمارس الرومانسية ويغيب الواقعية في الأحكام خاصة حول توقعاتنا حول المستقبل ،ويخلط بين النوايا والواقع. وكثيرا ما نقع في (مغالطة البجعة السوداء ) لنسيم طالب .. وهي تداعيات الأحداث غير المتوقعة.

خاصة في حسابات التاريخ والتي تختلف عن حسابات البقالة. فمثلا اعتقد أننا كنا رومانسيين زيادة على اللزوم عندما اعتقدنا أننا بسقوط النظام السابق في ليبيا سوف ننعم بثروات ليبيا وخيراتها.

رغم ان فبراير لم يخطط لها بل هي انتفاضة مدنية ركبها المتأسلمون وتمت عسكرتها ثم زاد الطين بلة دخول الناتو على الخط. لم يدر في خلد الناس إنهم سيواجهون هذا الكم الهائل من المشكلات من القتل والتفجير والاحتراب والسرقة وانهيار في البنية الفوقية للمجتمع وهي منظومة الأخلاق والقيم قبل الانهيار في البنية التحتية للدولة، ويبدو إنه يحق علينا وصف اننا لم نحسب حساب الخنفوس الخنفساءوهي قصة من التراث.

تقول الحكاية : إن صديقين اتفقا على زراعة قطعة ارض بور مهملة يملكانها ؛ فقررا زراعتها بالخضار، وبدأ على عجل في حساب الأرباح بعد خصم التكلفة، فأظهرت الحسبة أن صافي الأرباح سوف يكون كبيراً ومهولاًخاصة وان السوق يطلب هذه الخضار وبسعر مرتفع.

بدأ الشريكان في حرث الأرض وزرعها وسقيها وبعد فترة أخضرت الأرض ففرح المزارعان ثم جاء موعد الحصاد وجني الأرباح، لكن حين بدأ الحصاد فوجأ الرجلان أن الزرع كله مصاب بحشرة الخنفوس ‘الخنفساء’ التي نخرته وقضت عليه ولم يعد صالحا للاستعمال. جلس الرجلان والحزن يعتصر قلبيهما، قال احدهم للآخر: “يبدو أننا لم نحسب حساب الخنفوس!”.

وهذا ما حصل لنا في ليبيا بعد فبراير2011. بالضبظ حيث اننا لم نحسب السلبيات المتوقعة وهي نفسها حساب الخنفوس“.

اليوم وبالنظر الي الصورة كاملة، نحن اقرب إلي عدم الاستقرار منا إلى حال الاستقرار. فليبيا ترقد على برميل بارود سيزيده النفط اشتعالا، وحالة من الاختلاف والخلاف لم تحدث في تاريخ ليبيا.

فمن صراع الكتائب المسلحة الى الإسلام الحزبي المتربص بالكرسي بعد سنوات السجون المظلمة، ظهر منتقما من الجميع. فما زال إسلامنا السياسي في ليبيا بدائيا وما زال شيوخ الإسلام السياسي يفكرون بالانتقام.

وبدلا من أن يحتويهم الإسلام صاروا هم يحتوون الإسلام، وكأن الإسلام حجة لهم وليس حجة عليهم.

على الليبيين اليوم أن يدركوا أهمية هذه الحسابات حساب الخنفوسقبل فوات الأوان. فالذي يتوقع الأسوأ يحمي نفسه من الوقوع في السيئ. إنها في لغة العلم تسمى حساب المخاطر وتقيِمها قبل الدخول على أي عمل أو فعل او مشروع. وعدم الإيمان بفكرة غير مثبتة والتفريق بين الفرضية والنظرية.أو ما يسمى بالإنجليزية Proof of Concept

وهذا ما لم نفعله قبل الوصول إلى هذه النقطة وهي أخطاء تراكمت من المجلس الانتقالي إلى المؤتمر الوطني وصولا الي البرلمان وهي نتاج عقلية ليبية تفكر بالتمني وتحب التعميم وتعارض التغير.

نحن ما زلنا نعيش في دائرة عنف مغلقة لا فائدة منها سوى تغذية الغضب وروح الشر داخلنا كأننا نعيش عصر الجاهلية.. نعم إنها جاهلية هذا العصر، فالجاهلية في اللغة ليست من الجهل كما يعتقد البعض بل هي الانصياع لنزوات النفس والهوى وعدم تحكيم صوت العقل.. فالعقل عقال من نزوات الغضب وهوى النفس.

يقول الشاعر الجاهلي عمر ابن كلثوم:

ألا لا يجهلن أحدٌ علينا.. فنجهل فوق جهل الجاهلينا

فهنا لا يفتخر الشاعر عمر ابن كلثوم بأنهم قوم جهلاء!!! بل يفتخر أنهم قوم يفعلون ما يريدون دون قيد ولا شرط؛ فلا دين يعصمهم ولا إنسانية ولا قانون حقوق إنسان.

هذا كان في الجاهلية، أما الآن ونحن مسلمون، فكيف لم يعصمنا ديننا من القتل؟ ومن يا ترى يعصمنا من وحوش تجري وراء الكرسي والمال بلا مبدأ او أخلاق أو تنافس شريف أو احتكام لصوت العقل ولصوت الدين والوطن قبل التفكير في المصالح الضيقة وهي بلا شك مقارنة بالوطن تعد ثمنا قليلا. فلا شيء يمكن مقارنته بالوطن.

ولكن ما زال ايماننا بالله والناس الذين همهم الوطن ويسكنهم الوطن حتى وان كانوا لا يسكنون الوطن.. فعلى قدر اهل العزم تأتي العزائم
___________

مواد ذات علاقة