
“ستفرض روسيا سيطرتها الكاملة على جنوب شرق البحر المتوسط مع ازدهارها في ليبيا“
سلطت دورية تركية الضوء على السياسات التي تبنتها روسيا إزاء ليبيا من قبل فترة الربيع العربي مطلع 2011 وحتى اليوم، إذ تشهد البلاد جمودا سياسيا تخيم عليه مخاوف حقيقية من اندلاع حرب أهلية جديدة.
وأوضحت “دورية توبكابي للعلوم الاجتماعية” في ورقة بحثية للكاتبة “سينام تشاكر“، أن روسيا اليوم تحاول تلافي خطأ عدم حماية نظام الزعيم الليبي السابق معمر القذافي من السقوط في 2011، عبر سياساتها الراهنة المتمثلة في دعم الجنرال الانقلابي خليفة حفتر.
بداية الأزمة
وذكرت الدورية التركية أن الإطاحة بزين العابدين في تونس كانت قد ألهمت الشعب الليبي غير الراضي عن نظام القذافي الاستبدادي. وبدأت الاحتجاجات الأولى في 15 فبراير/ شباط 2011.
وقابل القذافي هذه الاحتجاجات بالعنف الشديد والاعتقالات وانتهاكات لحقوق الإنسان.
ودعا مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 26 فبراير القذافي إلى وضع حد للهجمات على المدنيين لأنها قد تشكل جرائم ضد الإنسانية.
وجرى الإجماع على أن تتوقف الدول الأعضاء عن تصدير جميع الأسلحة والمواد المشتقة منها إلى ليبيا.
وفي أعقاب رفض النظام الامتثال لهذه الدعوة اعتمد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرارا جديدا في 17 مارس/ آذار 2011، بإعلان ليبيا منطقة حظر جوي واتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية المدنيين.
وعلى الرغم من أن روسيا العضو الدائم امتنعت عن التصويت على القرار 1973، إلا أن التدخل العسكري في ليبيا والذي بدأ في 19 مارس تحت قيادة فرنسا لم يكن موضع ترحيب بالنسبة لروسيا.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الروسية “ألكسندر لوكاشيفيتش” آنذاك، إن هجمات حلف شمال الأطلسي قتلت أيضا مدنيين، موضحا أنه تم تجاوز أهداف هذا القرار.
وجمع المؤتمر الوطني الانتقالي في ليبيا، الذي تأسس في 27 فبراير/شباط 2011، قبيل قرارات العقوبات، المعارضة تحت سقف واحد ونظم حركة شاملة ضد نظام القذافي.
وجرى الاعتراف بالمؤتمر لأول مرة من قبل فرنسا، لكن لم تعترف روسيا به إلا بعد سقوط طرابلس، وأصبح من الواضح أن نظام القذافي قد أطيح به.
وأدى فراغ السلطة إلى نشر منظمات متطرفة في البلد، وقد انعكست كل هذه السلبيات على الاقتصاد، وانخفضت مبيعات النفط إلى أقل من مليون برميل يوميا.
ونتيجة للانتخابات في عام 2012، أصبح علي زيدان رئيسا لأول حكومة بعد نظام القذافي.
وخلال فترة حكومة زيدان زادت جرعة المواجهة بين حزب العدالة والتنمية والليبراليين، ثم بدأت حالات الاغتيال والهجمات الانتحارية.
وهذا أدى إلى مشاكل من حيث السيطرة على المناطق النفطية، وكان المتمردون في هذه المناطق يميلون إلى إنشاء إداراتهم الذاتية الخاصة.
وبتشجيع من الاستجابة الإيجابية للانقلاب في مصر من قبل الدول الغربية في خضم كل هذه الفوضى، أعلن اللواء المتقاعد خليفة حفتر في 4 فبراير 2014 أن المجلس العسكري الانتقالي الليبي سيتولى زمام الأمور، ودخل بنغازي وقضى على الجماعات الإسلامية هناك.
وبعد بنغازي، حول مساره إلى طرابلس وجعل مجلس النواب تحت إدارته في طبرق، واستند خطابه إلى مكافحة المنظمات الإسلامية المتشددة، لنيل الدعم الخارجي.
وتدخلت بعثة الأمم المتحدة للدعم لضمان السلام والاستقرار والدستور في ليبيا التي فشلت في الحفاظ على النظام بعد القذافي وجرتها إلى حرب أهلية، وبدأت المفاوضات في جنيف.
ونوقشت ثلاث قضايا رئيسة هي: وقف إطلاق النار، وتشكيل حكومة وفاق، وإنشاء جيش ليبي مشترك.
وعلى الرغم من تعذر التوصل إلى توافق في الآراء، جرى تشكيل حكومة الوفاق الوطني في ليبيا في 30 مارس 2016.
وعلى الرغم من أن حكومة الوفاق تأسست تحت رئاسة فايز السراج، إلا أن حفتر لم يقبل ذلك على وجه التحديد، وزادت الاشتباكات بين السراج وحفتر، ما جر البلاد مرة أخرى إلى الحرب الأهلية.
وكان الشريك الجديد للولايات المتحدة هو السراج، فيمل بدأ حفتر مفاوضات مع روسيا وحصل على دعمها. ثم جرى التفاوض على وقف إطلاق النار بين الطرفين في عام 2020 بمبادرات من تركيا وروسيا.
إدارة روسيا للأزمة
وخلال الربيع العربي في عام 2011 اعترفت روسيا بممثل المعارضة في المؤتمر الوطني الليبي بعد الإطاحة بنظام القذافي، لكن مع اندلاع الحرب الأهلية في 2014 دعمت حفتر ضد حكومة الوفاق.
وكان الموقف الروسي مؤشرا على أنها لن تستبعد من النظام الجديد الذي سيتم إنشاؤه في ليبيا، بل على العكس من ذلك، ستستفيد من خلال إنشاء مجال نفوذ.
وحفتر، الذي أصبح معزولا مع اعتراف الأمم المتحدة بحكومة السراج ودعم الغرب، اتبع سياسة التقارب مع روسيا.
من ناحية أخرى، حسنت روسيا علاقاتها مع حفتر بدءا من عام 2015 من أجل مراجعة قرارات سياستها الخارجية تجاه ليبيا، والتي تحولت إلى وضع سلبي.
وذلك على خلفية امتناعها عن التصويت في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 وموقفها النقدي تجاه العملية العسكرية اللاحقة، لذا هدفت روسيا إلى التعويض عن عدم تبنيها من قبل المعارضة الليبية وإلغاء الاتفاقات التي أبرمت خلال عهد القذافي.
وسياسة روسيا المتوسطية لها نصيب كبير في السعي لتحقيق هدف روسيا المتمثل في أن تصبح نشطة في ليبيا من خلال حفتر بعد عام 2015.
وبوجود روسيا في حميميم وطرطوس بسوريا، فإنها ستفرض سيطرتها الكاملة على جنوب شرق البحر المتوسط مع ازدهارها في ليبيا وتوازن بين نفوذ أوروبا في المنطقة وتشكل قوة ردع لحلف شمال الأطلسي.
من وجهة نظر اقتصادية، وبالنظر إلى التعاون مع حفتر الذي يسيطر على جزء كبير من المناطق النفطية، فإنها تهدف إلى الهيمنة على سوق الطاقة وجعل أوروبا تعتمد عليها.
ووعد حفتر روسيا بأنه سيسمح لها بإنشاء قاعدتين، في طبرق وبنغازي، والتقى حفتر في موسكو مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو ويفغيني بريغوجين، اللذين يعدان مالكين لشركة فاغنر الروسية الخاصة، واتفقا أيضا على إرسال مرتزقة.
وهكذا، اكتسبت المساعدات المالية المبكرة التي قدمتها روسيا لحفتر ودعمها السري، مثل علاج جنوده الجرحى في روسيا، بعدا ملموسا في المنطقة بمشاركة فاغنر.
واستخدمت روسيا حق النقض ضد قرار لمجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات لوقف هجمات حفتر على طرابلس.
كما جرى الاتفاق على التعويض عن اتفاقيات عهد القذافي، وفي فبراير 2017، وقعت “روسنفت“، أكبر شركة نفط روسية، مع شركة النفط الليبية، اتفاقية تعاون في مجال استخراج النفط والتنقيب عن رواسب المواد الخام.
سياقات مهمة
لا شك أن سياسة روسيا المتمثلة في استعمار إفريقيا عن طريق النزول إلى البحار الساخنة تعود إلى فترة الاتحاد السوفيتي ومستمرة حتى يومنا هذا.
فأراد الاتحاد السوفيتي تقويض المصالح الأميركية من خلال خلق مجال نفوذ في إفريقيا وكذلك في الشرق الأوسط، ودعم علنا قادة الأيديولوجية الاشتراكية في النضال من أجل استقلال إفريقيا، التي كانت مستعمرة للدول الغربية لسنوات عديدة.
ومع دعم اقتصاد الدول الإفريقية بالقروض في العملية الجارية، تم أيضا التبرع بأسلحة من الاتحاد السوفيتي أو بيعها.
إذ تم إرسال 30 طائرة من طراز Mig-23s إلى ليبيا من قبل الاتحاد السوفيتي بين عامي 1973 و1985 وأفراد عسكريين من الاتحاد السوفيتي لصيانة واستخدام هذه الطائرات.
وعلى الرغم من أن ليبيا لم يكن لديها طيارون مؤهلون، تم تسليم طائرات قاذفة قنابل يدوية من طراز Tu22 وذهب الطلاب العسكريون الليبيون إلى موسكو للتدريب.
ولكن لم يقدم الاتحاد السوفيتي، الذي يحظى بعلاقات جيدة مع ليبيا، دعما فعالا عندما تدخلت الولايات المتحدة في المنطقة في عام 1986.
وكان هذا مؤشرا على أن روسيا تتصرف وفقا لمصالحها ولا تتبع سياسة غير مشروطة مناهضة للولايات المتحدة.
وكانت الأهداف الرئيسة لروسيا بعد الحرب الباردة هي تحقيق التوازن بين قوة الولايات المتحدة في إفريقيا والبحر المتوسط، وزيادة اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية.
وفي هذا السياق جرى تطوير العلاقات الاقتصادية مع ليبيا في المرحلة الثانية من حكم بوتين.
وفي عام 2008 وقعت روسيا وليبيا اتفاقية بأكثر من ملياري يورو لبناء خط سكة حديد سرت، كما تم إبرام عقود لاستخراج موارد الطاقة في ليبيا.
وحققت روسيا مكاسب كبيرة من حيث شركات النفط والأسلحة من خلال محو ديون ليبيا للاتحاد السوفيتي البالغة 4.5 مليارات دولار.
وكان الهدف الرئيس لشركة غازبروم، أكبر شركة روسية وأكبر مستخرج للغاز الطبيعي في العالم، هو الاستحواذ على النفط والغاز الطبيعي في ليبيا.
ولكن مع الإطاحة بنظام القذافي في عام 2011، لم يتحقق ذلك.
__________________________