اعداد : د. محمد عبدالحفيظ الشيخ
مع التسليم بأهمية وأولوية البعد الإنساني في منطق التدخل الدولي في ليبيا لحماية المدنيين، سوى أن ذلك التدخل وفق الكثير من المراقبين تجاوز روح القرار الأممي عندما منح نفسه إرادة إسقاط القذافي.
الجزء الثالث
المحور الثاني: الأبعاد الإنسانية للتدخل الدولي في ليبيا
بعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية في السابع عشر من شباط ـ فبراير 2011، مارسَ نظام القذافي مختلف أشكال القمع والانتهاكات الجسيمة والممنهجة لحقوق الإنسان ضد المتظاهرين، وهو ما أدى إلى خسائر فادحة في صفوف المدنيين وفي هذه الأثناء أدان كل من جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
وقرر مجلس حقوق الإنسان في 25 فبراير 2011 بإيفاد لجنة دولية مستقلة على وجه السرعة للتحقيق في جميع انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان المزمع ارتباكها في ليبيا.
وبسبب تفاقم الوضع الإنساني في ليبيا، والانتهاكات الواسعة في حق المدنيين، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 1970 بتاريخ 26 فبراير 2011، الذي ذكّر تحديدا بـ “مسؤولية السلطات الليبية عن توفير الحماية لسكانها“، وأدان العنف الذي تمارسه ضدهم، وطالب بوقف ذلك، وسعى إلى دفع القذافي إلى التفكير في عواقب تطبيق عقوبات ذات أهداف محددة بحق نظامه، إظافة إلى فرض حظر للأسلحة، والتهديد بإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
عندما اتضح أن القذافي لم يكن يتجاهل ذلك القرار فحسب، وإنما يخطط أيضا لشن هجوم كبير على الثوار في مدينة بنغازي، مما استدعى تدخلا أمميا سريعا تحت مسمى التدخل الإنساني لوقف نظام القذافي عن قتل المدنيين، سرعان ما أتبع مجلس الأمن الدولي ذلك بالقرار 1973\2011 بعد أن احتكم المجلس إلى مبدأ “مسؤولية الحماية“، وأعاد تأكيد تصميمه على ضمان حماية المدنيين، وشجب عدم الإمتثال للقرار الأول، ودعا إلى وقف فوري لإطلاق النار، وإنهاء تام للهجمات العنيفة على المدنيين والإساءة إليهم، معتبرا أن الحالة في ليبيا لا تزال تشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين، وفرض حظر للطيران فوق المجال الجوي الليبي من أجل المساعدة على حماية المدنيين.
بدأ عمل حلف شمال الأطلسي العسكري على الفور، ويمكن تأكيد فضله في وقف كارثة كبرى محدقة ببنغازي كان يمكن أن تحصد عدداً كبيراً من أرواح المدنيين. لذلك، يرى الحلف أن تدخله العسكري في ليبيا جاء بناءً على مرتكزات أساسية منها: وجود شرعية قانونية دولية عبر تفويض واضح من مجلس الأمن للتدخل لحماية المدنيين في ليبيا، وتوفر دعم إقليمي بالتدخل، أي طلب الجامعة العربية للتدخل في ليبيا، وطلب الشعب الليبي المساعدة الدولية لإنقاذه من جرائم نظام القذافي الذي كان يسعى للقضاء على الثورة الشعبية وإبقاء نظامه.
بالرغم من أن القرار 1973 لم يتضمن إي إشارة تفوّض حلف شمال الأطلسي التدخل العسكري في ليبيا، باستثناء نصه على إنشاء منطقة حظر للطيران فوق الأجواء الليبية. إلا أن هناك من يرى أن الحلف استغل حماية المدنيين كذريعة ومدخل لإسقاط نظام القذافي، ومع ذلك فإن القرار يجسّد مسؤولية المجتمع الدولي في التدخل العسكري لحماية المدنيين، من خلال طلب جامعة الدول العربية من مجلس الأمن أن يتحمل مسؤوليته في حماية المدنيين في ليبيا.
لا يمكن أيضاً إغفال حساسية الدول الأوروبية، وهواجسها مما يدور من حراك ثوري عميق في المنطقة محل هيمنتها واستغلالها، وما يمكن أن تكون له من تداعيات على مصالحها، وحرصها لأن يكون مثل تلك الثورات تحت طائلة تأثيرها، حتى لا تفقد السيطرة على مناطق امتيازاتها ونفوذها.
وبالتالي لم يكن أمام الدول الغربية من خيار أمام الزخم الثوري التي تمر به المنطقة وتحديدا ليبيا، إلا أن تكون حاضرة في تأثيرها تحت أي مسمى، وما أقدمت عليه من تدخل ليس حبا في الحراك الثوري التحرري في ليبيا، بقدر ما هو مخاوف مستقبلية لتداعيات الثورة، ومحاولة ملئ فراغ ما بعد القذافي والتحكم بإيقاع المرحلة المقبلة واللعب بمتغيراتها،
مما حدا بالفاعل الدولي الاوروبي على وجه الخصوص الدخول في ثناياها رغبة الشراكة، وضمان تقاسم مصالح ليبيا ما بعد الثورة. عدا عن اهتمام الدول الغربية بما يجري في ليبيا، ومحاولة تلافي الوضع الملتهب والسيطرة عليه برغم أن الحضور الخارجي جاء وفقاً لحاجة ماسة إنسانية نتيجة لهمجية، وعجرفة الفعل المعادي للثوار، والذي خلف مأساة وانتهاكات جسيمة وممنهجة لحقوق الإنسان، أقضت مضجع المنظمة الأممية، ولامست اهتمامها الإنساني، ودفعت في ذات الوقت أطرافها للعمل السريع لوقف تلك القطاعات بحق أبناء الشعب الليبي.
…
نبدأ في الجزء التالي بـ (المحور الثالث: الأبعاد الإستراتيجية والإقتصادية للتدخل الدولي في ليبيا)
***
د. محمد عبدالحفيظ الشيخ ـ رئيس قسم العلوم السياسية، كلية إدارة الأعمال – جامعة الجفرة ـ ليبيا
***
المصدر: مجلة الدراسات الإستراتيجية والعسكرية : العدد الثاني كانون الأول – ديسمبر “2018” وهي مجلة ثلاثية دولية محكّمة تصدر من ألمانيا – برلين عن “المركز الديمقراطي العربي” . تعنى المجلة في مجال الدراسات والبحوث والأوراق البحثية في مجالات الدراسات العسكرية والأمنية والإستراتيجية الوطنية، الإقليمية والدولية.
________________
