بقلم شفيق شقير

تُقدِّم هذه الورقة ملخصًا لدراسة موسعة نُشرت في العدد الثاني من مجلة لباب، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، وتبحث في مستقبل تحولات الإسلام السياسي من خلال نموذج معرفي مقترح يراجع السمات الأساسية للأيديولوجيا الإسلامية، وما توفره من قوة ناعمة في علاقة الإسلاميين بالجمهور.

الجزء الأول

تصاعد الحديث عن نهاية عموم التيارات الإسلامية، لاسيما الإسلام السياسيمنها أو التيار الإسلامي الرئيسي كما قد يُسمَّى، أو يُشار إليه في الدراسةوذلك لأسباب عدة، أهمها البيئة السياسية الإقليمية والدولية خاصة في العقد الأخير أو ما يزيد قليلًا، حيث يمكن تمييز توجهين رئيسين في حقبتين زمنيتين حَكَمَا الموقف من التيارات الإسلامية وتركا أثرهما على الإسلاميين أنفسهم، وكذلك على الوجهة التي اتخذتها الدراسات والأبحاث في تناول عموم التيار الإسلامي.

التوجه الأول في الحقبة الأولى، وكان في ظل إدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، (2009 -2017)، وأصبح جزءًا مما سمي الأوبامية، حيث كان الحديث عن صعود الإسلاميين وأنهم المستقبل في المنطقة ما يحتِّم محاورتهم هو التوجه السائد,

الأمر الذي عكسه خطاب أوباما بالقاهرة، في 4 يونيو/حزيران 2009، وتعزز بعد أن انطلقت ثورات الربيع العربي عام 2011 ووصلت الذروة عام 2012، ليبدأ هذا التوجه بالتراجع نسبيًّا مع تراجع الربيع نفسه بالانقلاب على الرئيس المصري المنتخب، محمد مرسي، في 3 يوليو/تموز 2013.

أما التوجه الثاني فبدأ مع ما سُمِّي الثورة المضادة، وجله في الحقبة الثانية التي بدأت مع إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وشهدت تصعيدًا ضد الإسلاميين وما زالت، وهو ما يعكسه أول خطاب لترامب بعد تنصيبه رئيسًا، في 20 يناير/كانون الثاني 2017، وهي حقبة تشجع أي تحرك في المنطقة ضد الإسلاميين وكافة أطيافهم السياسية بما يصل إلى حد الاستئصال

وبسبب هذا التحول الأخير والتوجه الثاني، يغلب الحديث عن المستقبل القاتم لتيارات الإسلام السياسي، وأنها تتراجع على الأقل أو أنها تتفسَّخ أو مُقْبِلة على التفسخ.

وأصبح من الشائع تداول مرحلة ما بعد الإسلام السياسيإيذانًا بمرحلة جديدة لن يكون الإسلاميون فيها إسلاميين كالسابق، أو على الأقل بمعايير إسلامية أقل من ذي قبل بكثير، وهو ما تشهد له الأزمات التي تتعرض لها كل هذه التيارات.

لاشك أن هذه القراءة تستند إلى حقائق في الواقع السياسي الراهن وقد تجيب على عدد من الأسئلة المتعلقة بواقع ومستقبل الإسلاميين، ومن الطبيعي أن تأخذ السياق السياسي والتطورات الميدانية في إجابتها عن أسئلة المستقبل.

ولكن من الملاحظ تاريخيًّا أن الحركات الإسلامية بتأثير من الضغوط أو الاستهداف كانت تضعف أو تتحول في طريقة عملها أو في ترتيب أولوياتها لكنها لا تمت أو تندثر، فهي تعيد تجديد نفسها ولو بشروط أخرى لتبقى وتستمر بدفع من قواها الذاتية، حتى إنها تعود وتزدهر لدى أية محطة ديمقراطية تشهدها المنطقة، ومثال الربيع العربي ليس عنَّا ببعيد.

ولأن أية إجابة عن مستقبل الإسلاميين لن تكون كاملة إلا باستقصاء الإمكانات والخيارات التي تختزنها القوى الإسلامية، والتي تعود في جلها إلى الأيديولوجيا التي تعتنقها، فإن الدراسة تبحث في مستقبل تحولات الإسلام السياسي من خلال نموذج معرفي مقترح، يسمح بمراجعة السمات الأساسية التي تمتاز بها الأيديولوجيا الإسلامية، وما توفره من قوة ذاتية للإسلاميين أو قوة ناعمة في علاقتهم مع الجمهور، وتصلح لأن تكون مؤشرًا على اتجاه هذه التحولات في المستقبل

ويتركز موضوع الدراسة على التيار الرئيسي في الحركات الإسلامية، الذي من أهمه راهنًا على الأقل حركة الإخوان المسلمينومن يدور في فضائها أو يشبهها، الذي يقبل الديمقراطيةأو أهم مقتضياتها مثل الانتخابات البرلمانية وتداول السلطة والحكم المدنيوما إلى ذلك، لأنه امتداد لمسار اجتماعي وسياسي عميق الجذور، ولا يملك أيديولوجيا مغلقةبقدر التيارات الإسلامية الأخرى لاسيما الجهاديةوبعض السلفيةمنها

ورغم أن مناط البحث في الدراسة هو الجانب الأيديولوجي، وليس السياق التاريخي، فإنها تستصحب بعض هذا السياق بما يكفي لضبط مسارها، ولتوضيح اختلاف مسار التيار الإسلامي الرئيسي عمَّا سواه من بقية الجماعات، وذلك في ثلاث نقاط أساسية:

الأولى أن التيار الإسلامي الرئيسي، بغضِّ النظر عن الحكم عليه، هو جزء من المسار التاريخي الطبيعي للمنطقة التي كانت تحتكم للإسلام وتعود إليه سياسة واجتماعًا وثقافة وليس مؤامرةأو دخيلًا عليها أو على المجتمعات الإسلامية فيها، كما قد يصوره خصومه أو عموم الإعلام الغربي.

الثانيةأن الإسلام السياسي، جزء من ظاهرة عالمية أكبر للإحياء الديني، وانعكاس لعلاقة المسلمين بالإسلام، وموضع هذا الأخير من المجال العام وعلاقته بالدولة، وقد تعززت هذه الأسئلة بعد سقوط الخلافة الإسلامية.

وكذلك هو جزء من أجوبة المسلمين على تحدي الحداثة وما تمثله من قوى، وتحمله من قيم للمجتمع المسلم، وتعود تاريخيًّا جذور هذا التحدي إلى منتصف القرن التاسع عشر، إلى فترة التنظيمات العثمانية التي قامت على فكرة المماهاة مع التحديث، والتي أثارت اعتراضًا حول تراجع الشريعة التي هي أسلوب عيش المسلمينفي الدولة، ومن أشخاص هم جزء من آلية الدولة نفسها

الثالثةأن الحركات الإسلامية، تسعى منذ سقوط الخلافة الإسلامية إلى البحث في شرعية الحكم وحتى شرعية ممارسة السياسة، ولكن هي أيضًا وعلى عكس الأصولية البروتستانتية، ليست تعبيرات عن حقيقة مقدسة، ولا تنظر إليها الجماهير المسلمة على أنها بيوريتانيةطهرانية معادية للحداثة، وخاصة تيارات الإسلام السياسي، وإن كان هناك بعض الجماعات الإسلامية الهامشية، تتصرف أو تدعي أنها كذلك

ولإتمام صورة الأيديولوجيا الناعمة للتيار الإسلامي الرئيسي وتأثيراتها فيه وما تقدمه له، تتناول الدراسة أيضًا التيارات الأخرى، لاسيما الجهادية والسلفية، وذلك من باب المقابلة والمقارنة حيث يجب التمييز أحيانًا، ولتداخل تأثيراتها أحيانًا أخرى، حيث تعود جميعها لنص ديني واحد، وإن كانت مختلفة في فهمها له فضلًا عن ظروف وجذور نشأتها التاريخية.

أما فرضية البحث فتقوم بالأساس على الصلة الوثيقة بين الإرث الإسلامي العلمي والبناء الأيديولوجي للإسلاميين؛ ما يستدعي اعتماد المنهج الوصفي التفسيري لدراسة العلاقة الجدلية بينهما، وما يعني ذلك من شرح العلاقات بين الظواهر الاجتماعية والربط بين العوامل والعناصر المكونة لها، والوقوف على الأسباب الكامنة وراءها.

فضلًا عن تفكيك وإعادة تركيب هذه العلاقة، بغرض المقارنة وبيان أوجه الاختلاف والاتفاق، وصلة ذلك ببناء منظور قادر على تفسير أسباب القوة الناعمة لأيديولوجيا الإسلام السياسي، وهو ما ينطبق أيضًا وإن بتفاوت وببعض الاستثناءعلى بقية التيارات الإسلامية الأخرى.

***

شفيق شقير ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ـ باحث في مركز الجزيرة للدراسات.‏ يكتب عن لبنان والمشرق والإسلاميين وداعش والتيار الجهادي المهاجر.

__________

مواد ذات علاقة