بقلم محمود الريماوي

“هناك عشر قواعد عسكرية تشغلها، بشكل جزئي أو كلي، قوات أجنبية، إضافة إلى عشرين ألف جندي ومرتزق أجنبي في بلادكم”. البلاد المقصودة هي ليبيا، والمتحدثة هي المبعوثة الأممية بالإنابة، ستيفاني وليامز. والمناسبة هي الاجتماع الثاني بتقنية الاتصال المرئي من الجولة الرابعة لملتقى الحوار الليبي في تونس قبل أيام.

ولا ريب أن كثرة من المشاركين الليبيين في الحوار، شأنهم شأن المتابعين في الخارج، يدركون أن النزاع الذي أثاره الجنرال خليفة حفتر للاستيلاء على السلطة قد أدّى إلى تموضع قوات أجنبية مناصرة للجنرال، من جنودٍ ومرتزقة، وأنه كان من المتوقع إقامة قواعد عسكرية في المناطق التي يسيطر عليها حفتر، ولاحقا في المناطق التي تسيطر عليها حكومة الوفاق المعترف بها دوليا.

غير أن كثيرين لن يخطر ببالهم أن يصل عدد القواعد العسكرية إلى عشر قواعد بهذه السرعة النسبية، وفي بلادٍ ليست مترامية الأطراف، غير أن الأمر يغدو أقل غموضا مع استذكار أن ليبيا كانت تتمتع بوجود نحو 12 قاعدة عسكرية على أراضيها (منها القاعدة الشهيرة الوطية في وسط البلاد التي استعادتها قوات الوفاق في يونيو الماضي)، وأن قوات أجنبية قد تموضعت في أغلب هذه القواعد، فيما تم، كما يبدو، وعلى عجل، إنشاء قواعد عسكرية جديدة.

والراجح أن تقديرات المبعوثة الأممية ليست ارتجالية أو ظنّية، إذ إن للمنظمة الدولية القدرة على الرصد والمتابعة والتقصّي هنا وهناك بأقل العوائق أمام ممثليها. ولم يغِب المبعوثون الأمميون عن هذا البلد، حتى قبل إسقاط نظام القذافي، وكان المبعوث الأول وزير الخارجية الأردني الأسبق، عبد الإله الخطيب، الذي أرسل في مهمة عاجلة، سعياً وراء حقن الدماء، في إبريل 2011، وقد مكث أربعة شهور فقط.

أما المبعوثة الحالية، ستيفاني وليامز، فهي السابعة من الأمم المتحدة إلى بلد عمر المختار. وجرى تعيينها من الأمين العام في مارس من هذا العام، بعد استقالة المبعوث، غسّان سلامة. وسبق لهذه الدبلوماسية الأميركية أن عملت قائماً بالأعمال بالإنابة في سفارة بلادها في طرابلس خلال العام 2018.

لقد أقيمت قواعد مفترضة، وتم الاستيلاء على قواعد قائمة، في ظروف النزاع الداخلي، وفي غياب استقرار الدولة وتبلور شرعيتها، وقبل استنهاض كامل مؤسساتها الدستورية، ونشأت في خضم المواجهات العسكرية أو التحضير لها أو التهديد بها، ومع التحشيدات والتزويد بالسلاح، بمختلف أنواعه، على الرغم من الحظر الأممي على توريد السلاح إلى ليبيا.

وما دامت تقديرات المبعوثة الأممية تتحدّث عن عشرين ألف جندي ومرتزق أجنبي، فمن الطبيعي أن تكون القواعد العسكرية المومأ إليها مراكز إيواء وتدريب لهذه القوى الأجنبية، سواء أكانت قواعد مستحدثة أم قديمة ووضعت اليد عليها قوى أجنبية.

ومن المستبعد أن تتناول جولات الحوار في تونس والمغرب ودول أخرى ملف القواعد العسكرية الأجنبية بصورة تفصيلية، بصورة عامة، وذلك نظراً إلى حساسية هذا الموضوع، ولطابعه العسكري التقني، ولتفادي أية عرقلة أو تهديدات قد تصدر عن تلك القواعد، وعن الدول التي تقوم بتشغيلها.

ومن المهم في جولات الحوار، وفي أفق حلٍّ وطنيٍّ متوافقٍ عليه، اتخاذ موقف مشترك بين المتحاورين، يعهد لحكومة شرعية توافقية بتقرير مصير القواعد التي أقيمت أو تم إشغالها منذ العام 2011، بما يتماشى مع اعتبارات السيادة والأمن الوطني.

ومعلومٌ أن الجنرال خليفة حفتر قد فتح الباب واسعا أمام استقدام قوات أجنبية من الشرق والغرب، لتعزيز حظوظه السياسية وفرصه العسكرية في القفز إلى الحكم، مستلهماً في ذلك التجربة الدموية لنظام دمشق في استقدام قوات إيرانية وروسية، علاوة على عشرات المليشيات الطائفية من لبنان والعراق وباكستان وأفغانستان وغيرها، وذلك لتثبيته في الحكم.

وقد بدا حفتر، على الرغم من عجزه عن الاستيلاء على العاصمة، ومستقويا بالقوات الأجنبية، في موقع المهيمن المقتدر، رافضاً الحلول السياسية، متنكّرا للاتفاقيات، ومزدريا الجهود الإقليمية والدولية لحل النزاع، بما في ذلك جهود الأمم المتحدة. 

وأمام الاختلال الذي بدا فادحا في موازين القوى في ليبيا في أواخر العام الماضي (2019)، ومع بروز خطر إسقاط العاصمة طرابلس، وتعرّض أحيائها للقصف شبه اليومي، فقد لجأت حكومة الوفاق الشرعية، لأول مرة في مجرى النزاع، إلى توقيع اتفاقية أمنية مع تركيا، من أجل سد النقص في المعدّات، وللتغلب على سيطرة قوات حفتر على الأجواء.

ولولا هذا الدعم، لسادت أجواء انقلاب عسكري، ولأقيم مُجددا حكمٌ فردي غير مدني، ولما تم شق الطريق نحو الحوارات السياسية، ولما نشطت المباحثات بين الأطراف الليبية كافة، ولما تنامى الإدراك بأن استمرار النزاع والتنازع يمثل مصلحة خالصة لأطراف خارجية، لا لليبيين الذين يدفعون أثمانا باهظة من أرواحهم وثرواتهم ومقدّرات بلادهم.

وبطبيعة الحال، فإن حكومة شرعية توافقية سوف تنظر في الوجود الأجنبي في البلاد، بما فيه الوجود التركي، إلى جانب الوجود الروسي والفرنسي وسواهما، بما تمليه مقتضيات السيادة والمصلحة الوطنية العليا.

وإلى أن يحين ذلك، من المهم، في هذه المرحلة، عدم الاستقواء بأية صورة بالقواعد العسكرية التي يشغلها أجانب، واعتبار هذا الوجود مؤقتا وبرسم المغادرة، أو على الأقل قيد المراجعة.

وذلك حتى لا تتحوّل هذه المراكز العسكرية إلى بؤر للتفجير، أو مصدر للتوتير أو حقول ألغام في المرحلة التمهيدية هذه، وما يتلوها من مرحلة انتقالية تضع حدّا للنزاع، وتفتح الأبواب أمام توحيد المؤسسات، وإعلاء شأن القانون والوحدة الوطنية، والاندفاع إلى معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وتأمين الخدمات الأساسية من وقود ومياه وكهرباء ودواء، وضمان عودة النازحين من جميع المناطق إلى مساكنهم.

والأهم من كل ما تقدّم قطع الطريق على أية محاولة لتجديد النزاع، وضمان احترام وقف إطلاق نار شامل وكامل، وتجريم من يعمل على خرقه، ومنح الليبيين فرصة التمتع بسلامٍ حُرموا منه طيلة العقد الأخير.

****************

القواعد العسكرية الأجنبية في ليبيا بين الإشاعات والواقع

ثراء البلاد بالنفط وموارد الطاقة جعل منها ميداناً للتدخلات الدولية رغم المخاطر

بقلم زياد عقل

مسألة القواعد العسكرية الأجنبية في ليبيا في الواقع أمر شديد التعقيد، ويصعب على الباحث الموضوعي غير الموجود في أرض الميدان بالداخل الليبي أن يصل إلى استنتاجات نهائية بشأنها.

على مر السنوات الماضية، بخاصة منذ بدء حالة الانقسام السياسي بين الشرق والغرب في 2014، طالت اتهامات إنشاء قواعد عسكرية على الأراضي الليبية، التي تفتقد ما يكفي من سلطة مركزية جراء الصراع العديد من الدول. على رأس ما وجهت إليها أصابع الاتهام كونها تدعم طرفاً ليبياً ضد الآخر كل من مصر، والإمارات من العالم العربي.

كما ظهرت تقارير تشير إلى وجود عسكري منظم من قبل فرنسا وإيطاليا، وهي القوى الأوروبية الأكثر انغماساً في الشأن الليبي خلال السنوات الأخيرة. وبالطبع تم توجيه الاتهامات لكل من الولايات المتحدة وروسيا كونهما القوى العظمى في المشهد للسعي لإنشاء قواعد عسكرية في الداخل الليبي، مستغلين موقع ليبيا الاستراتيجي في العالم العربي وشمال أفريقيا.

وأخيراً، دخلت تركيا كإحدى الدول الساعية لاستغلال الأراضي الليبية عسكرياً من خلال دعم طرف على حساب الآخر، وهو ما تفعله دون إنكار أو تبرير مع المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق في الغرب الليبي بقيادة فايز السراج.

وبعد الكثير من الأخبار والتقارير عن القواعد العسكرية، وصعوبة العثور على دلائل موضوعية تشير لممارسة طرف أجنبي نفوذاً عسكرياً مؤسسياً على الأراضي الليبية، باتت مسألة القواعد العسكرية الأجنبية في ليبيا فاقدة للمصداقية، وإثبات وجودها من عدمه يحتاج إلى الكثير من التفنيد والمقارنة بين التقارير غير الرسمية الصادرة من ناحية، وبين التطوارات الميدانية في مشهد الصراع من ناحية أخرى.

مصر

المسألة الليبية بالنسبة لمصر تختلف كثيراً عن العديد من الدول، بخاصة فيما يتعلق بالشق العسكري. ففي النهاية هناك علاقة حدودية بينهما تمتد لآلاف الكيلومترات، إذاً هناك بعد جيواستراتيجي، وبعد أمني، هذا بخلاف الأبعاد السياسية التي تتسم بسرعة التحول في الداخل الليبي.

من هذا المنطلق، لم يكن من الممكن أن تهمل مصر الملف الليبي، على الرغم من عدم الاستقرار السياسي الذي مرت به في الفترة من 2011 وحتى 2014، لم يكن غائباً عن قائمة أولويات الأمن القومي لدى الدولة المصرية. وكان من الضروري أن يكون لمصر حلفاء في الداخل الليبي قادرون على توفير الحد الأدنى من أمن الحدود الذي تحتاجه البلاد، وهو دور نجح في القيام به خليفة حفتر منذ بدء “عملية الكرامة” في 2014، حتى تحولت العملية إلى الجيش الوطني الليبي، وأضفى عليها مجلس النواب بطبرق شرعية.

طال مصر الكثير من الاتهامات بأنها حريصة على الوجود العسكري في الداخل الليبي من خلال إنشاء قواعد عسكرية لها في الشرق الليبي، بخاصة المناطق المتاخمة لمدينة بنغازي. الأمر الذي نفته سلطات الأخيرة على لسان المتحدث العسكري للجيش الوطني الليبي. وأدانته مصر على لسان وزير الخارجية المصري، الذي أعلن عدم وجود عسكري مصري بالداخل الليبي بأي شكل من الأشكال، وتردد الحديث على سبيل الاتهامات الموجهة إلى مصر ودورها في إعلاء طرف على الآخر من خلال المساندة العسكرية. كما أنه من غير الممكن عملياً إثبات وجود لقواعد عسكرية مصرية في الشرق الليبي، وتظل هذه القضية محض إشاعات تم إنكارها وتكذيبها من قبل كل من مصر وليبيا.

لكن الجدير بالذكر، أن مصر قامت بإنشاء وافتتاح عدد من قواعدها العسكرية الجديدة في المنطقة الغربية المتاخمة للحدود الليبية، أكثر من قاعدة عسكرية افتتحها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وتفقد إمكاناتها خلال السنتين الأخيرتين، وهي القواعد التي أثارت الشك على المستوى الدولي بخصوص الهدف من إقامتها.

وتحدث الكثير من وسائل الإعلام أن مصر تنتوي استخدام هذه القواعد لخدمة حليفها الرئيس في الداخل الليبي المشير خليفة حفتر وقواته العسكرية تحت أي مسمى. ولعل البداية كانت بقاعدة محمد نجيب العسكرية التي تم افتتاحها في صيف 2017 في مدينة الحمام بمحافظة مرسي مطروح (شمال غربي البلاد)، وكان الهدف المعلن منها حماية مشروع مفاعل الضبعة النووي وحماية الحدود المصرية في الجهة الغربية، وهو ما يعني الحدود مع ليبيا.

نالت مصر آنذاك العديد من الاتهامات من قِبل وسائل الإعلام الدولية، التي ارتأت أن هذه القاعدة نوع من إعداد الجيش المصري للتدخل في ليبيا، وهو ما نفته مصر بعدم رغبتها في التدخل المباشر بشؤون دول الجوار، وإيمانها بأن يكون الحل السياسي نابعاً من الداخل الليبي، أو حل “ليبي- ليبي” كما أكد الرئيس المصري خلال اجتماعاته مع خليفة حفتر وعقيلة صالح في سياق الإعلان عن المبادرة المصرية أو إعلان القاهرة.

وجاء بعد ذلك افتتاح قاعدة “جرجوب” العسكرية على الحدود المصرية الغربية مع ليبيا، وهي قاعدة جاءت ضمن استراتيجية تضمنت قواعد شرق بورسعيد وفي الجنوب أيضاً، وهو ما يشير إلى أن هناك رؤية مصرية لإنشاء عدد من القواعد العسكرية على حدودها التي تشهد توترات أو عدم استقرار سياسي، في الشرق والغرب والجنوب. وبالتالي هي قواعد لم تنشئ بغرض التدخل في الشأن الليبي، ولكنها قواعد تتسق مع رؤية شاملة للدولة المصرية، فيما يتعلق بإعادة التمركز العسكري للقوات المسلحة المصرية في المناطق الحدودية.

مصر لن تتخلص من اتهامات التقارير الدولية التي تدينها بالتدخل عسكرياً في الشأن الليبي، ولكن واقع الأمر يقول إن مصر لا تحتاج إلى قواعد عسكرية في الداخل الليبي، هي فقط تحتاج إلى الحد الأدنى من أمن الحدود من قبل الطرف الليبي، وضرورة استيعاب أنها لا تتعامل مع هذا الملف وفقاً للتطورات السياسية، حيث إنه سيظل جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الدفاع عن الأمن القومي المصري ككل.

الإمارات

لا يختلف موقف دولة الإمارات كثيراً عن الموقف المصري، فيما يتعلق بدعم الأطراف المتصارعة في ليبيا. الإمارات أظهرت دعمها أكثر من مرة للمشير خليفة حفتر وقوات الجيش الوطني الليبي، كما أنها متضامنة مع المؤسسات السياسية في الشرق الليبي، وعلى رأسها مجلس النواب.

وتعددت التقارير الدولية التي أدانت الإمارات بتدخلها عسكرياً في المشهد الليبي، بدءاً من إمداد قوات خليفة حفتر بالأسلحة، وانتهاء بدخول طائرات إماراتية المجال الجوي الليبي لتنفيذ عدد من هجمات القصف الجوي. وفي النهاية، بات هناك الكثير من الإشاعات عن قواعد عسكرية إماراتية في ليبيا.

دار الكثير من الجدل حول استخدام دولة الإمارات لقاعدة “الخادم” الجوية في مدينة المرج في الشرق الليبي، كنقطة انطلاق لتنفيذ عمليات عسكرية، وهو ما نفته مراراً وتكراراً. ولكن هناك الكثير من الدلائل في وسائل الاعلام المختلفة التي تشير إلى أن الطيران الإماراتي تدخل بشكل مباشر في ليبيا. ومن غير الممكن تأكيد أو نفي هذه التقارير، ولكن في النهاية الإمارات تنظر إلى حفتر على أنه حليفها الرئيس في ليبيا، وليس بالمستبعد أن تدعمه عسكرياً، خصوصاً في ظل الظروف الأخيرة وانقلاب موازين القوى العسكرية بعد التدخلات التركية.

فرنسا

فرنسا لها العديد من المصالح في الداخل الليبي، ويأتي على رأسها استثمارات تقدر بمليارات الدولارات من قبل شركة توتال في قطاع النفط في ليبيا. بالإضافة إلى الموقف الفرنسي المعادي للتنظيمات الراديكالية، ولظاهرة الهجرة غير الشرعية، وهو ما دفع فرنسا في 2014 لإنشاء قاعدة عسكرية شمال النيجر قرب الحدود مع جنوب ليبيا.

ومما لا شك فيه أن هناك اهتماماً فرنسياً بالوجود في ليبيا نظراً لكل المصالح التي ذكرناها سابقاً، ولكن يتم بشكل استخباراتي، من خلال تدخلات عسكرية غير معلنة، وهو ما كان واضحاً خلال الحرب ضد تنظيم داعش في ليبيا خلال السنوات الأخيرة. والمعطيات تشير إلى أنه إن لم تكن هناك قاعدة عسكرية فرنسية داخل الأراضي الليبية، لكن هناك استخدام لعدد من القواعد العسكرية الفرنسية في أفريقيا للتدخل بأشكال متنوعة في الملف الليبي.

الولايات المتحدة

هناك تاريخ طويل للقواعد العسكرية الأميركية في العالم العربي، وهو أمر لا يقتصر على العالم العربي فقط، ولكنه نمط في السياسة الخارجية الأميركية لبسط النفوذ والوجود الدولي في ملفات متعددة، وهو ما يعد القلب الصلب للسياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ منتصف القرن العشرين، للربط بين الهيمنة السياسية والتفوق العسكري.

ولكن الولايات المتحدة، على الرغم من تدخلها العسكري في ليبيا أكثر من مرة، آخرها كان الدعم الجوي، الذي وفرته لقوات البنيان المرصوص في معركة سرت مع تنظيم داعش الذي كان يسيطر على المدينة، وهو ما أعطى الكثير من الرصيد لقوات البنيان المرصوص، فاعترفت بها الدولة من خلال المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق، وتحولت اليوم إلى نواة مؤسسة لعملية بركان الغضب، فإنها لم تلجأ إلى إنشاء قواعد عسكرية بالداخل الليبي.

هناك الكثير من التفسير السياسي لهذا الموقف، بخاصة في ظل إدارة ترمب ونواياها تجاه تكلفة الوجود الأميركي في دول أجنبية. طلبت حكومة الوفاق في فبراير 2020 من الولايات المتحدة أن توجد عسكرياً من خلال قواعد في الأراضي الليبية بالمنطقة الغربية، وكان فايز السراج صريحاً في هذا الطلب، قائلاً، إن لديه الاستعداد لتقليص كل العقبات أمام الوجود العسكري الأميركي في ليبيا. وكان بالطبع الهدف هو توفير دعم سياسي وعسكري لحكومة الوفاق في توقيت كان التفوق العسكري لقوات الجيش الوطني الليبي واضحاً، إلى أن قررت تركيا التدخل المباشر وتغيير الموازين العسكرية في المشهد لصالح حكومة الوفاق.

تركيا

النمط الذي تتبعه تركيا في دورها في ليبيا يعد مختلفاً عن كل الدول الأخرى، حيث إنها تقر بمنتهى الصراحة أن لها حقاً شرعياً في بناء قواعد عسكرية في ليبيا، وفقاً للاتفاقية التي وقّعتها مع حكومة الوفاق الوطني في ديسمبر 2019، التي نصت على التعاون الأمني بين الطرفين.

تضع تركيا نصب أعينها قاعدة الوطية الجوية، وقاعدة مصراتة البحرية، هذا بالطبع بعد الكثير من التعديلات في البنية الأساسية، ورفع قدرات هذه القواعد، خصوصاً أن قاعدة مصراتة سوف تقوم تركيا بإنشائها من الصفر تقريباً. والاستثمار في القواعد العسكرية، بخاصة في توقيت مثل الذي تمر تركيا خلاله بأزمة مالية طاحنة وعجز موازنة يتخطى الـ200 مليار ليرة (نحو 2.92 مليار دولار أميركي)، يدل على أن هناك نية لدى تركيا للوجود العسكري في ليبيا لفترة طويلة من الوقت.

المسألة ليست مجرد رد فعل لأوضاع سياسية في العالم “الإسلامي” كما تقول تركيا، ولكنها رؤية استراتيجية لاستخدام الوجود العسكري التركي في شمال أفريقيا سياسياً، بالإضافة إلى تأمين عدد من الاستثمارات في قطاع النفط الخام، والتنقيب عن الغاز الطبيعي في البحر المتوسط من خلال المياه الإقليمية الليبية.

ملاحظات ختامية

الوجود العسكري الأجنبي إحدى الظواهر الشائعة في البلدان التي تشهد حالة ممتدة من الصراع الداخلي، بخاصة إذا كان هذه الصراع مسلحاً، وكانت هذه الدولة تمتلك موارد حساسة ومهمة، وهو ما ينطبق على الوضع في ليبيا. مصر لن تتوقف عن الخوض في الشأن الليبي، ولكن دون الحاجة لإنشاء قواعد عسكرية في الداخل الليبي، ولعل الخطاب الأخير الذي ألقاه الرئيس المصري وتحدث فيه عن ليبيا من المنطقة العسكرية الغربية على الحدود الليبية كان خير دليل أن بلاده ليست بحاجة إلى إنشاء قواعد عسكرية في ليبيا. ولكن يظل العديد من الدول مهتم بالشأن الليبي وعلى استعداد أن يتدخل عسكرياً إذا احتاج الأمر ذلك، وعلى رأسهم فرنسا والإمارات.

الجدير بالذكر أن هذه التدخلات لن تكون بشكل مستمر، وهو ما يستلزم قواعد عسكرية، بل في الأغلب ستكون على شاكلة قصف جوي من قواعد عسكرية خارج ليبيا.

من المهم إدراك أنه في الوقت الحالي، باتت تكلفة إقامة قواعد عسكرية في ليبيا مرتفعة للغاية، سواء على الصعيد المادي أو السياسي أو الإنساني. فاستمرار حالة عدم الاستقرار السياسي، والتغير المستمر في الواقع الميداني عسكرياً، لا يسمحان باستثمارات طويلة الأجل في ليبيا. ولكن تركيا اتخذت قراراً بعدم الاهتمام بالأخطار الاستراتيجية المحتملة، واستمرت في نهج الوجود العسكري في ليبيا. وهو ما يعني أن هناك الكثير من المكاسب التي تتوقعها من تدخلها في الشأن الليبي، ما يشير إلى أن خروج تركيا من المشهد غير ممكن في الوقت الراهن.


مواد ذات علاقة