بقلم د. علاء عبد الحفيظ
الديموقراطية هي مجموعة من القواعد التي تحكم العملية السياسية بحيث تحقق قدراً أكبر من المشاركة في السلطة والثروة: رأسياً (بين
.الحاكم والمحكومين) وأفقياً (بين القوى والجماعات السياسية)
.
الجزء الخامس
2- طبيعة التوازن بين المؤسسات السياسية الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية:
لم ينشئ الدستور الأمريكي فصلاً بين السلطات، وإنما أنشأ مؤسسات منفصلة تتقاسم السلطات، فالعلاقة بين المؤسسات الفيدرالية الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، تقوم على التوازن والرقابة المتبادلة، أي تمكين كل من هذه المؤسسات من صلاحيات بعينها في مجالها، ثم إعطاء المؤسستين الأخريين ما يجعل كلاً منهما قادرة على ردع الأولى، إذا ما توسعت في تلك الصلاحيات أو سعت للانفراد بصنع القرار.
فعلى سبيل المثال، فإن سلطة التشريع من اختصاص الكونجرس، ولكن الدستور أعطى الرئيس الحق في أن يقترح على الكونجرس مشروع قانون إذا ما وجد في ذلك ضرورة وأولوية.
وللرئيس أيضاً أن يستخدم حق الفيتو ضد مشروعات القوانين التي تصدرها المؤسسة التشريعية، والتي تحتاج إلى توقيع الرئيس. ولكن يجوز للكونجرس أن يلغي فيتو الرئيس إذا ما صوت ثلثا أعضاء كل من المجلسين على ذلك، وعندئذ يصبح القانون سارياً دون توقيع الرئيس.
أما إذا امتنع الرئيس عن التوقيع في غضون عشرة أيام من وصول المشروع له رسمياً، يصبح القانون نافذاً دون توقيعه، كما هو الحال في مشروع قانون القدس، باستثناء واحد هو حالة فض الدورة.
ففي هذه الحالة، إذا لم يوقع الرئيس يصبح القانون لاغياً، وهو ما يُعرف بفيتو الجيب Pocket Veto وللرئيس أيضاً أن يصدر قرارات تنفيذية لها قوة القانون، وهي التي جرت العادة أن تكون ذات طابع إجرائي لتنظيم العمل في إحدى هيئات الجهاز التنفيذي، إلا أن بعض الرؤساء قد توسعوا في استخدامها لتشمل قضايا تقع في اختصاص الكونجرس، مما جعل هذه القرارات موضع صراع دائم بين المؤسستين وصل في بعض الأحيان للمحاكم للبت في الأمر.
وبينما وضع الدستور السلطة التنفيذية في يد الرئيس، إلا أنه أعطى لكل من المؤسستين التشريعية والقضائية من الصلاحيات ما يمكنها من ردع الرئاسة عند اللزوم.
ولعل أهم ما يمتلكه الكونجرس على الإطلاق هو ما يُسمى بنفوذ المحفظة The Power of the Purse ، إذ لا يمكن للرئيس إنفاق دولار واحد دون موافقة الكونجرس، ومن ثم للرئيس أن يُعد السياسة العامة للدولة ولكنه لا يملك تنفيذها دون موافقة الكونجرس الذي يوفر التمويل اللازم لها.
وللرئيس أن يعين رموز إدارته وقضاة المحكمة العليا والمحكمة الفيدرالية في المستويات الأدنى، إلا أن أياً من هؤلاء لا يتسلم مهام منصبه إلا بعد تصديق مجلس الشيوخ.
وللرئيس أن يعقد المعاهدات ولكن على مجلس الشيوخ أيضاً التصديق عليها. ويمكن للكونجرس من خلال هذه الصلاحيات أن يتسبب في شل الجهاز التنفيذي وتعويق قدرة الرئيس على أداء مهامه.
أما المؤسسة القضائية، فصحيح أن الرئيس هو الذي يعين قضاة المحكمة العليا، إلا أن القاضي بمجرد تعيينه يتولى منصبه مدى الحياة ولا يمكن للرئيس عزله.
وصحيح أن مجلس الشيوخ وحده هو الذي يصدق على تعيين القضاة وهو الذي يعزلهم ،إلا أن القضاة يمكنهم الحكم بعدم دستورية القوانين التي يصدرها الكونجرس.
وفي هذه الحالة يمكن للكونجرس، إذا أراد، أن يعدل الدستور وهي عملية بالغة الصعوبة، حيث تتطلب موافقة ثلثي أعضاء كل مجلس، ثم ثلاثة أرباع الولايات الخمسين على التعديل.
3- طبيعة النظام الحزبي في الولايات المتحدة الأمريكية
لا يوجد في الدستور الأمريكي كلمة واحدة بخصوص الأحزاب السياسية، فهو لم ينص على وجودها ولم ينظم عملها، ومع ذلك نشأت الأحزاب الأمريكية منذ فترة مبكرة من عمر الدولة الأمريكية.
فالحزب في الولايات المتحدة هو بالأساس عبارة عن كيان مصمم خصيصاً بغرض الفوز في الانتخابات، دون أن يعني ذلك أن لهذا الحزب أجندة سياسية ثابتة وواضحة المعالم تعبر بالضرورة عن كل من ينتمون إليه ويفوز بموجبها الحزب بأصوات الناخبين، وهو في ذلك يختلف عن الأحزاب الأوروبية التي تقدم إيديولوجية واضحة أو توجهات متماسكة، ثم تفوز على أساسها في الانتخابات.
لذلك فإن البرنامج العام للحزب الأمريكي والذي يصدره الحزب كل أربعة أعوام لا يتحول بالضرورة إلى برنامج عمل سياسي عند فوز رموز الحزب سواء بالرئاسة أم بالكونجرس أم حتى بالاثنين معاً.
ولا يقوم الانتماء الحزبي لدى المواطنين في الولايات المتحدة على عضوية مسجلة أو دفع رسوم سنوية أو حضور اجتماعات دورية. والحزب السياسي في الولايات المتحدة لا يقوم على تسلسل واضح يخضع لقيادة مركزية مثلاً يتم من خلالها تصعيد الكوادر المختلفة عبر أروقة الحزب ومستوياته التنظيمية.
ولأي مواطن أن يرشح نفسه رافعاً شعار أحد الحزبين، دون استشارة الحزب بالضرورة، ثم يخوض المعركة الانتخابية بأموال يجمعها بنفسه وبشكل مستقل عن الحزب، ثم يتوقف حصوله على ترشيح الحزب على نسبة أصوات الناخبين التي يحصل عليها في أصوات شعبية، أي دون أن يعني ذلك مساندة تنظيمية من ذلك الحزب.
بعبارة أخرى، فإن المرشح الذي يخوض المعركة الانتخابية لاحقاً باسم الحزب ضد الحزب المنافس إنما يفوز بالترشيح، دون أن يعني ذلك أي تأييد من ذلك الحزب، وهو التأييد الذي يأتي بعد فوزه بالترشيح لا قبله.
وحين يفوز هذا المرشح بالمنصب، فإنه لا يوجد ما يلزمه بمواقف حزبه. ومن ثم فإن من الطبيعي تماماً أن نجد عضواً في الكونجرس يصوت بانتظام ضد الأغلبية في حزبه، ومع ذلك يعود لدائرته الانتخابية، ويعيد ترشيح نفسه لفترة تالية باسم نفس الحزب فيفوز مرة أخرى.
والحزب في الولايات المتحدة هو عبارة عن ائتلاف واسع يتسم بالسيولة، ويضم في داخله قوى وتيارات عدة. هذه القوى والتيارات لا تتفق بالضرورة على مواقف موحدة إزاء كل القضايا العامة، إذ توجد فيما بينها تباينات كثيرة تتسع في بعض الأحيان لتضم طرفي النقيض.
بعبارة أخرى، فإن الحزب الأمريكي هو بمثابة مظلة واسعة تضم تحتها تيارات عدة لها مواقف متباينة بل ومتعارضة في بعض الأحيان، فلا توجد للحزب في الولايات المتحدة منظومة واحدة من المصالح القومية التي يدافع عنها ويسعى لتحقيقها، إذ أن فروع الحزب في الولايات المتحدة تحدد أولويات مختلفة على أساس المصالح المحلية وحسابات المكسب والخسارة في الولاية، ومن ثم فإن الخطوط العامة العريضة التي يعبر عنها الحزب تكون بمثابة توليفة من هذه المصالح مجتمعة، لا تنعكس كلها بالضرورة على المستوى الفيدرالي للحزب.
إن وجود حزبين كبيرين هما الحزب الجمهوري والحزب الديموقراطي لا يعني عدم وجود أحزاب أخرى، ولكن معناه أن هذين الحزبين وحدهما دون غيرهما هما اللذان يمتلكان فرصة موضوعية للفوز بالمناصب العامة.
4- جماعات المصالح ودورها في العملية السياسية
تتقدم الولايات المتحدة نظم العالم السياسية من حيث الحيوية التي تتمتع بها أنشطة جماعات المصالح وتعدديتها المذهلة، وهي تعددية تتناسب مع التعددية الكبيرة التي يتسم بها المجتمع الأمريكي إثنياً وجغرافياً وثقافياً ودينياً ..الخ، إلا أن الفترة منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين وحتى الآن شهدت تزايداً مطرداً في عدد جماعات المصالح نتج عن مجموعة من العوامل.
فقد أدى تشابك القضايا وتعقيدها في مجتمع ما بعد صناعي كالمجتمع الأمريكي إلى بروز مجموعة جديدة من القضايا صار هناك اهتمام بها لدى فئات بعينها من المواطنين.
فنشا نوع جديد من جماعات المصالح لم يكن معروفاً من قبل ، وهو ما يُسمى جماعات المواطن Lobby Group ويختلف هذا النوع عن غيره في أنه عبارة عن جماعات لا تسعى في الواقع إلى تمثيل مصلحة فئة بعينها، وإنما تسعى إلى حماية الصالح العام مثل جماعات المستهلكين أو تلك التي تسعى إلى وضع قيود على نفوذ جماعات المصالح التقليدية.
ومن ثم فإن هذه التنظيمات تكون صاحبة قضية، لا تقوم العضوية فيها على أساس وظيفي أو فئوي وإنما على أساس الإيمان بتلك القضية. فأهدافها لا تعود بنفع مباشر على أعضائها وحدهم وإنما على المجتمع ككل.
وقد وصل عدد هذه الجماعات إلى أكثر من 30 ألف منظمة أدى انتشارها السريع إلى زيادة عدد الفاعلين المهتمين بكل قضية من القضايا العامة، أي إلى فك احتكار جماعات المصالح التقليدية لممارسة النفوذ على صانع القرار.
وقد أدى كل ذلك إلى حدوث تعددية مذهلة في جماعات المصالح التي تسعى كلها للتأثير على صنع القرار عبر القنوات المختلفة، الأمر الذي يؤدي إلى إغراق صانع القرار بالمعلومات المتضاربة والمتناقضة أحياناً، وهو ما وصفه أحد الباحثين بأنه يؤدي إلى ما يشبه تصلب الشرايين أو ما صار يعرف بانسداد شرايين الديموقراطية لأن كلاً منها تسعى للحفاظ على مكتسباتها بغض النظر عن فاعليتها للمجتمع ككل.
وتتيح جماعات المصالح في الولايات المتحدة أساليب عدة للتأثير على صنع القرار وهي أساليب تحكمها مجموعة من القوانين وإن كانت هذه المنظمات قد برعت في استغلال ثغرات تلك القوانين والالتفاف حولها. ومن هذه الأساليب:
أ– تمويل الحملات الانتخابية
تنفق جماعات المصالح ببذخ على الحملات الانتخابية لكل المناصب الفيدرالية، الأمر الذي يفرز فيما بعد قرارات سياسية تستجيب لمصالح هؤلاء على حساب مصالح الجماهير غير المنظمة والتي لا تملك الأموال للدفاع عن رؤاها ومطالبها، إلا أن كل هذه الأموال وهذا النفوذ الذي تمارسه جماعات المصالح إنما يتم في واقع الأمر في إطار الشرعية، وهو في معظم الأحوال يحدث دون انتهاك للقوانين.
ب– الاتصال المباشر والمستمر
يعتبر الاتصال المباشر من أهم الأساليب التي تستخدمها جماعات المصالح، وأكثرها شيوعاً، وهو المعروف تقليدياً بالضغط Lobbying وحتى تقوم أية جماعة بهذا الدور، فإن عليها أن تختار ممثلاً لها يتم تسجيله رسمياً لدى مجلسي الكونجرس بهذه الصفة.
وفي بعض الأحيان تقوم بعض هذه التنظيمات بفتح مكاتب لها في واشنطن لتقوم بهذه المهمة، بينما تقوم جماعات أخرى بالتعاقد مع محام أو مكتب محاماة للقيام بهذا الدور لصالحها.
ج– العمل على مستوى القاعدة
تسعى جماعات المصالح إلى التأثير في الدائرة الانتخابية لعضو الكونجرس، والتي تقوم بالضغط على العضو الذي صار يستجيب لمثل هذه الضغوط أكثر مما يستجيب في حالة اتصال ممثلي جماعات المصالح المباشر به، فالعضو يفضل أن يستمع إلى ناخب واحد في دائرته عن الاستماع لعشرات من ممثلي اللوبي في واشنطن.
ولذلك تقوم جماعات المصالح بحملات تعبئة ضخمة داخل الدوائر تشرح فيها مواقفها وتسعى لاستمالة أكبر عدد ممكن من المواطنين، عبر توضيح أهمية هذا الموقف بالنسبة للكونجرس وتأثيره على حياتهم، ثم تطلب من هؤلاء الاتصال بممثل الدائرة في الكونجرس.
_____________
