اعداد : د. محمد عبدالحفيظ الشيخ

مع التسليم بأهمية وأولوية البعد الإنساني في منطق التدخل الدولي في ليبيا لحماية المدنيين، سوى أن ذلك التدخل وفق الكثير من المراقبين تجاوز روح القرار الأممي عندما منح نفسه إرادة إسقاط القذافي.

الجزء الثاني

ثانيا: موقف الفقه الدولي من التدخل الإنساني

مثلما اختلف الفقه الدولي حول مفهوم التدخل الإنساني، فإنه اختلف أيضاً حول مدى مشروعيته، وانقسم على نفسه بين فريقين أحدهما يعارض التدخل الإنساني ويعتبره تدخل غير مشروع، أما الآخر يؤيد التدخل ويعتبره تدخل مشروع أقرته الممارسة الدولية لمجلس الأمن.

1ـ عدم مشروعية التدخل الإنساني المنفرد

المشاهد أن ثمتي وجهتي نظر أساسيتين فيما يتعلق بتكييف موقف القانون الدولي العام إزاء مشروعية التدخل الإنساني المنفرد. فقد انقسم الفقية إلى تيارين: الأول يعتبر التدخل الإنساني المنفرد مشروعا، والآخر يعتبر غير مشروع، ويمكن الإشارة إليهما كالتالي:

أـ التيار المؤيد للتدخل الإنساني المنفرد

يرى أنصار هذا الرأي أن التدخل الدولي الإنساني يعتبر وسيلة ناجحة لوقف عمليات القتل، ويضع حداً للمعاناة الإنسانية للشعوب، وإنهاء أضطهادها من قبل السلطات المحلية، وأن السلوك الاستبدادي من إحدى الحكومات تجاه مواطنيها وعمليات القتل الوحشي في الحرب الأهلية أو الإضطهاد الديني تشكل أساسا مناسبا للتدخل الإنساني وإن اللجوء إلى هذا المبدأ هو لحماية جميع حقوق الإنسان من إضطهاد الدولة وتعسفها.

ويضيف هذا التيار في إجازته للتدخل الإنساني، أن الدولة التي تتعسف في استعمال حقها في السيادة، فتستخدم القوة لإضطهاد رعاياها، أو رعايا الموجودين على إقليمها، تكون قد منحت من تلقاء نفسها حق التدخل لأية دولة أخرى ترغب في التدخل، ويعتبر عمل الدولة المتداخلة إجراءاً مشروعا باعتباره وسيلة لتطبيق القانون ونصرة الحق وتأكيد العدالة.

ينتهي التيار المؤيد للتدخل الإنساني المنفرد إلى نتيجة مفادها أن القانون الدولي العرفي لا يمنع في ظل شروط وظروف معينة استخدام القوة لأغراض إنسانية، فإذا عجز مجلس الأمن عن ممارسة سلطاته المقررة في الفصل السابع من الميثاق بسبب استخدام إحدى الدول الكبرى حق النقض، يكون التدخل العسكري المنفرد مشروعاً في حالة الإنتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، شريطة توافر أدلة موضوعية تؤكد بوضوح وقوع انتهاكات جسيمة وواسعة النطاق لحقوق الإنسان، وعدم قدرة أو رغبة الدولة المعنية اتخاذ التدابير المناسبة لوقف هذه الإنتهاكات.

وأخيرا استنفاد التدابير غير العسكرية دون جدوى وفشل مجلس الأمن في اتخاذ التدابير المناسبة لمنع استمرار هذه الانتهاكات.

ب ـ التيار المعارض للتدخل الإنساني المنفرد

يرى أنصار هذا الإتجاه أنه لا يجوز استخدام القوة إلا في حالة الدفاع الشرعي عن النفس. ويرفض هذا التيار الاعتراف بمشروعية التدخل الإنساني المنفرد كونه يخالف أحد المبادئ الاساسية في القانون الدولي المعاصر، وهي مبدأ حظر استخدام القوة أو التهديد باستعمالها في العلاقات الدولية، والذي يعد أحد القواعد الآمرة التي لا يجوز مخالفتها.

كما أن الاعتراف بالتدخل الإنساني المنفرد ينكر جميع قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تحرّم استخدام القوة في العلاقات الدولية تحريماً شاملاً بموجب الميثاق، فقد استثنى الإعلان الرقم 2625 الصادر في تشرين الأول – أكتوبر 1970، والخاص بمبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول من نطاقه الحق في التدخل، ولم يتضمن أي نص يتعلق بالتدخل الإنساني.

سبق لمحكمة العدل الدولية أن تعرضت لمبدأ عدم التدخل الشؤون الداخلية للدول الأخرى، في قضية مضيق كورفو بين ألبانيا والمملكة المتحدة، حيث ورد في حكمها الصادر في 9 نيسان ـ أبريل 1949 أنه يعمل بقاعدة تحريم اللجوء إلى القوة مهما كانت النقائض الحالية للأمم المتحدة“.

واعتبرت التدخل المزعوم وسيلة سياسية لاستخدام القوة، مضيفة أنه حتى لو فشل مجلس الأمن في اتخاذ التدابير المناسبة تطبيقا للفصل السابع، بحيث تعود الدول إلى الحالة السابقة على الميثاق، إلا أنه لا يمكن قبول ذلك كمبرر للتدخل الإنساني.

وفي السياق ذاته، أدانت محكمة العدل الدولية في حكمها الصادر في 27 حزيران ـ يونيو 1980 قيام الولايات المتحدة الأميركية بتدريب وتسليح وتمويل قوات الكونترا وتشجيع ومساعدة النشاطات العسكرية وشبه العسكرية الموجهة ضد نيكاراغوا منتهكة بذلك القانون العرفي الذي يفرض عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

وخلصت في قراراها بما جاء في الفقرة 268، أن استخدام القوة ليس الأسلوب المناسب للتحقق من ضمان احترام حقوق الإنسان، تبعا لطابعها الإنساني، وأن المحكمة تخلص إلى أن الدافع المبني على حماية حقوق الإنسان في نيكاراغوا لا يمكن أن يبرر قانونا.

وبناءاّ على ما سبق، يرفض بعض الفقهاء تأييد مشروعية التدخل الإنساني من جانب دول منفردة أو دول مجتمعة، خاصة إذا ما ترتب على ذلك إسقاط حكومة، حتى ولو كانت مسئولة عن إهدار حقوق مواطنيها.

يؤيد هذا الإتجاه العديد من منظري دول الجنوب بعدم مشروعية التدخل الإنساني بسبب المطامع الاستعمارية، وأن الحجة الإنسانية هي فقط ذريعة للتدخل في شؤون البلدان الأخرى. إضافة إلى أنه يثير ردود فعل كثيرة تكون مصحوبة يتهم الإنحياز والمعايير المزدوجة. كما تظهر مشاكل عديدة لها علاقة بشرعية وفاعليته وبتبعاته الإنسانية وانعكاساته على القانون والنظام الدوليين.

2ـ مشروعية التدخل الأممي الإنساني

بعد انتهاء الحرب الباردة، تزايدت النزاعات المسلحة الداخلية بصورة كبيرة، وكان لهذه النزاعات آثار إنسانية خطيرة، تمثلت في تزايد أعداد اللاجئين والضحايا.

فأصدر مجلس الأمن العديد من القرارات، استناداً إلى الفصل السابع من الميثاق، والتي تبرر التدخل الإنساني باستخدام القوة العسكرية في هذه النزاعات، نتيجة لتوسع مفهوم مصادر تهديد السلم والأمن الدوليين. إذ لم تعد النزاعات التي تكتسي طابعا دوليا وحدها تمصل مصدر التهديد الحقيقي للنظام الدولي، وإنما أصبح التهديد يأتي من النزاعات المسلحة داخل الدول، وما نجم عنها من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، مما يستوجب تدخلا أمميا عسكريا لوقف تلك الإنتهاكات.

وبالإستناد إلى نص المادة (2\7) من الميثاق، فإنه لا يمكن رفض التدخل الإنساني الذي تقوم به الأمم المتحدة. فمقدمة الميثاق نصت صراحة على إنقاذ الإنسانية من الويلات الكارثية، وأكدت المادة 1\3 على احترام حقوق الإنسان والحريات للناس جميعا“.

وفي ضوء هذا النص الصريح أصبحت الحماية الدولية لحقوق الإنسان تمثل أحد المبادئ الرئيسة فيه. لذلك فإن تدخل الأمم المتحدة يستثنى مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية من مبدأ الإختصاص الداخلي، لا سيما أن هذه المادة 2\7 قد استثنت إجراءات القمع التي تتخذ بواسطة مجلس الأمن تطبيقاً لأحكام الفصل السابع لحفظ السلم والأمن الدوليين.

أمام إشكالية التعارض بين التدخل الدولي لحماية حقوق الإنسان وقيد الإختصاص الداخلي للدول، فقد أعتبرت محكمة العمل الدولية في حكمها الصادر في 5 شباط ـ فبراير 1970 في قضية (Barcelona Traction)أن حقوق الإنسان ذات طابع شامل وعالمي ملزم وتندرج ضمن القواعد الآمرة التي تتجاوز الإختصاص الوطني.

وهناك من يؤيد التدخل الإنساني مستندا إلى مبدأ مسئولية الحماية الدولية الذي أقرته الأمم المتحدة عام 2005، والذي يقضي بأنه في حالة عجز الدولة أو عدم رغبتها في حماية رعاياها فإنه يتعين على المجتمع الدولي القيام بهذه المهمة. ولا تستطيع الدولة محل التدخلأن تتذرع أو تدفع بمبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية أو مبدأ السيادة الوطنية.

وعليه، فإن تدخل الأمم المتحدة الإنساني يشكل أحد الإستثناءات الجديدة لمبدأ عدم التدخل والتي فرضتها قواعد القانون الدولي المعاصر.

نبدأ في الجزء التالي بـ (المحور الثاني: الأبعاد الإنسانية للتدخل الدولي في ليبيا)

***

د. محمد عبدالحفيظ الشيخ ـ رئيس قسم العلوم السياسية، كلية إدارة الأعمال – جامعة الجفرة ـ ليبيا

***

المصدر: مجلة الدراسات الإستراتيجية والعسكرية : العدد الثاني كانون الأول – ديسمبر “2018” وهي مجلة ثلاثية دولية محكّمة تصدر من ألمانيا – برلين عن “المركز الديمقراطي العربي” . تعنى المجلة في مجال الدراسات والبحوث والأوراق البحثية في مجالات الدراسات العسكرية والأمنية والإستراتيجية الوطنية، الإقليمية والدولية.

________________

مواد ذات علاقة