وائل الغول

تتصاعد وتيرة الأزمة السياسية الليبية، في ظل وجود حكومتين متنافستين، وصراع مستمر على الثروة والسلطة، بين الشرق والغرب، وفشل في التوافق حول إطار منظم للانتخابات.

وفي حلقة جديدة من مسلسل الانقسام الداخلي الليبي، كشفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، الاثنين، فشل الأطراف الليبية في الاتفاق على الإطار الدستوري المنظم للانتخابات، داعية إلى اجتماع جديد خلال 10 أيام لحسم النقاط الخلافية.

واختتمت الأطراف الليبية، الأحد، مباحثاتها المتعلقة بالمسار الدستوري في العاصمة المصرية القاهرة، وكان يتوقع إعلان التوصل لاتفاق نهائي في الجولة الثالثة والأخيرة من المحادثات، وهو ما لم يحدث.

وأكدت المستشارة الخاصة للأمين العام بشأن ليبيا، ستيفاني وليامز، التزام الأمم المتحدة بـدعم جميع الجهود الليبية لإنهاء المراحل الانتقالية المطولة، وانعدام الاستقرار الذي أصاب البلاد، وفقا لـفرانس برس“.

تداعيات طول أمد الصراع

وتعاني ليبيا من صراع طويل الأمد، في ظل جمود سياسي بالبلاد، وهو ما يثير تخوفات خبراء من تداعيات سلبية مستقبلية، وفقا لتقرير لـمعهد الولايات المتحدة للسلام“.

ولذلك يؤكد المحلل السياسي الليبي، حمد المالكي، أن التحدي الحقيقي يتعلق بـطول أمد الأزمة، والذي قد يتسبب في تصعيد عسكري جديد، معتبرا أن الغزو الروسي لأوكرانيا يلقي بظلاله على ليبيا“.

وفي حديثه لموقع الحرة، حذر من تحول ليبيا إلى مسرح جديد لتصفية الحسابات بين روسيا والغرب، ووقتها سيصبح المواطن الليبي مجرد حشو مدافع لهذه القوى، على حد تعبيره.

ومنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، تشهد البلاد صراعا مستمرا على السلطة، ويتفاقم الانقسام مع وجود حكومتين، الأولى في طرابلس والتي جاءت وفق اتفاق سياسي قبل عام ونصف عام برئاسة، عبد الحميد الدبيبة.

أما الحكومة الموازية برئاسة، فتحي باشاغا، والتي عينها البرلمان في فبراير الماضي ومنحها الثقة في مارس، وتتخذ من سرت (وسط) ليبيا مقرا موقتا لها.

وخلال الشهر الماضي، قام باشاغا بدعم من البرلمان وقائد الجيش المشير خليفة حفتر، بمحاولة فاشلة للاستيلاء على السلطة في طرابلس، وتسببت تلك المحاولة في معركة داخل العاصمة، أدت لسقوط قتلى وجرحى.

مليشيات وقوى أجنبية

بحسب واشنطن بوست، فقد دمر الصراع الدولة الغنية بالنفط، وتسبب في انقسام البلاد بين حكومتين، يدعم كلا منهما مليشيات مسلحة وحكومات أجنبية.

وتعليقا على ذلك، يشير أستاذ القانون الدولي والمحلل السياسي الليبي، محمد الزبيدي، إلى أن المليشياتهي كلمة السر في الانقسام الليبي، باعتبار الأزمة أمنية في المقام الأول“.

في حديثه لـالحرة، قال إن المليشيات إذا اتحدت وتفاهمت تسرق الثروات، وإذا تصارعت وتناحرتتدمر البلاد، على حد قوله.

وانتهت آخر جولة صراع كبيرة في ليبيا في عام 2020، ويخشى كثير من الليبيين أن تؤدي المواجهة السياسية الحاليةإلى اندلاع حرب أهلية جديدة“.

الباحث المختص في الشأن الليبي، عبد الستار حتيتة، يرى أن التصعيد العسكري والعودة إلى الحرب الأهليةسيناريو صعب لكن محتمل“.

وفي تصريحات لموقع الحرة، يشير إلى أن الكثير من بلدان المنطقة ومعها الولايات المتحدة، تسعى لتغليب الحل السياسي عن أي حل عسكري محتمل“.

وفي تصريحات لـرويترز، الجمعة، نفي باشاغا، إشعال المأزق السياسي حربا جديدة، مضيفا لن يكون هناك تحريك قوة من الشرق إلى الغرب أو الغرب إلى الشرق“.

وتحدث باشاغا عن القوات التركية التي جاءت إلى ليبيا في عهد حكومة طرابلس السابقة المدعومة دوليا، والتي كان يشغل فيها منصب وزير الداخلية والتي ساعدت في صد هجوم استمر 14 شهرا شنته قوات شرق ليبيا بقيادة حفتر.

ويحذر الزبيدي، من مغبة التصعيد العسكري، لأن ليبيا سوف تتحول وقتها إلى ساحة صراع دولي“.

ولن تقتصر المواجهات العسكرية على حرب بين الجيش الليبي بقيادة حفتر، وبين المجاميع المسلحة والمليشيات بغرب ليبيافهناك قوى دوليةتقف وراء الحكومتين، وفقا للزبيدي.

صراع السلطة والمال

ومنذ أبريل، أغلقت جماعات في شرق ليبيا عدة منشآت نفطية للمطالبة بسيطرة باشاغا على السلطة في العاصمة، ما عرقل جانبا كبيرا من إنتاج الخام الليبي ووضع ضغوطا جديدة على أسعار الطاقة العالمية، حسب رويترز“.

ووافق البرلمان الليبي، على ميزانية قدرها 90 مليار دينار بما يعادل 18.6 مليار دولار، لحكومة باشاغا، لكن مصرف ليبيا المركزي يعمل حتى الآن مع حكومة طرابلس، لم يبد أي إشارة علنية على أنه سيسلم الأموال

ويتحدث الزبيدي، عن تسبب ذلك الانقسام في نهب ممنهج لثروات الليبيين، وتعطيل خطط التنمية المستقبلية، ما أدى لتدمير مقدرات البلاد، على حد تعبيره.

أما المالكي، فيقول إن الأزمة تتمركز في صراع حول السلطة والمال، وتتعلق أيضا بـطبيعة الدولة وشكل النظام السياسي“.

تاريخ ليبيا المميز

لقعد من الزمن، فشلت كل المحاولات في إقامة حكومة شرعية لأنها تجاهلت تاريخ ليبيا المميز، وفقا لتحليل لصحيفة وول ستريت جورنال“.

وتأسست المملكة الليبية في عام 1951، وطيلة 18 عاما، كانت ليبيا ديمقراطية برلمانية متطورة، ولكن في عام 1969، تمت الإطاحة بالديمقراطية الوليدة في ليبيا، بعد انقلاب القذافي وإلغاء الملكية في البلاد، حسب وول ستريت جورنال“.

ولذلك يعد الانقسام الحالي بين حكومتي الدبيبة وباشاغا، أمر متوقع، لأن جميع الحوارات السياسية تتحدث عن تقاسم السلطة، ولم تمس الجذور التاريخية للأزمة، وفقا للمالكي.

وحسب ما ذكر المالكي، فالأزمة تاريخية متجذرة، نتيجة إلغاء النظام الفيدراليفي عام 1963، وهو ما تسبب بتصاعد الأزمة داخل البلاد، حتى وصل الأمر إلى ثورة مسلحةضد مركزية نظام القذافيفي عام 2011.

وتحاول الحكومة في طرابلس، أتباع نهج القذافي في حكم أقاليم ليبيا الثلاثة برقة وطرابلس وفزان، بشكل مركزي ودون العودة للنظام الفيدرالي، ما يعمق الأزمة، وفقا لرأي المالكي.

لكن الانقسام الحالي، لا يقتصر فقط على حكومتي الدبيبة وباشاغا، فهو يشمل أيضا الحكومتين من جانب، وأتباع نظام القذافي من جانب أخر، وفقا لحتيتة.

ويقول حتيتة إن الجبهة الأولى تحظى باهتمام ورعاية دولية وإقليمية، بينما الجبهة الثانية المتمثلة في النظام السابق، ما زالت منبوذة من المجتمع الدولي وبعض دول الإقليم، رغم أنها تحظى بشعبية في الداخل الليبي“.

المواطن يدفع الفاتورة

كان الشعب الليبي يعول على مباحثات القاهرة للتوصل لتوافق حول الإطار الدستوري المنظم للانتخابات العامة، بعد الفشل في إجراء الانتخابات في 24 ديسمبر الماضي، بسبب الخلافات حول دستورية القوانين المنظمة للعملية الانتخابية آنذاك.

ولحل ذلك النزاع، أشارت الأمم المتحدة، الاثنين، إلى أهمية إجراء انتخابات وطنية شاملة وشفافة في أقرب تاريخ ممكن، وتلبية تطلعات ما يقارب 3 ملايين ليبي ممن سجلوا للتصويت، وفقا لـفرانس برس“.

لكن الأمم المتحدة غضت الطرف عن المسار الاقتصادي، الذي كان ينص على تقاسم الثروات بعدالة بين الأقاليم التاريخية الثالثة كما نص على إعادة هيكلة وتوحيد المصرف المركزي، ما تسبب في تفاقم الأزمة، حسب المالكي.

ويعاني المواطن الليبي الأمرين، ويدفع منفردا فاتورة الأزمة التي تعصف بالبلاد، بعد انقسام الدولة إلى شرق وغرب، وفقا لرأي الزبيدي.

ويتحدث الزبيدي عن مشكلات اقتصادية متصاعدة، تتعلق بمستوى معيشي متدني وغياب للسيولة النقدية، ومشكلات خدمية متنامية، تتمثل في غياب الخدمات الطبية ودمار البنية التحتية.

وتعاني ليبيا من مشكلات تعليمية مستمرةبعد تأجيل الدراسة هذا العام نتيجة عدم طباعة الكتب والمناهج الدراسية، كل ذلك في ظل انقسام مجتمعي حاد، وحرب مستمرة بين المدن والقبائل، حسب الزبيدي.

وفي مطلع 2021، كانت ليبيا سابع أكبر منتج للنفط الخام في أوبك وثالث أكبر منتج إجمالي للسوائل البترولية في إفريقيا، وفقا لبيانات” إدارة معلومات الطاقة الأميركية“.

وفي نهاية عام 2021، كانت ليبيا تمتلك 3 في المئة، من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، وتمتلك 39 في المئة من احتياطيات النفط المؤكدة في إفريقيا.

ووفقا لـفاينينشال تايمز، فإن إنتاج النفط الليبي متوقف عند حوالي 700 ألف برميل يوميا، وسط مخاوف من تسبب الصراع في خفض الإنتاج إلى نحو 100 ألف برميل يوميا، بما يعادل أقل من 10 في المائة من الطاقة الإنتاجية للبلاد.

وهو ما يعلق عليه حتيتة، قائلا: “السواد الأعظم من الليبيين يعشون في ظروف صعبة، واصفا حياة الليبيين بـالبائسةرغم الثروات النفطية الوفيرة.

ويؤثر تنازع السلطة بالسلب على تدفقات الرواتب وعلى عمل محطات الكهرباء وعلى غيرها من المرافق اليومية اللازمة للحياة، وفقا لرأي حتيتة.

تلك الوقائع تطرح سؤالا جديدا، حول مسارات حل المعضلة الليبية، وكيف تنجح ليبيا في الخروج من أزمتها المتصاعدة؟

وفقا لحتيتة، فإن مسارات الأزمة في ليبيا متشابكة ومعقدة، لكنها قابلة للحلنتيجة بعض الضغوط الدولية، خاصة بعد تدخل الولايات المتحدة من أجل الإسراع في إنهاء الأزمة، في ظل الظروف الدولية والإقليمية الراهنة.

وفي سياق متصل، يمكن للعودة إلى دستور 1951، وتوزيع السلطة والثروة على أقاليم ليبيا، إعادة بناء الدولة التي أفسدتها المركزية وأنهكتها الحروب، حسب المالكي.

_______________

مواد ذات علاقة