يبدو الخبر ديموقراطياً للغاية، فأنت هنا تتحدث عن مظاهرة شعبية سلمية، احتشد فيها المئات من مؤيدي الدبيبة في ميدان الشهداء بوسط العاصمة طرابلس، وتولت أجهزة الأمن التابعة لحكومة الوحدة تأمينها، لكن بالتعاون مع الميليشيات المسلحة.
لم يخل المشهد من مسحة سينمائية غير معتادة، بعدما انحنى رئيس الوزراء أمام أنصاره في ساحة الشهداء الواسعة المحاطة بأشجار النخيل والمباني ذات الطراز الإيطالي، وسط المدينة، على هامش حفل زفاف جماعي مولته حكومة الدبيبة، الذي لم يفوت الفرصة دون أن يعد مستمعيه بالمزيد من القروض والهبات والعطايا.
وقبل ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات التي تعد حاسمة لمستقبل البلاد، حمل المتظاهرون لافتات مناوئة لبرلمان بلادهم في عاصمتها، وطالبوا بإسقاطه، استناداً إلى دعوة الدبيبة، لكنهم تجاهلوا في المقابل المطالبة بتفكيك الميليشيات المسلحة وإنهاء التواجد العسكري التركي على الأراضي الليبية، بما في ذلك ترحيل المرتزقة السوريين الذين جلبتهم تركيا للقتال إلى جانب القوات الموالية للحكومة.
على بعد كيلومترات قليلة، تقع معسكرات الميليشيات المتناحرة منذ عشر سنوات على مناطق النفوذ والهيمنة في قلب طرابلس، بمنأى عن مطالب الجماهير، وهو أمر ستستفيد منه أيضاً القوات التركية المتواجدة على نفس المسافة تقريباً رغم تواجدها الرسمي في قاعدة معيتيقة الجوية بالمدينة.
وإلى جانب هذا الثنائي، يقبع جيش يضم آلاف المرتزقة السوريين في معسكرات تطوق العاصمة الليبية، وتشرف عليها تركيا وقوات حكومة الدبيبة.
لكن اللافت للانتباه أن حركة الطائرات العسكرية التركية في الأجواء الليبية لم تنقطع ليبيا خلال الساعات الماضية، وبالتزامن مع المظاهرة المؤيدة لحكومة الوحدة، فقد تحدثت مصادر عسكرية غير رسمية بالإضافة إلى وسائل إعلام محلية عن رصد طائرات شحن عسكرية تركية، في ثلاث رحلات على الأقل إلى قاعدة مستمرة صوب الوطية ومطار مصراتة في غرب البلاد.
في السابق، حين تظاهر سكان العاصمة ضد الميلشيات، كان الرد يأتيهم دائماً بالرصاص الحى، فالمليشيات المسلحة لم تتوانى عن إطلاق النار على متظاهرين كانوا يطالبون بخروجها من المدينة وتشكيل جيش وشرطة، ورفعوا شعار مثل “ملينا ملينا نبو المشير يجينا”، في إشارة المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني.
ونتيجة لتقاتل المليشيات فيما بينها تعيش العاصمة طرابلس وضعاً أمنياً غير مستقر تحاصره الشكوك، خاصة بعدما لاحظت منظمة العفو الدولية في تقرير خلال شهر فبراير/شباط الماضى، أن سلطات طرابلس قامت بترقية وإضفاء الشرعية على قادة الميليشيات المسؤولة عن الأعمال المروعة، بدلاً من ضمان إجراء المساءلة، وتقديم التعويض.
وعلى سبيل المثال، فقد تم تعيين الغني الكيكلي، والمعروف أيضاً باسم غنيوة، زعيم ميليشيا قوة الأمن المركزي أبو سليم، رئيساً لجهاز دعم الاستقرار، حيث وفرت حكومة الوفاق الشرعية والرواتب لهذه الميليشيات عبر دمجها في وزارة الداخلية.
غنيوة الذى يعتبر أبرز قادة الميليشيات التي ارتكبت العديد من الانتهاكات المتعلقة بحقوق الإنسان، من مقرها فى حي أبو سليم أحد أشد الأحياء اكتظاظًاً بالسكان بالعاصمة الليبية طرابلس منذ 2011، بات يتمتع بسلطات واسعة النطاق وصفتها المنظمة بالغامضة، على اعتبار أن دوره سيشمل المتهمين في قضايا الأمن القومي.
