بقلم أحمد قاسم حسين
شهدت العاصمة الليبية طرابلس، في 26 آب/ أغسطس 2018، اشتباكات عنيفة، استُخدِمت فيها أنواع مختلفة من الأسلحة بين كتائب مسلحة قادمة من جنوب العاصمة (اللواء السابع، ترهونة) والكتائب الموالية لحكومة الوفاق الوطني.
الجزء الثاني
ثانيًا: مواقف دولية مترددة
ساد صمت القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في العملية السياسية الليبية تجاه الاشتباكات الأخيرة في طرابلس، واقتصر دورها في سبيل احتواء الأزمة على إصدار بيانات رسمية، وذلك على خلاف دورها تجاه أزمة الهلال النفطي، حينما أصدر اللواء المتقاعد خليفة حفتر قرارًا يقضي بنقل تبعية الموانئ النفطية بمنطقة الهلال النفطي إلى المؤسسة الوطنية للنفط في مدينة بنغازي، التابعة للحكومة الموقتة.
حينئذ، كان تحرك كل من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا أكثر فاعلية وتأثيرًا، وأبطلت تلك الدول إعلان حفتر الذي انصاع لضغوطها، واضطرته إلى إبقاء الموارد الليبية الحيوية تحت السيطرة الحصرية للمؤسسة الوطنية للنفط الشرعية، وتحت الرقابة الوحيدة لحكومة الوفاق الوطني، واستحضرت قرارات مجلس الأمن رقم 2259 لسنة 2015، ورقم 2278 لسنة 2016، ورقم 2362 لسنة 2017.
لم تمارس تلك القوى مثل تلك الضغوط على الكتائب المهاجِمة لمدينة طرابلس، ولم تقدِّم الدعم العسكري والمادي اللازم للحكومة الشرعية؛ إذ تقوم مقاربة القوى الدولية للأزمة الليبية على الحفاظ على مصالحها في المناطق الجيوسياسية في ليبيا، وأهمها منطقة الهلال النفطي، بصرف النظر عن مدى التزام بنود الاتفاق السياسي، وعن مدى الخلل في توازنات القوة بين الكتائب المسلحة، وتداعياته على المشهد الأمني والعسكري في مناطق أخرى؛ وهو ما يعني محاولة الحفاظ على الوضع القائم في طرابلس، بحيث تستدعي شرعية حكومة الوفاق الوطني عند الحاجة إليها في تحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية.
لقد ساهم غياب إستراتيجية واضحة للولايات المتحدة في ليبيا في تأزيم العملية السياسية؛ فقد اقتصر تدخلها على توجيه ضربات جوية محددة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في آب/ أغسطس 2017 ، بعد أن حرّرت قوات “البنيان المرصوص” التابعة لحكومة الوفاق الوطني أكثر من 80 في المئة من مدينة سرت من قبضة التنظيم، واستعادت مدنًا عدة بين محور مصراتة وسرت، مع الإشارة إلى أن إدارة باراك أوباما قد أعلنت دعمها الكامل للاتفاق السياسي الليبي.
فقد استندت السياسة الخارجية الأميركية إلى ركيزتين أساسيتين؛ هما: محاربة “الإرهاب” – ممثلًا بتنظيم الدولة الإسلامية وبعض الكتائب المسلحة التي تصنفها واشنطن “إرهابية” – والحفاظ على استقرار المناطق الجيوستراتيجية بالنسبة إلى واشنطن، وعلى رأسها منطقة الهلال النفطي.
ولم يطرأ أي تعديل على الإستراتيجية الأميركية في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب التي تمثِّل امتدادًا لسياسة سلفه في ليبيا.
ومما يزيد الأمور تعقيدًا التناقضات والخلافات التي ظهرت إلى العلن بين فرنسا وإيطاليا في تنافسهما على السيطرة والنفوذ في ليبيا، وأثَّر ذلك في المشهد الأمني والسياسي؛ فقد اتهم نائب رئيس الوزراء، وزير الداخلية الإيطالي، ماتيو سالفيني، فرنسا بـالمسؤولية عن موجة العنف والاشتباكات الأخيرة التي شهدتها طرابلس.
وقد التقى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي، إينزو موافيرو ميلانيزي، حفتر في بنغازي؛ وهو ما يعني أنَّ توجُّه الخارجية الإيطالية، التي تُحضِّر لمؤتمر دولي حول ليبيا في خريف 2018، بات واضحًا بشأن تطوير علاقة بحفتر، باعتباره طرفًا أساسيًّا في المشهد السياسي والعسكري الليبي الداخلي، وذلك ما عبَّر عنه ميلانيزي بقوله: “الجنرال حفتر مُحاور لا يمكن تجنبه“.
وأضاف أن حفتر “أثبت أنه شخص منفتح للحوار، يبدي اهتمامًا ببلادنا، ويدرك الدور الذي يمكنه أن يقوم به“.
ولكن الوزير الإيطالي استدرك مؤكدًا أن الطرف الأساسي الذي تتحاور معه بلاده في ليبيا هو حكومة الوفاق الوطني التي يرأسها فايز السراج، المعترف بها شرعيًّا من جانب الأمم المتحدة.
يضاف إلى ذلك التقاء مصلحة حفتر والمصلحة الإيطالية في رفض المقترح الفرنسي الذي جاء في “إعلان باريس” بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في نهاية عام 2018.
وقد أبدى السراج حماسة أقل تجاه المؤتمر الدولي الذي ستعقده إيطاليا، مؤكِّدًا أن المؤتمر المزمع عقده برعاية إيطالية يجب أن يكون مدروسًا جيدًا، لأنه لا جدوى من الاجتماع من دون التوصل إلى نتائج عملية تنهي الأزمة الليبية، وإلا فسيكون له أثر سلبي. وعلى المجتمع الدولي تنظيم نفسه، وحل النزاع الثنائي بين فرنسا وإيطاليا بشأن ليبيا.
لقد أثارت المواقف الأميركية والأوروبية المتناقضة إزاء الأوضاع في ليبيا حفيظة موسكو التي تطمح إلى استعادة منطقة نفوذ سابقة وسوق لبيع السلاح الروسي، وتعيد تموضعها عسكريًّا على ضفة البحر المتوسط المقابلة لأوروبا من خلال دعم حفتر الذي يُعتبر قوة فاعلة عسكريًّا في شرق ليبيا.
أما الدول المجاورة جغرافيًّا لليبيا (مصر، وتونس، والجزائر)، فقد اتسم موقفها بالارتباك وعدم الوضوح؛ وذلك نتيجة ضبابية التحرك العسكري الذي قام به اللواء السابع/ ترهونة، وأسبابه ودوافعه. فلم تُبْدِ هذه الدول أي مواقف محددة، وطالبت الأطراف بضبط النفس والجلوس إلى طاولة الحوار، في انتظار جلاء الصورة ووضوح معالم التحرك العسكري الأخير.
لكن التطور المثير للاهتمام هو موقف حفتر الذي هدد الجزائر بنقل الحرب إلى أراضيها، على خلفية ما سمّاه الاعتداء الجزائري على الحدود الليبية؛ وهو ما يعني أن قواته تتموضع في الشرق الليبي، لكن عينه على طرابلس التي لن يألو جهدًا لدخولها، لرمزيتها وأهميتها.
ثالثًا: حفتر والاستثمار العسكري لاشتباكات طرابلس
لا شك في أن معسكر حفتر في الشرق الليبي يتابع باهتمام التحولات الأمنية والعسكرية في طرابلس، ويصب في مصلحته مباشرة دخول الكتائب المسلحة في اقتتال داخلي يستنزف قوتها، ويجعلها أقل قدرة على التأثير والفاعلية، فيزيد من نفوذه السياسي والعسكري المتنامي في شرق البلاد، بعد أن بسط سيطرته الكاملة على منطقة الهلال النفطي، وعلى مدينتَي بنغازي ودرنة؛ وهو ما يجعل ميزان القوة العسكرية في البلاد يميل إلى صالحه، ويدفعه لاستجماع قوته ودخول العاصمة التي أهمية إستراتيجية خاصة، باعتبارها أكثر المدن الليبية اكتظاظًا بالسكان، وتحوي معظم المؤسسات الحكومية، كما أن طرابلس ومحيطها مقرٌ أساسي لعدد كبير من الكتائب المسلحة الموالية لحكومة الوفاق والمعارضة لها.
ومن ثم، فإن تلك التحولات قد تدفعه إلى نسج تحالفات جديدة مع بعض الكتائب المسلحة، لتكون بمنزلة حصان طروادة، للشروع في عمليات عسكرية في الغرب الليبي.
وقد علق آمر القوات الخاصة في قوات حفتر، اللواء ونيس بوخمادة، على أحداث طرابلس الأخيرة بأنهم جاهزون للتدخل، برًّا وبحرًا وجوًّا، وأنهم في انتظار الأوامر من القائد العام، في إشارة إلى حفتر. كما حث بوخمادة أهالي طرابلس على الاقتداء بأهالي بنغازي في طرد العصابات المسلحة من مدينتهم.
وقد أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية التابعة لحفتر قرارًا، في 8 أيلول/ سبتمبر2018، بتشكيل مجموعة عمليات الجنوب، برئاسة اللواء بوخمادة، بهدف ضبط الأمن وحفظه بمنطقة الجنوب الغربي للبلاد؛ إذ إن المهمات المنوطة بها في نص القرار هي تأمين مناطق الجنوب الغربي، والقضاء على العصابات المسلحة والمجموعات الإرهابية والمرتزقة، وعلى الظواهر السلبية من تهريب وتجارة للمخدرات، والأسلحة، والبشر.
وتُعزِّز هذه التطورات من فرضية تحرك حفتر بحذر تجاه طرابلس؛ لأجل إحكام سيطرته على الشرق والجنوب الليبيين، بدعم من حلفائه في القاهرة وأبوظبي، وهو ما يفسر شروعه في الحرب الكلامية ضد الجزائر التي قد تحدّ من طموحاته بتغيير معادلات القوة وفرض واقع سياسي جديد غرب البلاد.
خاتمة
قد تتدهور الأوضاع في أي لحظة، على الرغم من توقيع اتفاق وقف إطلاق نار برعاية الأمم المتحدة بين الكتائب المسلحة؛ نتيجة تناقضات القوى العسكرية الداخلية، ومحاولاتها استثمار هذا التحول في المشهد الأمني والعسكري في طرابلس لصالحها، وتناقض مصالح القوى الدولية والإقليمية.
ساعدت بيئة الانقسام السياسي في ليبيا، وفوضى انتشار السلاح والكتائب المسلحة، والتدخلات الخارجية ذات التأثير المباشر في العملية السياسية، وعجز حكومة الوفاق الوطني عن تحسين الأوضاع الأمنية والاقتصادية والمعيشية للمواطن الليبي في طرابلس، على تكريس واقع أمني هش، قد يدفع بعض الكتائب المسلحة إلى الدخول في مغامرات عسكرية لتعزيز قوتها ونفوذها. وعادة ما يكتوي بنار الاقتتال الداخلي المواطن الليبي.
***
أحمد قاسم حسين ـ يعمل باحثًا في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. حاصل على إجازة في العلوم السياسية من جامعة دمشق، عمل مساعد مدرس في كلية العلوم السياسية بجامعة دمشق قسم العلاقات الدولية. حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة فلورنسا الإيطالية، تتركز اهتماماته البحثية حول العلاقات الدولية.
________________