بقلم فريدريك ويري و عماد بادي
بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية، تواجه مدينة سرت تحدّيات عدة في مجالَي الأمن وإعادة الإعمار. من بين الجيوب التي ترك فيها النزاع ندوباً في المشهد الليبي المتصدّع، تشكّل مدينة سرت الواقعة في منتصف الساحل الليبي مكاناً يسوده شكلٌ متمايز من أشكال اليأس.
الجزء الأول
سرت .. المدينة التي تشغل موقعاً استراتيجياً عند الطرف الغربي من “الهلال النفطي” الغني بالنفط، تقع أيضاً عند خط الصدع الذي يفصل بين الفصائل المتناحرة في ليبيا. لكن في نظر الكثيرين في الغرب، تشتهر سرت على وجه الخصوص بأنها ملاذ للموالين، إذ فرّ إليها الدكتاتور القذافي في آخر أيامه ولقي حتفه هناك خلال ثورة العام 2011.
ثم سُلِّطت الأضواء عليها من جديد عندما باتت المعقل الجغرافي الأقوى للدولة الإسلامية خارج سورية والعراق، قبل طرد التنظيم منها على أيدي القوات الليبية المدعومة من سلاح الجو والقوات الخاصة الغربية في العام 2016.
بعد أكثر من عام على هذا التحرير، دُفعت سرت من جديد إلى الهامش، مايُسبّب الأسى لأبنائها الذين أنهكتهم الحرب. فقد تحوّلت مساحات واسعة في وسط المدينة إلى أنقاض، وأُغلِقت مدارس وجامعات، ولاتزال الألغام والجثث متناثرة في شوارعها وأزقّتها.
لكن الأهم من هذا الدمار المادّي هو الضرر الذي لحق بمؤسساتها السياسية ونسيجها المجتمعي. ومما لاشك فيه أن جزءاً كبيراً من هذا الضرر مردّه إلى الحكم العنيف الذي فرضته الدولة الإسلامية.
صحيح أن التنظيم تولّي بدرجة معيّنة حفظ النظام وتوفير الخدمات، وهو ما كان مطلوباً من أبناء المدينة، غير أنه سرّع في انهيار السلطة القبلية، وقلَبَ المعايير الاجتماعية رأساً على عقب، وتسبّب بنزوح وصدمة واسعَين.
لكن المحن التي تبتلي بها سرت راهناً هي أيضاً، وفي جوانب كثيرة، استمرارٌ للإقصاء المتواصل الذي تتعرض له في مرحلة ما بعد العام 2011، وللجروح السياسية العميقة التي لمّا تندمل بعد.
إرثٌ مرير من التهميش
خلف الصورة النمطية السهلة التي تُلصَق بسرت كمعقل للموالين، للمدينة هويّة وتاريخ معقّدان. يتألف سكّانها الذين يبلغ عددهم 150000 نسمة، من أكثر من 20 قبيلة تُقيم أبرزها، ورفلة والقذاذفة وأولاد سليمان والفرجان، روابط مهمة مع القبائل الأخرى في مختلف أنحاء ليبيا.
لقد كانت سرت، على امتداد قرون، مستعمرة عادية على الهامش تجمعها روابط تجارية واجتماعية مع الجنوب الصحراوي وليس مع الشرق أو الغرب. لكن ذلك كلّه تبدّل مع بدء حكم القذافي في العام 1969.
فقد حوّل القذافي، المولود في قرية قصر بو هادي المجاورة، مدينة سرت إلى جيبٍ للقبائل والنخب المفضّلة لديه، فأغدق عليها بمساكن عامة، وجامعة، وفيلات على شاطئ البحر. وعلى الرغم من أن طرابلس ظلّت عاصمة البلاد، نقل الحاكم الديكتاتوري العديد من المؤسسات الحكومية إلى المدينة، فيما عمل على تعزيز قبيلته القذاذفة، التي كانت صغيرة في السابق، كي تتفوُّق على القبائل الأكبر في سرت.
سدّدت ثورة العام 2011 ضربة كارثية لمكانة المدينة السياسية ونسيجها الاجتماعي. فإلى جانب بلدة بني وليد، ظلّ الجزء الأكبر من سرت موالياً للدكتاتور الليبي وتعرّض لهجوم ضارٍ على أيدي الثوار المناهضين للقذافي بدعم من سلاح الجو التابع لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في الأسابيع الأخيرة من الحرب.
وقد دُمِّرت مساحات شاسعة من المدينة تحت وابل القصف العشوائي، ولاذ آلاف الأشخاص بالفرار. وقد نهب الثوّار المنتصرون المنازل، وأقدموا على توقيف الموالين للقذافي، الفعليين أو المشتبه بهم، وإعدامهم، مستندين في معظم الأحيان إلى معيار أوحد هو انتماؤهم إلى قبيلة القذاذفة أو ورفلة.
والجزء الأكبر من هذا العقاب نفّذه مقاتلون ثوّار من مصراتة، وهي مدينة مرفئية نافذة تقع على بعد 270 كيلومتراً نحو الغرب. ونتيجةً لذلك، نشأ عداءٌ بين قبائل سرت وقوات مصراتة، وتحوّل إلى سمة أساسية في تاريخ المدينة المضطرب بعد العام 2011، فكان أحد الأسباب التي سهّلت صعود تنظيم الدولة الإسلامية.
في الأشهر والسنوات التي تلت الثورة، تحوّلت سرت إلى مكان يعمّه الإهمال والإقصاء واليأس، وتعرّض عددٌ كبير من أعيانها للاستهداف بموجب قانون العزل السياسي، هذا التشريع الواسع النطاق الذي أقرّه المؤتمر الوطني في 2013، وأدّى إلى إقصاء شرائح واسعة من الأشخاص من الوظائف الحكومية مستقبلاً على خلفية انتمائهم إلى النظام السابق.
إضافةً إلى هذا التهميش السياسي، حملت مرحلة مابعد الثورة تغييرات مترامية الأبعاد في البنية الاجتماعية للمدينة، وآليات تسوية النزاعات، والهرميات القبلية.
لقد اتّهم عدد كبير من الأشخاص في سرت المصراتيين بمحاباة قبيلة المعدان، وهي قبيلة محلية من قبائل سرت ذات جذور في مصراتة، بعد تسليم المسؤولية الأمنية إلى ائتلاف ميليشياوي ذي ميول جهادية يُعرَف بلجنة تفعيل الأجهزة الأمنية في مدينة سرت.
ومع تزايد الإجرام والفوضى والخلافات بين القبائل، قدّم هؤلاء الجهاديون أنفسهم في صورة رجال شرطة ومُحكّمي نزاع، وبحلول العام 2013، اندمجوا، بدعمٍ من ميليشيا جهادية مصراتية، مع تنظيم أنصار الشريعة الذي تكوّنَ بصورة مستقلة من الميليشيا التي تحمل الاسم نفسه في بنغازي، والذي انبثق منه تنظيم الدولة الإسلامية في سرت.
صعود الدولة الإسلامية وسقوطها
على الرغم من أن صعود الدولة الإسلامية أثار من حينٍ إلى آخر بعض السجال داخل تنظيم أنصار الشريعة، توجّه قياديون كبار في التنظيم، بحلول صيف 2014، من سرت إلى سورية لإعلان ولائهم للخلافة التي أقامتها الدولة الإسلامية، في حين أرسلت هذه الأخيرة بدورها مستشارين وعقائديين أجانب إلى سرت.
في البداية، ركّزت الدولة الإسلامية على الدعوة والتعليم الديني، مع أنها توسّعت تدريجياً نحو فرض الأمن وتولّي الشؤون القضائية التي ارتدت أهمية نظراً إلى انهيار المحاكم، وبشكل أساسي، ضعف شيوخ القبائل وبالتالي عجزهم عن تأمين الحماية والتوسّط لحلّ النزاعات.
لم تواجه الدولة الإسلامية مقاومة تُذكَر من القبائل المنقسمة في سرت. وتمكّنت، من خلال الدعوة إلى “التوبة“، من تجنيد أفراد من قبائل كانت موالية سابقاً لنظام القذافي – القذاذفة وورفلة والمغاربة – والذين رأوا في التنظيم الجهادي إما مصدر حماية في مواجهة المصراتيين، وإما، في الحد الأدنى، أهون الشرَّين.
وقد امتلأت صفوف الدولة الإسلامية بالمنشقّين من أنصار الشريعة الذين توافدوا بأعداد متزايدة، وبالمقاتلين الأجانب الذين تدفّقوا من العالم العربي والساحل. وبحلول أواخر العام 2015، اكتملت سيطرة التنظيم بعد سحقه تمرّداً أطلقته قبيلة الفرجان، وتوسُّعه نحو بلدات مجاورة.
أحد العناصر الأساسية في صعود الدولة الإسلامية الحرب الأهلية التي اندلعت في ليبيا بين تكتّلَين فضفاضَين من المجموعات المسلّحة:
ـ تحالف فجر ليبيا المؤلّف من الإسلاميين والبلدات الثورية، ومنها مصراتة، وهو يتخذ من غرب البلاد مقراً له؛
ـ وعملية الكرامة المؤلّفة من قبائل شرقية ومناصرين للحراك الفيدرالي، ووحدات عسكرية ناقمة، شكّلت تكتّلاً فضفاضاً في إطار ما عرف بـ “الجيش الوطني الليبي” بقيادة خليفة حفتر.
وبحلول أواخر العام 2014 ومطلع العام 2015، كان النزاع قد شهد وتيرة تصاعدية وتحوّل إلى معركة على المنشآت النفطية في حوض سرت.
جغرافياً، تقطّعت أوصال مدينة سرت بسبب هذا القتال، وتمكّنت الدولة الإسلامية من التوسّع من دون أي عوائق في ظل تركيز الجانبَين بصورة أكبر على الاقتتال في مابينهما.
كانت ميليشيات مصراتة، المتمركزة على مقربة من سرت، في الموقع الأفضل لمواجهة الدولة الإسلامية، إلا أن قادة المدينة المرفئية تخوّفوا من أن يؤدّي أي توسيع لقوتهم العسكرية إلى إضعافهم في مواجهة حفتر، الذي كانوا يرون فيه تهديداً أكبر.
ولم تتحرّك الميليشيات التي يقودها المصراتيون باتجاه سرت إلا في أيار/مايو 2016، بعدما هاجمت الدولة الإسلامية نقاط تفتيش شرق مصراتة وهدّدت بقطع طريقها التجاري نحو الجنوب.
ونظراً إلى التاريخ المضطرب بين سرت ومصراتة، حاول دبلوماسيون غربيون تحويل الحملة إلى مجهود وطني حقيقي من أجل إشراك قوات حفتر، لكنهم لم يفلحوا في ذلك.
وكانت النتيجة إطلاق عملية البنيان المرصوص التي امتدّت لستة أشهر، وحظيت بدعم من سلاح الجو الأميركي وعدد من قوات العمليات الخاصة الغربية، ولقي مايزيد عن 700 مقاتل مناهضين للدولة الإسلامية، ومعظمهم من مصراتة، مصرعهم في المعارك.
وقد شُنَّت العملية تحت السلطة الاسمية لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس التي تحظى باعتراف دولي، بيد أن عدداً كبيراً من وحدات القتال ضد الدولة الإسلامية أبدى، بصورة مطّردة، حذره من الحكومة، وأظهر بعضها عداءً علنياً لها.
وتجدر الإشارة إلى أن الهجمات الجوية والمدفعية تسبّبت بإلحاق أضرار كبيرة بشاطئ سرت ووسط المدينة، حيث كانت للدولة الإسلامية محطة أخيرة، مع أن عدداً من مقاتلي التنظيم كانوا قد فرّوا من المدينة قبل انطلاق الهجوم.
وفي حين أن أعداد الضحايا والإصابات في صفوف المدنيين كانت متدنّية وفق ما أُفيد، تسبّبت الحملة بنزوح الآلاف داخل المدينة وخارجها.
وكما كان متوقّعاً، تخوّفت بعض قبائل سرت التي كانت موالية لنظام القذافي من تكرار التجاوزات التي ارتكبتها ميليشيات مصراتة في العام 2011، فغادرت المدينة. لكن، وباستثناء بعض التقارير المتفرّقة عن حدوث أعمال نهب، لم تصل الانتهاكات إلى الدرجة التي كان يُخشى منها.
…
البقية في الجزء الثاني
***
يستند هذا المقال بشكل أساسي إلى العمل الميداني والمقابلات التي أجراها المؤلّفان في سرت.
فريدريك ويري ـ زميل في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. متخصص في التحولات في مرحلة ما بعد النزاعات المسلحة ، والجماعات المسلحة ، وسياسات الهوية ، مع التركيز على ليبيا وشمال أفريقيا والخليج.
عماد بادي ـ خريج إدارة الأعمال. عمل عماد كمدرب دولي للمهارات الخفيفة، ركز على إشراك الليبيين في حل النزاعات عن طريق الحوار من خلال عمله في المجتمع المدني، فهو الرئيس التنفيذي لمشروع سيلفيوم (منظمة ليبية غير حكومية) تسعى لتعزيز المساواة بين الجنسين والدعوة لمشاركة المرأة في حلول بناء السلام.
____________