بقلم علي عبد اللطيف اللافي
عرف المشهد الحزبي في ليبيا ما بعد انتخابات جوان 2014، تغيرات كبيرة على اعتبار ترتبات الصراع، وقد كانت التغييرات نوعية نتاج الأحداث والمنعطفات التي عرفتها الحياة السياسية بعد أمضاء اتفاق الصخيرات في صائفة 2015
الجزء الثاني
ثالثا: أنصار القذافي
وجد أنصار القذافي منتصف 2014، أملا في العودة من بعيد عبر دعمهم الخلفي لللواء المتقاعد خليفة حفتر بشكل مؤقت في انتظار تطور الاحداث والذي اعتمد على ضباط سابقين والذي كانت استراتيجيته المرحلية سنة 2015، السيطرة على مدينة بنغازي في انتظار تطور الأوضاع إقليميا،
وعمليا وظف حفتر شعور انصار القذافي بالهزيمة وخاصة المتمركزين في تونس ومصر، وهم الذين مكثوا في البداية ينتظرون وعن قرب يراقبون ويتربصون، ثم وجدوا في ظهور الخلاف داخل تيار فبراير متنفسا لهم،
فبدأوا بالمجاهرة بذلك حتى انهم أعلنوا تمسكهم بنظامهم السابق في صائفة 2013 مع الظهور القوي للثورتين المضادة في تونس ومصر وخاصة بعد الانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي، وتجلى ذلك بوضوح من خلال الملتقيات والمسيرات في بعض مدن مختارة بدراسة ودراية.
ورافق ذلك ظهور وعودة قنوات إعلامية محسوبة عليهم فتواصلوا معها فمولوها وخدمتهم تواصليا عبر ترذيل تيار فبراير، ثم أعلنوا لاحقا عن بعض التنظيمات السياسية على غرار:
أ– الجبهة الشعبية الليبية
وهو تنظيم اتخذ من مصر مقرا له وكان يسمى “الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا”، وقد أعلنت عن نفسها في عام 2014 قبل ان يتم تغيير تسميتها بـــ”الجبهة الشعبية الليبية” مع بداية 2017، وهو تنظيم اختار “سيف القذافي” زعيما له رغم انه يومها مازال في الأسر (لم يقع إطلاق سراحه الا في 10 جوان 2017)، ورغم أن وضعه الصحي يُعيقه عمليا في لعب دور سياسي وسيكتفي حسب البعض الآخر بالتوجيه ودعم المصالحة الوطنية المرجوة ومع ذلك فان هذا التنظيم قد يرشح مستقبلا للعب أدوار سياسية مستقبلية وخاصة في ظل دعم الجنوب الليبي وقبائله وأهاليه…
ب– حركة النضال الوطني
وهو فصيل يدعمه “أحمد قذاف الدم”، المقيم في مصر، وقد التف حوله الكثير من أنصار القذافي وخاصة من الضباط السابقين في جهاز الأمن الخارجي في البداية قبل ان تحدث داخله خلافات كبيرة وبقي مسمى حزبي بدون مضمون..…
ت– جبهة الخلاص الوطني
هو فصيل كان يتخذ من الجزائر مقرا له تدعمه عائشة القذافي، وتم الإعلان عنه خلال سنة 2015 ويهدف الى عودة نظام اسرة القذافي تحديدا ويقدم سيف كحاكم لليبيا الجماهيرية الجديدة، وقد أكد البعض أنه غير من استراتيجيته منذ بداية 2017 وعمليا لم تعد له أي أنشطة تذكر.
ث – تجمع الوحدة الوطنية
يبحث العديد من وجوه النظام السابق على غرار محمد الشريف (الرئيس الأسبق لجمعية الدعوة الإسلامية العالمية) وجادالله عزوز الطلحي وعبدالحفيظ الزليطني و سليمان الشحومي منذ مدة عن تأسيس تكتل سياسي تحت مسمى “تجمع الوحدة الوطنية” ومعهم عددا من السفراء السابقين وضباط الامن الداخلي والخارجي السابقين ولكن لم يتم رسميا الإعلان عنه مع أن مصادر إعلامية أكدت أن الأعضاء المؤسسين يدعمون ترشح محمد الشريف للرئاسيات القادمة باسم التكتل السياسي الجديد مع أن البعض من مسؤولي النظام السابق يدعمون محمد الزوي في بعث جسم سياسي والترشح أيضا للرئاسيات.
ج – تكتلات صغيرة
يصطف بقية أنصار القذافي في تكتلات سياسية صغيرة على غرار “الحراك الوطني من أجل ليبيا” إضافة الى تكتلات أخرى صغيرة لم تُعلن عن نفسها بعد وعموما يخلط أنصار القذافي والمنقسمون على أنفسهم، بين السياسي والقبلي حتى أنهم قبل تأسيس التنظيمات الثلاث سالفة الذكر حيث ركبوا موجة دعم ما يسمى بمؤتمر القبائل والمدن الليبية والذي يبدو ظاهريا أنه يشمل كل المدن والقبائل الليبية،
ويخطأ من يعتقد أن أنصار القذافي هم وحدة متكاملة أو أنهم من الممكن أن يشكلوا حزبا سياسيا بالمعنى الكلاسيكي أو أن ذلك الحزب أو تنظيماتهم قابلة للعيش مطولا أو أنهم من الممكن أن يبقوا تحت جبة حفتر لسنوات.
رابعا: القوميون
غابت القوى القومية العربية في ليبيا منذ بداية الثمانيات نهائيا نتاج ذوبان التيارين الناصري (نسبة لجمال عبدالناصر) والعصمتي (نسبة لعصمت سيف الدولة) في أجهزة القذافي وحزبه الحاكم أي اللجان الثورية ونتاج ذلك أصبح النظام محسوب على القوميين، أما البعثيين فقد قمعهم القذافي بشدة ولاحقهم فردا فردا عبر الترغيب والترهيب وعبر سياسة الاغتيالات في الخارج وفي السجون على غرار “منصور الكيخيا” و”عامر الدغيس” وآخرين.
ويبقى التحدي مطروحا على القوميين في ليبيا في ضرورة تقييم الشباب القومي الجديد لمسيرة التيار في ليبيا والمنطقة ككل أي ضرورة تبني فكرة التوحيد بين فصائله والتمايز البناء بين مختلف المكونات و التموقع بين الليبراليين والإسلاميين بحيث لا يقع توظيفهم من هذا الطرف أو ذاك أو على الأقل وفي حد أدنى قيادة “التيار الديمقراطي الاجتماعي”.
إضافة الى الاستفادة من الروح القومية لعديد من القبائل، وتجنب ما حصل لتنظيمات قومية في بلدان أخرى والتي أصبحت تدور في رحى قوى إقليمية على غرار العلاقة بالإماراتيين وأيضا بالإيرانيين.
كما أنّ طبيعة التطوّرات الإقليمية ستؤثر على واقع وتطور التيار القومي المغاربي عموما وخاصة ترتيبات ما يحدث في سوريا واليمن ومصر، وخاصة تطورات الأحداث الأخيرة في سوريا في هذا الاتجاه أو ذاك
خامسا: اليساريون
تميز واقع اليسار الليبي منذ منتصف السبعينات بالغياب الكلي والاندثار بعد سحق تنظيماتهم التي كانت قوية في الستينات رغم محدودية العناصر المنتمية اليها وبعد ثورة فبراير تكرّس ذلك الغياب رغم وجود شخصيات معروفة على غرار محمود شمام الا أن اغلب تلك الشخصيات أصبحت ليبرالية التوجه السياسي وفي قراءاتها للساحة المحلية والإقليمية والدولية وبشكل عام يصعب حتى في المستقبل تواجد تنظيم يساري فاعل هذا إذا ما فترضنا أنه أمكن عمليا بناءه التنظيمي.
سادسا: الأحزاب الوسطية
عمليا تحولت الوسطية في ليبيا مثل كل البلدان التي تعيش مرحلة الانتقال الديمقراطي إلى حصان طروادة، فهناك عديد التحالفات التي تصبغ نفسها بالوسطية:
أ– يسار الوسط وهو المتكون من أحزاب صغيرة هي أقرب لليسارية والليبرالية منها للوسطية كما أنها أحزاب ذات أبعاد عشائرية وقبلية من حيث التركيبة والتسيير…
ب– وسط اليمين وهي أحزاب تقيم تحالفاتها بناء على قراءة الواقع من زاوية الفرز السياسي الذي أفرزته الانتخابات الأخيرة (يونيو 2014)، وهي أحزاب وقوى اجتماعية متواجدة أساسا في الجهة الشرقية بالأساس مع وجود أخرى في الجهة الغربية .
ت– أحزاب أخرى ، نظرا لتعدد الأحزاب وما آلت إليه نتائج انتخابات 2014 أو انتخابات هيئة الستين وأمام تعدد الأحزاب عدديا (70 حزبا تقريبا من بينها 9 فقط تنشط إعلاميا وسياسيا) وغلبة الاجتماعي والقبلي على السياسي، ستواصل الأحزاب الوسطية والليبرالية العمل على بناء انصهارات أو اندماجات أخرى إلا أنها إعلاميا ستبقى بعيدة عن الأضواء وستتلاشى عمليا قبل وبعد الانتخابات القادمة رغم أن بعضها قد يعود للواجهة في المناسبات.
سابعا: تجمعات سياسية هجينة ايديولوجيا
تشكلت بعد انتخابات جوان 2014 عددا من التجمعات أو التكتلات السياسية وبعضها ضم في تركيبته عددا من المكونات والشخصيات من مختلفي المشارب الايديولوجية ومن أهم تلك التكتلات السياسية:
أ– حراك نعم ليببا وهو حراك جديد، يضم مجموعة من “أتباع القذافي” و”أتباع فبراير”، في محاولة لتجاوز الانقسام والاستفادة من المساحة البينية المتروكة، وهو حراك يضم شخصيات ليبرالية ولكنه حراك نخبوي ويبقى مستقبله رهين التطورات المحلية والإقليمية.
ب– التكتل الوطني الديمقراطي تجمع سياسي يقوده القيادي الاسلامي المعروف الدكتور “علي الصلابي” والذي استطاع أن يضم لهذا التكتل السياسي إسلاميين وليبراليين وبعض من أنصار النظام السابق، وهو تكتل راهن خلال الفترة الماضية على التدريب السياسي والتكوين في مختلف المجالات وهو تكتل سياسي محسوب على قطر من حيث الاصطفاف الإقليمي.
ت– الحراك من أجل ليبيا وهو تجمع سياسي أغلب قياداته موجودة في المهجر وخاصة في تونس، يضم وجوه ديبلوماسية من العهد السابق وبعض الباحثين في الشؤون الافريقية وبعض المسؤولين الإداريين والأمنيين السابقين .
ث– تجمعات سياسية أخرى وهي التجمعات السياسية الأخرى التي تضم شخصيات ليبرالية من حيث التكوين والتوجهات، سواء منها ما هو تحت التأسيس على غرار تجمع القوى الوطنية بقيادة محمد الشريف رغم أنها في ظاهرها جمع لأنصار القذافي، وهناك تجمعات هي خليط بين السياسي والاجتماعي على غرار “حراك اصلاح ليبيا” و”الحراك الوطني من اجل ليبيا” و”حراك ليبيا حلها الشباب” و”حراك ليبيا الى السلام”.
أفق المشهد الحزبي الليبي قبل الانتخابات القادمة
يعرف الجميع أن المراحل الانتقالية تتميز بسرعة التحولات التي تمس المشهد السياسي وخاصة الحزبي منه، من حيث تعدد المحطات الانتخابية فمن انتخاب إلى آخر تعيد الخارطة الحزبية التشكل فتظهر أحزاب جديدة وتختفي أخرى وتجرى و بشكل كبير وموسع عددا من التحالفات وعمليات دمج بينما تتفكك أحزاب أخرى بناء على النتائج والترتبات والمتغيرات الإقليمية والدولية.
ولا يختلف اثنان في أن المشهد الحزبي الذي أفرزته الانتخابات التشريعية السابقة مصحوبا ومتماه بمشهد مواز أفرزته الصراعات والترتبات الإقليمية وخاصة الأزمة الخليجية وقبلها الانقلاب العسكري في مصر ومجريات الأحداث في سوريا…
***
علي عبد اللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي تونسي مختص في الشؤون الافريقية
_________________