بقلم آنا بورشفسكايا و كاثرين كليفلاند

تُعتبر منطقة الشرق الأوسط رابطة موسّعة للنفوذ الروسي، مما يشكل تحد للاستقرار الإقليمي والمصالح الأمريكية على حد سواء.
وفي ضوء ذلك، يصبح الفهم الدقيق لخفايا استراتيجيات موسكو، بما فيها التلاعب بالمعلومات، أمراً حيوياً.
الجزء الثاني
المشهد الإعلامي بالشرق الأوسط
نظرا إلى أنه يتم التكلم باللغة العربية في العديد من البلدان، يمكن للجهات الفاعلية الحكومية الوصول إلى جمهور متعاطف خارج حدودها الخاصة، ويمكن لمراكز الصحافة المستقلة أن تزدهر حيث تكون رقابة الدولة ضعيفة والخيارات المحلية القائمة محدودة، مما يوفر بدائل للأراء الرسمية.
ومع ذلك، أدّت التحديات التي يطرحها تمويل وسائل الإعلام المستقلة في المنطقة إلى بروز وسط يفضّل الأصوات ذات وجهات النظر الحاسمة والقدرة على حشد الدعم المالي. وفي الواقع، يتلقى العديد من مصادر الأ×بار المستقلة ظاهرياً دعماً غير مباشر من الجهات الفاعلة المرتبطة بالدولة. فضلا عن ذلك، حتى وسائل الاعلام التي لا تموّلها الحكومة في الشرق الأوسط تبدي في الغالب زاوية سياسية محددة.
وناهيك عن التوجه السياسي، تبرز القدرة الكبيرة على التغيير في جودة الإعلام في المنطقة. وقد صور صحافي في إحدى ورش العمل الاختلافات عن المعايير الغربية من خلال أدلة صورية، علماً أنه أقرّ من دون تردد استخدامه صوراً معدّلة من أجل إظهار “شرور تنظيم “الدولة الإسلامية” بصورة أفضل. وتثبت استقصاءات برامج دراسات وسائل الإعلام في البلدان العربية أن المواد الدراسية المتاحة ـ التي عالباً ما يتمّ نشرها في بريطانيا والولايات المتحدة ـ لا تعكس في أغلب الأحيان بدقة حقائق إعداد التقارير في الشرق الأوسط المليئة بالتحديات.
فضلا عن ذلك، يتعرض الصحفيون في الشرق الأوسط في حالات كثيرة للرقابة والاعتقال إذا لم يتم ممارسة الرقابة الذاتية على نحو حكيم. وهذه القيود المفروضة على الصحافة تجعل الحصول على معلومات تمّ التحقق منها بدقة والإسهام في الاعتماد بدلاً من ذلك على وسائل غير رسمية لإعداد التقارير أكثر صعوبة على الجمهور، بدأً بوسائل التواصل الاجتماعي ووصولاً إلى صحافة المواطن.
بالإضافة إلى ذلك، أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي ثورة في عدد قراء الأخبار في العالم العربي أكثر مما فعلت حتى في الولايات المتحدة. فوفقاً لاستطلاع أجرته “جامعة نورث ويسترن في قطر” موخرا، أفادت غالبية المستطلعين من كافة البلدان التي شملها الاستطلاع في عام 2017 (مصر والأردن ولبنان وقطر والسعودية وتونس والإمارات) عن استخدام مكثف للهواتف الذكية والتلفزيون من أجل الإطلاع على الأخبار.
ويعكس هذا الأمر تحوّلاً هائلا مقارنة بالعقد الماضي ـ ففي عام 2008، قال 52% من المستطلعين في الدول العربية خلال استطلاع أجرته مؤسسة “زغبي” إنهم لم يستخدموا الإنترنت مطلقا، في حين أفادت نسبة 8% فقط أنها استخدمت الإنترنت كمصدر رئيسي للأخبار الدولية. والأهم من ذلك، تتزايد الثقة في مصادر الأخبار في العالم العربي، بحيث تتحرك بالإتجاه المعاكس للنمط السائد في أوساط الجمهور الأمريكي.
وتوفر البيئة الإعلامية الحالية في الشرق الأوسط ـ حيث يمكن النفاذ بسرعة أكبر إلى الأخبار عبر الإنترنت إنما تكون عموماً موجهة من وسائل إعلام ممولة من الحكومة أو تخضع لإشرافها بشكل غير مباشر ـ فرصاً مفيدة لموسكو. وببساطة، تميل الحملة الدعائية للكرملين إلى تحقيق نجاح أكبر في بيئة تتلقى أساسا رسائله. وفي يومنا هذا، يوفر المشهد الإعلامي في الشرق الأوسط مثل هذه البيئة.
استراتيجية مواقع التواصل الإجتماعي
بالنظر إلى المشهد الإعلامي المشار إليه، من المتوقع أن تستفيد منصتا “روسيا اليوم العربية” و “سبوتنيك” على عدة أصعدة. فمع لجوء المشاهدين العرب بشكل متزايد إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة “فيسبوك“، للإطلاع على الأخبار، تثبت “روسيا اليوم العربية” أنها مؤهلة لنشر وسالتها من خلال القنوات الجديدة ـ موقعها الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الفيديو على غرار “يوتيوب“، إلى جانب “إعادة نشر” محتوى “روسيا اليوم” على مواقع أخرى. ومن خلال استخدام هذه القنوات، تركز “روسيا اليوم العربية” بشكل خاص على نشر دفق إعلامي شبه دائم من خلال مقالات وأشرطة فيديو ومحتوى تفاعلي.
وبالعودة إلى أواخر 2011 وأوائل 2012، عندما شهدت روسيا أكبر احتجاجات معادية للحكومة منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، أدركت القيادة أهمية الإنترنت. فخلال هذه الاحتجاجات، برزت المعارضة المنظمة من خلال شبكات اجتماعية عبر الانترنت، وظهر المدوّن المناهض للفساد أليكسي نافالني، كأحد أبرز منتقدي الكرملين. وفهم فالديمير بوتين أنه لكي يحفتظ بالنفوذ عليه أن يتحكم بالمجال السيبراني، وهو ما فعله ليس فقط من خلال زيادة الرقابة في الداخل، ولكن أيضا من خلال ملء مجال الإعلام في الخارج بشكل مكثف.
ويجدر بالذكر أن المحتوى الإلكتروني الصادر عن “روسيا اليوم العربية” هائل مقارنة بمواقع أخرى. فعلى “تويتر” مثلا، نشرت “روسيا اليوم العربية” 524 ألف تغريدة، في محتوى يتجاوز إلى حدّ كبير تغريدات كل من “الجزيرة” البالغة 229 ألفاً و “العربية” وعددها 164 ألفاً و “سي إن إن بالعربية” وعددها 138 ألفاً و “بي بي سي العربية” وعددها 111 ألفاً و “الحرة” وعددها 86 ألفاً في ديسمبر 2018.
وعلى “فيسبوك” تنشر “روسيا اليوم العربية” بمعدل يتخطى بنحو خمس مرات صفحات “الجزيرة” و “العربية” باللغة العربية على التوالي، مع 10 مواضيع إخبارية في الساعة تقريبا مقابل المعدل الثابت نسبيا للصفحتين الأخرتين المتمثل بمنشورين إخباريين في الساعة. وتتمكن الصفحات الثلاث من أن تحصد على نحو منتظم أكثر من ألف “تفاعل” على كل منشور إخباري ـ كما هو مبين في تصنيف “فيسبوك” ـ ويبدو أن محتوى الفيديو الصادر عن “روسيا اليوم العربية” يحظى بأعداد مشاهدة مماثلة لمحتوى فيديو “العربية” المنشورة في الوقت نفسه، رغم أنه أقل من المشاهدات المتعقبة لما تنشره “الجزيرة” على “فيسبوك“.
كما تنخرط صفحات “روسيا اليوم” و “سبوتنيك” مع الجمهور من خلال المنشورات الناشطة والمتنوعة. فعلى صفحة “روسيا اليوم العربية” على “فيسبوك” ـ مع 14.9 مليون متابع كما يُدّعى، محجماُ عدد معجمي “روسيا اليوم انجليزي” الذي لا يزال عاليا بشكل ملحوظ عند 5.4 ملايين ـ تكون المشاركات سريعة وتنتشر أيضاً في عدد من الصفحات ذات المواضيع المتنوعة، بما فيها “روسيا اليوم العربية ـ بلاي (فيديو)” و “روسيا اليوم العربية ـ المعرفة” و “روسيا اليوم ـ الرياضة“.
ويشير هذا التركيز على النشر الدائم والكثيف على وسائل التواصل الاجتماعي، مع قدر كبير من المحتوى المصمم خصيصا ليتم قراءته في سياق وسائل التواصل الاجتماعي، إلى أن “روسيا اليوم” تسعى إلى استهداف جمهور أصغر سناً مُلمِ على نحو متزايد بأمور التكنولوجيا.
إنها ديمغرافية حيوية في ظل الطفرة الشبابية في العالم العربي، وتشير إلى أن الكرملين يقوم باستثمار طويل المدى في الوصول إلى الجماهير الناطقة باللغة العربية.
…
البقية في الجزء التالي بدءً بـ (“روسيا اليوم” بالأرقام).
***
آنا بورشفسكايا ـ هي زميلة أقدم في معهد واشنطن، حيث تركز على سياسة روسيا تجاه الشرق الأوسط. وهي طالبة دكتوراه في “جامعة جورج ميسون“، وزميلة في “المؤسسة الأوروبية للديمقراطية“. ويتم نشر تحليلاتها على نطاق واسع في “فورين أفيرز“، “ذي هيل“، “ذي نيو كريتوريون“، “ذي ميدل إيست كوورترلي“، و “فوربز“. وهي مؤلفة دراسة المعهد لعام 2016، “روسيا في الشرق الأوسط“.
كاثرين كليفلاند ـ هي زميلة أقدم في معهد واشنطن ومحررة “منتدى فكرة“. وقد حصلت مؤخراً على درجة الماجستير في “دراسات الشرق الأوسط” من “جامعة شيكاغو“.
____________
