تتضارب حوله المواقف محليا وإقليميا ودوليا
بقلم علي عبد اللطيف اللافي
يعتقد بعض المتابعين أن رئيس المجلس الرئاسي الليبي شخصية ضعيفة سياسيا وأنه خيار مرحلي فرضته الظروف والتجاذبات بين فرقاء الصراع، وأنه قد يختفي بمجرد انجاز الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في ربيع 2019.
بينما بيّنت التطورات خلال الأيام والاسابيع الماضية أن الكل في ليبيا قابل للتغيير والإبعاد من الساحة السياسية إلا السراج فإنه باق في المشهد بغض النظر عن الفاعلية والقُدرة على الإمساك بكل الأوراق أو طبيعة المنصب الذي سيتولاه مستقبلا في السلطة التنفيذية.
نقل على بعض السياسيين الايطاليين قوله لأحد الفاعلين الليبيين غداة مؤتمر باليرمو أننا “ابتلعنا السراج وتقيأنا” حفتر وهو تعبير رمزي على أهمية الرجل المرحلية وتوسع أفاقه المستقبلية.
من هو فائز السراج؟
فائز السراج هو شخصية أقرب للإدارية بمنطق التصنيف السياسي الايديولوجي أي أنه تكنوقراط وليس سياسيا رغم اقترابه العملي سنة 2012 من تحالف القوى الوطنية (بقيادة محمود جبريل)، وهو أصيل مدينة طرابلس العاصمة ونائبا في انتخابات يونيو 2014 عنها (تحديدا عن دائرة حي الاندلس)، وقد تم اختياره رئيسا للجنة الطاقة في المجلس كما تم تعيينه عضوا في لجنة الحوار ليصبح في 08 أكتوبر 2015 رئيسا للمجلس الرئاسي ورئيسا لحكومة التوافق الوطني.
وهو من مواليد 20 فبراير 1960، وقد بدأ حياته المهنية كمهندس في إدارة المشروعات بصندوق الضمان الاجتماعي، ثم عمل كمستشار هندسي فكانت له مُشاركات بالعديد من اللجان المتخصصة لدراسة وتصميم المشروعات، كما اتجه إلى العمل الخاص فكان عضو مؤسس لمكتب “تريبوليس” للاستشارات الهندسية.
عرف عن السراج صداقته مع الإداريين وكبار الموظفين وقد عُرف عنه علاقاته الممتدة مع عدد من الموظفين التكنوقراط في حقبة القذافي بناء على ارتياده لعدد من مقاهي ومجالس طرابلس مع أولئك الأصدقاء وخوض مُناقشات حذرة حول الأوضاع الإدارية والاجتماعية.
وفائز السراج هو ابن مصطفى السراج (أحد رفقاء السياسي المعروف والمناضل الليبي بشير السعداوي في حزب المؤتمر الليبي يومها)، وقد كان والده وزيرا للاقتصاد، ثم للتعليم في العهد الملكي، وقد كانت عائلته تقيم خلال السنوات الماضية في مصر حتى بداية سنة 2017 ثم رحلت الى بريطانيا تحت رعاية شقيقه والذي كان موظفا قنصليا سابقا في الامارات قبل تقاعده منذ سنتين.
تضارب مواقف الأطراف المحلية من السراج وموقع كُل طرف منه؟
أولا: الليبراليون
المساحات المشتركة بين السراج والتيار الليبرالي تبقى ممتدة ومفتوحة ولكنها ستختلف من حزب الى آخر ومن شخصية الى أخرى وستغلب عليها عقلتي “الغلبة” و”الغنيمة”:
أ– تحالف القوى الوطنية: رغم ان السراج أقرب للتحالف (انضم اليه عمليا سنة 2012 كما أسلفنا الذكر)، إلا أنه لا ينظرُ بارتياح لجبريل وحزبه نتاج الصراع على الزعامة ونتاج اصطفاف جبريل في مرحلة معينة مع الكرامة.
ب– حزب الجبهة الوطنية: السراج غير متواصل مع قيادات الحزب، ولا يعرف الحزب وطبيعته ومواقفه وكل فكرته عليهم انهم امتداد لجبهة الإنقاذ (أكبر مكونات المعارضة للقذافي)، وقد تتكيف العلاقة مع الحزب بناء على تواصله من عدمه مع شخصيات قريبة من الحزب على غرار نعيم الغرياني ومصطفى أبوشاقور وآخرين.
ت– تجمع الوطنيين الأحرار: يعتقد قياديي هذا التجمع السياسي أن السراج وفريقه مرحليون وأن المُهم عموما هو الامتداد الافقي تجاه جماهير الشعب الليبي.
ث– تكتلات سياسية أخرى: على غرار “حراك نعم ليبيا” (خليط بين عناصر من أنصار فبراير وأنصار سبتمبر)، وهو تيار ليبرالي قد يجد مثله مثل مكونات ليبرالية صغيرة مساحات مستقبلية مع السراج أو ينصهر داخل بوتقته الحزبية والتي من المتوقع ان تُؤسس له خلال الأسابيع والأشهر القادمة.
ثانيا: الإسلاميون
طبعا فسيفساء التيار الإسلامي متنوعة وتختلف في رؤيتها للصراع الليبي المحتدم منذ 2014، مما يعني ان رؤيتها للمجلس الرئاسي ولرئيسه الحالي فائز السراج، هي رؤى متباعدة بل ومتضاربة ولكنها مواقف ترتكز على التفاعل مع الوقائع.
فالسراج كان مرفوضا من طرف تيار فبراير والإسلاميين خاصة اثر دخوله العاصمة، بينما يغلب على تيارات الإسلاميين وتنظيماتهم حاليا القبول المتفاوت به على اعتبار أنه خصم رئيسي لعدوهم اللدود اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وهو حليف مرحلي للتيار الاخواني، وخاصة لذراعهم السياسية أي حزب العدالة والبناء (بقيادة محمد صوان).
السراج اليوم مقبول مرحليا بالنسبة لحزب الوطن وبقية مكونات السلفية الحركية وهو مرفوض من إسلاميين آخرين شخصيات واطراف وتيارات وأحزاب وفاعلين في المجتمع المدني والأهلي والقبلي.
أ– العدالة والبناء: هُو أقرب الأطراف التي لها تواصل سياسي دوري مع السراج، وتُسانده في بعض مواقف، وفي الأخير قد تفرض المعطيات الإقليمية والدولية على الحزب التمسك بالسراج كخيار مرحلي ومستقبلي أيضا بما في ذلك خلال الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في ربيع 2019.
وحتى عندما فاوض المشري مجلس النواب في مبدأ القبول بحصر تركيبة الرئاسي في تركيبة ثلاثية (عضو عن كل منطقة)، سرعان ما تم التراجع عن خيار استبعاد السراج من رئاسة المجلس الرئاسي، بل تم دعمه في اجراء تغييرات جذرية على حكومته بل تم تسمية وزراء محسوبين عمليا على الحزب.
الخلاصة ان الحزب سيبقى حليفا للسراج معطيا إياه هامش للمناورة حسب المتغيرات والتطورات وسيتابع طبيعة الرهانات والقرارات المتخذة خلال المرحلة القادمة، وسيكون مؤتمر الحزب في يناير المقبل محددا لسياسات الحزب وبالتالي التموقع بجانب السراج أو أخذ مساحة عنه.
ب– الاخوان: ليس خافيا على أحد أن هناك خلافات بين قيادات الاخوان وبعض قيادات الحزب في رؤيتهم لطبيعة التطورات منذ 2015 وأساسا الموقف من اتفاق مفاده دعمه الصخيرات بل وحدث التجاذب بشكل كبير حتى بين الاخوان وخاصة بين تيار المشارقة (الأقرب للتمسك بخيار الارتباط بالحركة الأم تنظيميا وفكريا وسياسيا) وتيار المغاربة والأخير يميل الى فصل الدعوي عن السياسي وإبقاء العلاقة بالأخوان في سياقها الفكري فقط.
علاقة السراج بالأخوان المسلمين الليبيين ليست حدية من كلا الطرفين فهو لا يتبنى الرؤية الاستئصالية ويعمل مع بعضهم كاستشاريين وكأفراد في المؤسسات المختلفة في الحكومة والمجلس الرئاسي على غرار بعض مستشاريه، ويعتبرهم أنزه واقدر من غيرهم، وقد رفض القطيعة معهم حتى عندما أرسلت اطراف إقليمية رسائل له توحي بدعمه إن هو أخذ مسافات قطيعة مع الأخوان.
ت– حزب الوطن: العلاقة مع السراج ومحيطه تبدو علاقة تنافر سياسي، ولكنها ليست صدامية أو عدائية، وهي علاقة أقرب للقطيعة ومحدداتها غامضة وحذرة.
ث– باقي مكونات السلفية الحركية: أغلب مكوناتها ترفض المجلس الرئاسي ولا تعترف به وهي أقرب لحكومة الانقاذ السابقة، رغم انها تناصب العداء للسلفيتين الجهادية والمدخلية.
ج– المحافظون: وهم أنصار المفتي وبعض المختلفين مع الاخوان فكريا وسياسيا وتنظيميا أو يرون أنهم قد انحرفوا بثورة فبراير، وهؤلاء سيبقون على مسافة من السراج وهو سيبقى محترزا منهم هو ومحيطه نتاج طبيعة الرهانات السياسة وخوف السراج من التواصل معهم ومما يعني له فقدان بعض حلفاء آخرين.
ح– الصوفيون: وهم تيار متصاعد في ليبيا خاصة بعد المؤتمر الأخير لرابطة علماء ليبيا وطرد عارف النايض منه، وهؤلاء وإن ليس لهم علاقات مع السراج ومحيطه فانه قد يوظف جزء منهم لخدمة مشروعه، كما قد يتم توظيف بعضهم من أطراف اقليمية ودولية لصالحه بآليات غير مباشرة.
ثالثا: أنصار سبتمبر
وهم ليسوا وحدة متكاملة لا سياسيا ولا تنظيميا ولا في قراءة المستجدات، حيث يختلفون في مقارباتهم للسياسيين ولمختلف التيارات الفكرية وأيضا من حيث اصطفافاتهم المحلية أو الاقليمية أو الدولية، وقد اقترب بعضهم من السراج وروجوا له وحاولوا احتواءه في 2017 وتداولوا أنه خيار أمريكي مستقبلي وانه من الممكن اختراق مجاله واحتوائه وأنه لابد من لعب ورقته.
وفي وقت لاحق وعندما لم يتماه معهم أصبحوا يروجون علنا عبر مواقعهم وصفحاتهم وبين أنصارهم، أنه مرتهن وأنه جاء ليقبل بما رفضه القذافي، ثم زاد سخطهم وغضبهم عليه عندما قام بالتحوير الوزاري الأخير وخاصة بسبب تعييه لــ”باشاغا” و”العيساوي” وتفكيره في تغيير وزيري الخارجية والحكم المحلي (المحسوبين عليهم نظريا).
وعمليا لأنصار النظام السابق اشكالات من البداية مع بعض المقربين منه على غرار أحمد معيتيق والذي يشن الذباب الالكتروني الخاص بهم حملات تشويهية عليه بشكل مستمر، والثابت أيضا أن رجال الامن الداخلي والخارجي هم أقرب للسراج ويشتغلون تحت إمرته، وهؤلاء وظفوا له حزبيين واداريين وشبكات وعلاقات في الداخل والخارج.
رابعا: حفتر ومُحيطه الحالي
نتاج العقلية المركبة لحفتر، فإنه لا يرتاح عمليا لكل صاحب سُلطة وكل من له موقف أو من تقف وراءه قُوى وأحزاب ومكونات أو يحس أنه مدعوم خارجيا أو قد يكون خيارا مستقبليا، وهذا هو الاشكال لحفتر مع السراج، ولن يكون له أي اشكال معه في صورة اخذ وعد بانه سينسحب من الساحة بل انه قال في “باليرمو”، أن السراج هو “الربان ونحن لا نغير الربان عند عبور النهر”.
ولكن يبقى السؤال الأهم بناء على أي أسس يتعامل السراج مع حفتر؟، فهو يحرص على عدم استفزازه ورفض تعيين وزير دفاع منذ 2016 وترك المنصب شاغرا، وهو لم يرد على استفزازات حفتر في أكثر من مناسبة على غرار رفض حفتر لقائه في القاهرة في بدايات 2017 .
والمعلوم انه التقاه في ابوظبي منتصف 2017 وفي باريس في جويلية 2017 ثم في باليرمو في نوفمبر الماضي، كما راج في الكواليس انه التقاه الأيام الأخيرة في روما وتم برمجة لقاء في الأردن (قيل أنه الغي)، ومن المنتظر ان يلتقيه مجددا في قادم الأيام رغم تغير مستمر لمواقف حفتر وهو ما قد يؤدي لقطيعة مفترضة بينهما مستقبلا مع أن البعض يُروج أن السراج يتكتم عن اتفاق غير معلن بينه وبين حفتر بدعم أطرف إقليمية ودولية.
خامسا: علاقات السراج بعقيلة صالح والمشري وآخرين
أ– علاقة السراج مع عقيلة صالح يغلب عليها التوتر والتنافر، أولا أن صالح حليف للثني وحفتر، وثانيا بسبب التموقع وبسبب الزعامة المستقبلية وطموحات صالح عالية الوتيرة و بحثه عن علاقات خارجية.
ب– علاقة السراج بالمشري ودية، وهي أفضل من علاقته السابقة مع السويحلي وهي مترتبة على ودية علاقاته مع حزب العدالة والبناء والاخوان، وهما (المشري – السراج) متماهيان في رؤية عدد من القضايا المهمة سياسيا واقتصاديا ومرحليا وهو ما تجسد في إصراراهما في باليرمو في رفض اسناد خطة القائد الأعلى مرحليا لحفتر.
ت– شخصية السراج المُتسمة بالإدارية وهدوء الشخصية تجعله محل ارتياح من أغلب الأطراف والشخصيات، ولكن موقعه الحالي وإمكانية بقاءه مستقبلا في المشهد جعلت البعض يعتبره خصما وعائقا أمام عدد من الفاعلين في مجلسي “النواب” و”الأعلى للدولة” وحتى بعض الوزراء وعديد الزعامات القبلية والسياسية والاجتماعية.
***
علي عبداللطيف اللافي ـ كاتب وباحث من تونس
______________
المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية