المختار غميض

لا بد أولا، ولفهم طبيعة المرحلة الحالية التي ترواح فيها ليبيا مكانها منذ مأزق تأجيل انتخابات ديسمبر العام الماضي، لا بد من إدراك أن هذا الوضع الحالي هو نتاج ظرفية معينة اقتضاها الانقسام السياسي الحاصل سنة 2014 بعد الانقلاب العسكري للجنرال خليفة حفتر.
لذلك كان المطلوب من الجسمين التشريعين، وهما مجلسا النواب والدولة انتاج تشريعات مرحلية وليست دائمة في انتظار تبلور نظام انتقالي يعبر بالمشهد السياسي إلى بر الأمان الديمقراطي. فما الذي قد يضفيه المبعوث الأممي الجديد السنغالي عبد الله باثيلي على المشهد الليبي؟
تمثلت تلك المرحلة في إبرام اتفاق الصخيرات سنة 2015 كمحرك سياسي مدد لمجلس النواب والمؤتمر الوطني العام من خلال إنشاء مجلس الأعلى للدولة، وكلا هذين الجسمين تآكلا حاليا بحكم إن لم نقل بموت مشروعيتهما نهائيا.
من هذا المنطلق، لم تكن صلاحيات مجلس النواب هو التمدد في السلطة وسن التشريعات الجديدة، التي ما كان لها أن تتجاوز مسألة الاستفتاء على الدستور الجاهز منذ 2017، أو قوانين الموازنات السنوية، أو قوانين الانتخابات، فهذه هي الأعمال المنتظرة من البرلمان.
ومع تمديد الفترة الانتقالية، بدا واضحا غياب التوافق بين مجلسي النواب والدولة، وكثرة المراوغة بينهما في ما يشبه لعبة باتت مكشوفة وهي المكوث في السلطة وعدم الرغبة في التفاهم بشكل مقصود، نظرا لأن أي توافق بينهما يعني حتما الحكم على نفسيهما بالموت.
لهذا السبب لا يزالان يتمرسان باللف والدوران، وهذا واضح من خلال التباين الأخير حول مسألة التفاهم على شرط الجنسية لانتخاب رئيس الجمهورية الذي كان يسمح لترشح مزدوجي الجنسية وهو ما يخدم حفتر، لكن رئيس المجلس الأعلى للدولة نفى موافقته على هذا الشرط، وهو ما يؤكد استمرار لعبة شد الحبل بينه وبين البرلمان.
وعليه فإن خسارة الوقت ليلم يكن عاملا يخدم مصلحة البلاد من النواحي الاقتصادية والاجتماعية، مع تدهور العملة وما تنتجه من حالة احتقان عارم قد تؤدي بأسرع حال إلى انفلات أمني، على شاكلة ما حدث بالزاوية غرب طرابلس من صراع مسلح دام لليلة كاملة أدى إلى مقتل ستة أشخاص.
من هنا، فإن عدم التوصل إلى أية صيغة لاجتياز هذه العقبات، لا يوجد له مبرر سوى بمزيد عقد الصفقات والحصول على الامتيازات والتمكن من أجهزة الدولة والتغلغل في مؤسساتها، عبر زيادة المنح والرواتب وتنصيب السفراء وممثلي البعثات في الخارج عبر الولاءات وهو ما أشار إليه ديوان المحاسبة في تقريره السنوي الذي صدر أخيرا.
هذا التمشي قد يسهم في توتر عسكري جديد، خاصة مع تهديد حفتر بشن حرب جديدة على العاصمة بزعم القضاء على الميليشيات، والتمكين لحكومة البرلمان فتحي باشاغا خاصة بعد فشله في دخول العاصمة لعدة مرات رغم استعمال قوة السلاح.
من هذه الزاوية فإن طريق أي انتخابات مقبلة سواء كانت تشريعية أو رئاسية، فهي محاطة بالعوائق من كل الجوانب، وعلى رأسها رئيس البرلمان الذي يهدد بإقصاء كل المخالفين للكتلة النيابية الرافضة لتوجهاته، رغم أنهم منتخبون مثل أعضاء كتلته، وهذا التعنت سيتضح أكثر فأكثر مع قرار عقيلة صالح تعيين رئيس المحكمة العليا عبد الله أبو رزيزة، ضمن مسار متدرج لضمان ولاء المؤسسات ويبدو أن رئيس المجلس الدولة خالد المشري قد وافق على التعيين.
في ظل هذا الانسداد العام على كامل الصعد، تبدو محاولات الدفع بتجديد المسار السياسي، للبناء عليه، ضعيفة ومترهلة جدا، سمتها الجمود وغياب الفاعلين الحقيقيين لحث مختلف الحساسيات السياسية على طرح حل يحظى بنوع من الوفاق والتشاركية.
رئيس السلطة التنفيذية محمد المنفي لوح بالتدخل لفرض قاعدة دستورية من المجلس الرئاسي، وفق ما تم تداوله في أروقة الأمم المتحدة خلال اجتماع الجمعية العامة في دورتها السابعة والسبعين، ويبدو انها طرحها على لاعبين دوليين كبار في الملف الليبي، تتعلق أساسا ببلورة حل دستوري للانتخابات.
في هذا الجو السائد، يتوقع من المبعوث الأممي الجديد إلى ليبيا، السنغالي عبد الله باثيلي، إكمال الحراك السياسي على أساس تجاوز العوائق نحو إما إطلاق إطلاق حوار جديد بين أطراف الصراع، والبناء على مسار المستشارة الأممية السابقة ستيفاني وليامز، أو الدعوة لحوار أوسع قد يشمل الدول ذات الاهتمام الأكبر بالمشهد الليبي، لوضع خارطة طريق جديدة.
لذلك، من المنتظر أن يشهد الوضع انفراجة من حيث استئناف الزخم السياسي، وأول ملف حارق سيجابه الفرقاء هو مشكل التمثيل الحكومي، مع تمسك كل طرف بشرعيته، بالتالي قد يتم النظر في توحيد الجهود الحكومية نحو حكومة ثالثة، قد تكون من الطرفين لكن معدلة، أو قد تسحب البساط نهائيا من حكومتي باشاغا والدبيبة.
نظرا لتعقيدات وتشعب الواقع الليبي في علاقة باللاعب الاقليمي، سيُجابه بمسألة أخرى، وهو ارتباط الحكومتين الحاليتين بمحاور خارجية، وهذا يمكن تفسيره بتعاقب الزيارات بين الدبيبة وباشاغا إلى كل من تركيا وقطر، انتهت بزيارة رئيس البرلمان عقيلة صالح إلى الدوحة وقبلها إلى أنقرة، وحديث عن وساطة قطرية مصرية لم تتضح معالمها أو تنعكس بعد على الجانب الليبي.
بالتالي فإن الفرضيات المطروحة لحلحلة الوضع، وفتح نافذة جديدة وجدية ستكون مرتبطة حتما بأي مفاجآت قد تحدث على الأرض، أي مغامرة عسكرية تقلب كل التكهنات، فحفتر قام أخيرا بأكثر من زيارة للجنوب الليبي، بعد تلويح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بالتدخل المباشر في ليبيا إذا رأت ضرورة، في إشارة واضحة لرفض التدخل المصري الإماراتي في المنطقة المغاربية، وخاصة التفكير في استحداث حكومة ليبية جديدة.
ذلك ما أثار استياء كبيرا لدى السيسي وصل حد التفكير في استدعاء السفير المصري من الجزائر وفق تقارير إعلامية، لكن عموما يبدو أن اليد الطولى ستكون للجزائر لاعتبارها الجغرافي المغاربي ثم لوزنها في القمة العربية التي ستعقد على أرضها في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
***
المختار غميض ـ كاتب تونسي
____________
