
إشارات خطيرة
في فبراير من العام الماضي، قرعت اليونيسف ناقوس الخطر بإعلانها أن “أكثر من 4 ملايين شخص، بمن في ذلك 1.5 مليون طفل، سيواجهون مشاكل مائية وشيكة إذا لم تم إيجاد حلول فورية وتنفيذها“. ووفقا للخبراء، فإن حالة الموارد المائية والبنية التحتية في ليبيا تقترب من مستويات الإنهيار.
وقد اكتست تحذيرات اليونيسف أهمية خاصة في أعقاب النتائج التي أسفرت عنها دراسة أجريت في وقت لاحق من العام نفسه وشملت 45 مدينة في ليبيا، حيث وجدت أن 73% من المشاركين في ترهونة، على سبيل المثال، أفادوا بعدم كفاية المياه لتلبية احتياجاتهم في فترة 30 يوما قبل جميع البيانات.
ويتوافق هذا مع حقيقة أن إمدادات المياه في غرب ليبيا قد انخفضة من 1.2 مليون متر مكعب في اليوم إلى نحو 800 ألف متر مكعب بسبب التخريب وعدم الصيانة. وبسبب النمو السكاني المتزايد في ليبيا، تشير التقديرات إلى أن ليبيا ستحتاج نحو 8 مليارات متر مكعب من المياه بحلول عام 2025، أي ضعف ما يتم أمدادها في اليوم.
تنبع مشكلة ندرة المياه التي تعاني منها ليبيا في جزء كبير منها من أسباب بشرية، ومنها ارتفاع الطلب على المياه بسبب النمو السكاني، وآثار النزاع المسلح الدائر منذ عام 2011. وقد تعرضت شبكة خطوط أنابيب النهر الصناعي للعديد من الهجمات والتخريب المتعمد الذي تسبب في عدم قدرته على العمل بكامل طاقته بسبب انقطاع خطوط الأنابيب أو إغلاقها، والذي يمكن أن يستمر لأيام أو أسابيع.
وفي يوليو 2021، قال صلاح الساعدي، المتحدث باسم مشروع النهر الصناعي: “قد تتسبب الهجمات المستمرة على أصول المشروع في إيقاف العمليات وتدفق المياه، وهو وضع قد تكون له آثار كارثية على الأمن المائي في ليبيا“.
ووفقا لليبيين، يعاني جزء كبير من السكان من انقطاع المياه المتكررة، وهو السبب الرئيسي الذي دفع العديد من السكان إلى حفر آبارهم الخاصة وعدم الاعتماد بشكل كامل على مشروع النهر الصناعي.
في الواقع، كانت المياه إحدى الخدمات الثلاث الرئيسية التي طالب بها الليبيون خلال الاحتاجاجات على تدهور الظروف المعيشية في ليبيا عام 2020. ومن شأن انقطاع المياه المتواصل بسبب الظروف الأمنية المتردية في مناطق مشروع النهر الصناعي أن يجعل المياه كخدمة إحدى العوامل التي يمكن أن تؤدى إلى إشعال الاضطرابات الاجتماعية من جديد.
وإلى جانب التأثير المباشر للصراع المسلح، وبسبب عدم الاستقرار السياسي، لم تخصص الدولة ما يكفي من الاستثمار لصيانة وإصلاح البنية التحتية لإمدادات المياه. ولهذا، تؤدي الظروف المتدهورة لشبكة توزيع المياه إلى تسريبات كبيرة للمياه، والتي تقدر في كثير من الأحيان بما يصل إلى 50% من إجمالي المياه.
وإضافة إلى ذلك، ونظرا إلى العديد من مشاريع التوسع غير المكتملة، يقتصر النهر الصناعي على خدمة المناطق الساحلية والمدن الكبيرة بشكل أساسي، حيث تعدّ خدمة المناطق الريفية والجبلية باهظة التكاليف.
يشكل إعتماد العديد من الأسر الليبية على المياه الجوفية من طبقات المياه الجوفية الضحلة خطرا كبيرا على الأمن المائي، حيث يؤدى الاستهلاك المفرط للمياه الجوفية في المناطق الساحلية إلى خفض مستويات المياه الجوفية وزيادة ملوحة المياه الجوفية الضحلة، ما يؤدي إلى خروج العديد من الآبار عن الخدمة.
كما تؤثر عواقب انخفاض مستويات المياه الجوفية بشكل كبير على جودة الغطاء النباتي والإنتاج الزراعي، حيث أصبح الوصول إلى المياه العذبة أكثر تكلفة وصعوبة. إضافة إلى زيادة نسبة الملوحة في التربة، ما يجعلها أقل قابلية للزراعة.
فعندما تنخفض المياه الجوفية إلى ما دون مستوى معين، تتسلل مياه البحر إلى طبقات المياه الجوفية العذبة، ما يتسبب في زيادة ملوحة المياه الجوفية في المناطق الساحلية. وقد خلصت دراسة عن تلوث المياه على ساحل مدينة الزاوية أجريت عام 2018 أن مياه البحر قد لوثت الآبار على بعد 6 كيلومترات تقريبا في الداخل، ونتج هذا بشكل رئيسي عن الأنشطة الزراعية المكثفة في المنطقة، فضلا عن انخفاض تغذية المياه الجوفية.
تنتشر هذه الظاهرة في العديد من المدن الساحلية الأخرى في جميع أنحاء ليبيا. وبسبب ارتفاع مستويات سطح البحر الناجمة عن تغير المناخ، سيزداد تسرب مياه البحر إلى المياه الجوفية العذبة، ما يهدد فرص الليبيين بالحصول على المياه العذبة والأراضي الصالحة للزراعة.
كما يتضمن المشهد الحالي سببا آخر يدعو إلى القلق فيما يتعلق بأزمة المياه، وهو زيادة أيام الجفاف وانخفاض المعدل السنوي لهطول الامطار بسبب تغيّر المناخ، حيث يتراوح معدل هطول الأمطار السنوي في ليبيا بين 100- 600 ملم سنويا، معظمها في مناطق الشريط الساحلي.
في الواقع، يتلقى 5% فقط من الأراضي الليبية أكثر من 100 ملم سنويا، بينما تواجها معظم المناطق الجنوبية الجفاف وزيادة التصحر بسبب مناخها الجاف. وعلى الرغم من أن ليبيا تمتلك نحو 16 سداً رئيسياً لتجميع المياه السطحية، إلا أن هذه السدود لا تساهم كثيرا في إمدادات المياه في البلاد بسبب معدلات التغذية المنخفضة وسوء إدارة المياه السطحية والبنية التحتية.
وقد واجهت ليبيا صيف عام 2021 إحدى أطول موجات الحر في العقود الأربعة الماضية، حيث ارتفعت درجات الحرارة بشكل غير معتاد لأكثر من 10 أيام، إلى جانب انقطاع التيار الكهربائي لفترة طويلة، ما تسبب في ضغوط اجتماعية هائلة جعلت الظروف المعيشية لا تطاق بالنسبة إلى العديد من الليبيين.
وأدت أيام الجفاف الطويلة إلى زيادة مستوى التبخر، ما أدى إلى زيادة فقدان المياه السطحية. كما شهدت ليبيا هذا العام جفاف سد (وادي كعام) أحد أكبر السدود في البلاد، وذلك بسبب مستويات التبخر العالية بين عامي 2020-2021. وقد أدى هذا إلى إجهاد المزارعين الذين يعتمدون على السد في ري أراضيهم.
تثير مثل هذه الأحداث قلق الخبراء لأنها تشير إلى التأثير المكثف لتغير المناخ في البلاد. ومع ذلك، فإن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن صانعي السياسة الليبيين لا يحركون ساكنا في مواجهة هذه القضية الخطيرة. فعلى الرغم من توقيع ليبيا على اتفاقية باريس عام 2021، إلا أنها تفتقر حتى الآن إلى سياسة أو خطة رسمية لمواجهة الآثار الحرجة لتغير المناخ على الموارد المائية وإدارتها.
يعدّ الوعي العام بشأن خطورة ندرة المياه في ليبيا محدودا جدا في جميع أنحاء البلاد، حيث لا يدرك الليبيون عموما حجم المشكلة وأهمية إدارة استهلاك المياه بإحكام. وبالمقارنة مع جيرانهم، يستهلك الليبيون أكثر بكثير من التونسيين والمصريين والجزائريين.
وفقا لمنصة وورلد ميترز، يبلغ الاستهلاك الفردي اليومي في ليبيا من المياه 2541 لترا، بينما تستهلك تونس 1168 لترا، والجزائر 674 لترا في حين تستهلك مصر 2202 لترا. وبالنظر إلى قطاع الزراعة الليبي أصغر بكثير مقارنة بنظيره في تونس ومصر والجزائر، وحقيقة أن قطاعات الزراعة هي المستهلك الأكبر للمياه، فإن ليبيا تستهلك مواردها المائية بفارق ضخم مقارنة بغيرها.
قُدّر إجمالي استهلاك المياه في ليبيا عام 2012 بنحو 5.8 مليار متر مكعب، 83% منها استهلكها قطاع الزراعة الصغيرة، وهو ما يمثل أقل من 3% من الناتج المحلي الإجمالي في ذلك العام. لذا، إذا لم تبادر ليبيا إلى الحكم في استهلاكها للمياه، فإن غالبية السكان الليبيين سيواجهون قريبا صعوبات في الحصول على المياه العذبة.
إضافة إلى ذلك، لا تزال هناك علامات استفهام كبير بشأن جودة المياه، ولا سيما مياه الآبار الخاصة، حيث نشهد تسربا لمياه الصرف من الحفر الامتصاصية إلى طبقات المياه الجوفية. ونتيجة لنقص البيانات، لم يتمكن الفريق من الإحاطة بخطورة مشكلة جودة المياه.
…
يتبع في الجزء التالي
_____________
المصدر: “الدليل الإصلاحي للخدمات العامة في ليبيا“ من تأليف (محمد المجبري، هبة الشيخ، لميس بن عياد، ريما حميدان). الدليل صادر عن مؤسسة فريدريش إيبرت