بقلم زهرة سليمان أوشن
( الإسلام والاستبداد السياسي ضدان لا يلتقيان , فتعاليم الدين تنتهي بالناس إلى عبادة ربهم وحده , أما مراسيم الاستبداد فترتد بهم إلى وثنية سياسية عمياء ) .
بهذه الكلمات افتتح العلامة محمد الغزالي الحديث في مقدمة كتابه : ( الإسلام والاستبداد السياسي ) .
وهو كتاب جليل يقع في 223 صفحة , تناول فيه الغزالي ظاهرة الاستبداد السياسي التي عصفت ببلداننا واستوطنت فيها منذ عقود عديدة وأعواما مديدة , تلك الآفة القاتلة للهمة الملوثة لوعي الشعوب والتي تحول الشعوب إلى قطعان من الأذلاء في حظيرة الحاكم المتسلط الذي يرى أنه صاحب الحق في السيطرة على مقدرات البلاد واستعباد العباد .
ويحلل الغزالي من خلال موضوعات هذا الكتاب أسباب الاستبداد السياسي , مؤكدا أن مباديء الإسلام وقيمه ترفض أي نوع من أنواع الاستبداد , فهو يقوم على قيم العدل والحرية التي تناقض الاستبداد جملة وتفصيلا , وبالتالي فهو يرفض رفضا قاطعا أي مشروع سياسي يقوم على قمع الحريات ومصادرة الحقوق وتسلط الحكام واستعباد الشعوب , ومن تم فلا مشروعية لمثل هؤلاء القاعدين والداعمين للهيمنة واحتكار السلطة ولا حجة لهم في أعمالهم ومواقفهم المصادرة لحق الإنسان في التعبير والعيش الكريم .
حتى لو ارتدوا ثوب الدين ومكنوا لسلطانهم من خلال سدنة حرفوا الآيات عن مواضعها وتلاعبوا بالنصوص الشرعية لصالح أسيادهم وخدمة لأغراضهم الدنيوية القاصرة , فالإسلام براء من هؤلاء وأمثالهم في كل زمان ومكان وما هم إلا أدعياء ما عملوا بمنهجه ولا التزموا أوامره .
وبمرونة وعمق فهم الغزالي للإسلام ومقاصده يؤكد في كتابه هذا على أنه من الواجب الاستفادة من الآليات المعاصرة في إدارة الحكم والأساليب التي وصلت لها أمم الأرض في تنظيم الدولة وتحديد صلاحيات الحاكم وطرق انتخابه حتى لا يحدث الطغيان ونقع في براثن الاستبداد الفردي , وها هو يشير في مقدمته إلى الدساتير ودورها في إرساء منظومة عادلة تحقق لشرائح المجتمع كآفة قسطا وافرا من الحقوق وتضع معاير للعلاقة بين الحاكم والمحكوم ,
فيقول عنها : ( حقا إن الدساتير والقوانين تأتي في المحل الثاني بعد تهذيب النفس وترقية الضمير , غير أن مجيئها في المحل الثاني لا يعني إلغاءها أو الغض من أثرها فإن القيمة الذاتية لهذه الدساتير , ونبل الفكرة التي أوحت بوضعها, وخبث المؤامرات التي حيكت لتعطيلها , وعظم الفائدة التي تتحقق من رعايتها , لدين الله ولدنيا الناس معا … ذلك كله كان يوجب على العاملين للإسلام أن يحددوا موقفهم بإزائها وهو موقف يستحيل أن يكون في مصلحة المستبدين , اللذين يؤسسون أمجادهم على امتهان الجماهير والعبث بمصالحها . ) , ثم يتساءل مستنكرا ,,, ( وإذا لم يسمع صوت الدين في معركة الحرية فمتى يسمع ؟ وإذا لم ينطلق سهمه إلى صدور الطغاة فلمن أعده إذن ؟؟ ) ,
وفي كلمة جامعة وعبارة مؤجزة يقول الغزالي : ( إنني – في هذا الكتاب – أنصف الإسلام , وأدمغ الرجال المفرطين في حقه وإن انتموا له وأريد أن يدرك العاملون في مختلف الجماعات والهيئات الإسلامية أن خدمتهم لدينهم لن تتم ولن تخرج ولن تسير في صراط مستقيم إلا إذا نضج في أذهانهم الفهم السليم لحقوق الإنسان , وأكتمل في صفوفهم الدفاع العنيف عنها .. ) .
وقد قسم الشيخ الغزالي كتابه هذا إلى سبعة أبواب , وخاتمة .
في بابه الأول المعنون ب ( مكمن الداء ) , يبحث الغزالي في جذور الاستبداد ويحاول أن يكشف عن بذوره ويحلل تربته التي يتغدى منها , فيؤكد أنه يقوم على قيم منحرفة ضلت السبيل عن تعاليم الإسلام الحنيف , فقامت في أراضيه حكاما خرجوا عن حدوده و أخلاقه وساروا بسيرة الجبابرة الظالمين وعندها آزر الفساد الاستبداد وقوى كلا منهما الآخر , يقول الغزالي : ( الفاسقون عن أمر الله من ولاة لما استبدوا واستعبدوا عرفت الرعية عنهم الكثير من المناكير , ثم ابتلعت ما عرفت أو تناجت به في خفوت , ) , لذا يرى أن الدواء في استصال الفساد وأخلاقه المنحرفة فيقول : ( إن تنظيف العالم الإسلامي من الغرور والغش والادعاء , ومن السرقة والنهب والاستعلاء , كفيل باجتثات جذور الاستبداد , وإزاحة الدين والدنيا من ويلاته ,, ) .
وفي مبحثه هذا يحاول الغزالي بقلمه الناقد أن يضع خصائص لطبيعة الحكم المطلق الذي هو أس الاستبداد وعموده المتين , فيلخصها في ثلاث خصائص هي .
أولا : الكبر أو ما أطلق عليه : ( كبرياء فرد )
إنه كبر هؤلاء الرؤساء الفجرة المستبدين المتألهين , يحدثنا الغزالي عن هذا الكبر وتقاليده , فيقول : ( وللكبر إذا حكم تقاليد تحتضنه كما أن للعهر إذا شاع أسرا ترتزق به .. وكبرياء الحكام ترمز إلى ضرب من الوثنية السياسية له طقوس ومراسيم يتقنها الأشياع , ويتلقفها الرعاع على أنها بعض من نظام الحياة الخالد مع السماوات والأرض ) .
والكبر الفردي الطاغوتي سرطان يمتد يبتلع مساحات الإنسانية في الآخرين الذين لايراهم إلا صغارا لا يستون إلا بالاستناد إليه والعيش في ظله الوارف , يقول المؤلف الجليل , : ( وحيث يسود الحكم المطلق تنتقص الإنسانية من أطرفها , بل من صميمها , وذلك أن الله خلق البشر آحادا صحيحة وجعل لكل أحد منهم مدى معينا يمتد طولا وعرضا , فإذا عن لأحدهم أن يتطاول وينتفخ ويتزيد , فعلى حساب الآخرين حتما .,, ومن هنا نجد من حوله أنصاف بشر أو أرباع بشر ,, أصبحوا كسورا لا رجالا سواء , وما نقص من تمام إنسانيتهم أضيف زورا إلى الكبير المغرور , فأصبح به فرعونا متألها بعد ما كان فردا كغيره من عباد الله .. ) .
ثانيا: الرياء بين السادة والاتباع
العمود الثاني من أعمدة البناء لنظام الحكم المطلق , هو الرياء الذي يؤدي إلى انتشار النفاق في المجتمع وفشو ظاهرة التصفيق للحاكم , يقول المؤلف : ( كما ينبت الشرك في أحضان الوثنية ينبت الرياء في ظلال الكبر , وحيث يوجد السادة المستكبرون يوجد الأتباع المتملقون والأشياع المراءون , وجو الحكم المطلق أحفل الأجواء بجماهير العبيد الراضخين للهون عن طواعية أو كراهية ) ,,
وينقلننا الغزالي نقلات عبر الزمن الماضي والمعاصر لينقل لنا مواقف توشح فيها أصحابها بالنفاق وتدثروا بالرياء ,فنفثوا تزلفا وكذبا وزينوا لأهل الباطل المستبدين سوء أعمالهم , فإذا بك لا تبصر إلا قبحا ولا تستنشق إلا ريح السموم .
لا غرو أن يشن القرآن الكريم على هذه العلاقة المشينة بين السادة والاتباع القائمة على الظلم و التكبر من جهة وعلى الرياء والتبعية العمياء من جهة أخرى .
وفي هذه البيئات الملوثة ينتشر التطبيل والتزمير , المديح والمبالغات للسلاطين والأمراء , وقد ضرب لنا الغزالي أمثلة من التاريخ ماضيا وحاضرا من تلك الجوقات المتعددة الألوان والأشكال والتي لا عمل لها إلا التزين للباطل واًصحابه .
يقول الغزالي حول هذه الأجواء الملوثة : ( عندما تفسد الدولة بالاستبداد , وعندما تفسد الأمة بالاستعباد , يعتبر الريا , هو (( العملة )) السائدة وقاعدة تقريرالأمجاد لطلاب المجد الكاذب وتقريب المنفعة الزئلة , وهو حينئذ خلق السادة والعبيد ) .
ثالثا : ( تبذير .. من أقوات الشعب )
أما ثالثة الأثافي وجوهر المنظومة البشعة للحكم المطلق , فهو السرف والترف , معاملة المال العام وموارد الدولة وكأنها ملك للحاكم المتسلط وزمرته الفاسدة , وكلا يأخذ بغيته كما يشاء ومتى وكيفما شاء من عرق وتعب الشعب المسكين الذي ابتلي بهم .
يقول المؤلف في هذا المبحث : ( ومن خصائص الحكم المطلق السرف الشديد على شخص الفرد الحاكم ومن يمت إليه بنسب أو يواليه بنصر , فترى شهوات الغي – في البطون والفروج – مشبعة , ومضلات الهوى مسيطرة على المشاعر والنهى , وعبء هذه النزوات يقع على عاتق الخزانة العامة وحدها , فإن الاستبداد السياسي لا يبالي من أين أخذ المال ولا أين يضعه ) .
وبعد هذا التحليل العميق والغوص في أسباب هذا الداء العضال الذي اسمه الاستبداد السياسي , يستمر الغزالي رحمه الله ,في رحلته التشريحية حول هذا الموضوع , ويفتح أبوابا لمواضيع مختلفة متعلقة بهذا البحث , يزيل الران ويصحح المفاهيم , ولعل من القضايا المهمة التي طرحها في هذا الكتاب , مفهوم الشورى , حيث خصص له بابا كاملا تحت عنوان : ( الشورى والاستبداد ) ,, وفيه طاف بنا حول الشورى مفهوما وقيمة , طبيعة ودورا , ليؤكد عبر الآيات القرآنية والسنة النبوية أن الشورى مبدأ إسلامي أصيل وقيمة عريقة تؤصل لحكم رشيد وترسخ قيم العدل والحرية والمساواة ,
ولعلي اكتفي بعبارتين من عباراته حول هذا المبدأ حيث يقول: ( ليس لمخلوق أن يفرض على أمة رأيه , وأن يصدر في أحكامه واتجاهاته عن فكرته الخاصة غير آبه لمن وراءه من أولي الفهم وذوي البصيرة والحزم , ومهما أوتي رجل من زيادة في مواهبه , وسعة في تجاربه , وسداد في نظره , فلا يجوز أن يتجهم لللآراء المقابلة , ولا أن يلجأ لغير المناقشة الحرة والإقناع المجرد , في ترجيح حكم على حكم , وتغليب رأي على رأي ) ,
ويقول أيضا : ( لقد تعلم المسلمون من دينهم أن طغيان الفرد في أمة ما جريمة غليظة , وأن الحاكم لا يستمد بقاءه المشروع , ولا يستحق ذرة من التأييد , إلا إذا كان معبرا عن روح الجماعة ومستقيما مع أهدافها .,, ومن تم فالأمة وحدها هي مصدر السلطة , والنزول على إرادتها فريضة والخروج على رأيها تمرد , ونصوص الدين وتجارب الحياة تتضافر كلها على توكيد ذلك ) .
ويمضي الغزالي في مسيرته النيرة في هذا الكتاب ,ففي الباب الثالث الذي عنونه ( الأديان والحرية ) , يبدأ حديثه عن الحرية فيقول : ( الحرية صدى الفطرة ومعنى الحياة , يشب المرء وهو يحس بأن كل ذرة من كيانه تنشدها وتهفو إليها , وكما خلقت العين للبصر والأذن للسمع , وكما خلق لكل جارحة أو حاسة وظيفتها التي تعتبر امتدادا لوجودها واعترافا بعملها ,, كذلك خلق الإنسان ليعز لا ليذل , وليكرم لا ليهون , وليفكر بعقله, ويهوى بقلبه , ويسعى بيده , ويكدح بيده , لا يشعر وهو يباشر ذلك كله بسلطان أعلى يتحكم في حركاته وسكناته إلا الله الفرد الصمد ورب الناس أجمعين ) .
ومن خلال جولة مكوكية في النصوص الشرعية والاستقرأ التاريخي يؤكد الغزالي أن الإسلام دين الحرية , وأنه دعى إلى تحرير الإنسان من صور الاستعباد كآفة , وينقلنا الكاتب عبر القصص القراني لمشاهد من رحلات المرسلين الدعوية مع أقوامهم , ليرصد من خلالها مواقف المستكبرين في مواجهة دعواتهم ,, ليصل بنا عبر هذه الجولة إلى نتيجة مفادها : أن الاستبداد هو العدو الأول الذي وقف سدا في مواجهة المرسلين والمصلحين وحاول منعهم من أداء رسالتهم , فالمتكبرون والجبابرة يحرصون على بقاء رعاياهم تحت سطوتهم والإسلام يكسر أغلال هؤلاء ويحررهم من قبضة المتسلطين المستعلين على عباد الله ,
يقول المؤلف رحمه الله : ( في القرآن الكريم تفصيل لحقيقة الدعوة إلى الله , وتأريخ لسير هذه الدعوة وبيان لما أصاب حملتها عندما قاموا بحق الله عليهم في إبلاغ رسالتها إلى الناس ,,, واستقرأ أحوال الأنبياء مع أقوامهم يؤكد حقيقة واحدة , لم تزدها الأيام إلا صدقا , وهو أن الاستبداد الأعمى عدو لله , وعدو رسله, وعدو الشعوب, وأنه لا قيام لحق في هذه الحياة إلا إذا طمست صور هذا الاستبداد وسويت به الأرض ومشت عليها الأقدام ,,, وقد ظهر أن تفكير المستبدين واحد على اختلاف العصور , وأنهم لا يتركون غرورهم مهما تلطف المصلحون معهم ) .ويمضي بنا الغزالي في رحلته الماتعة الفيدة مع مباحث متعددة العناوين هي : القتال / الرقيق /أشعة الحرية / عبر من الماضي .
وفي كل هذه المباحث يحلق بنا في أجواء من الفكر النير, يصحح المفاهيم , ينير الدرب بالبراهين , يؤصل ويستقريء , يرصد ويعلل ,يرد على الشبهات , ينقل إلينا مشاهد من التاريخ وصورا من الأحداث , يقدم إضاءات حول النصوص الشرعية والأدلة العقليه والمقدمات المنطقية ويتحفنا بقصص وحوارات أدبية ,
ليؤكد بعد كل هذه الجولة على خطورة الاستبداد السياسي , وأنه أس كل استعباد وفساد , وظلم وهوان , وقمع وإذلال , وأن العداء بين الإسلام والاستبداد السياسي من أوضح الواضحات , وأن القطيعة بينهما لا سبيل معها لوصل أو تقارب .
فالإسلام دين يدعو للعدل والمساواة , يقول الله في كتابه : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ,,, ) النحل 90 , وهو رسالة تحرر الإنسان من العبودية لغير الله تعالى , فالله عز وجل يريد الإنسان عزيزا كريما لا عبدا ذليلا , لذا فهو يأمر اتباعه بمواجهة المستكبرين ويحرضهم على الوقوف في وجوه الظالمين , ويضاعف الأجور للمجاهدين في سبيل إعلاء كلمة الحق ونشر قيم الحرية والإنصاف .
وأختم هذا الملخص لهذا الكتاب الرائع , بعبارة جامعة منه يقول فيها مؤلفه الشيخ الغزالي : ( إني لا أعرف دينا صب على المستبدين سوط عذاب , وأسقط اعتبارهم , وأغرى الجماهير بمناوأتهم , والانتقاض عليهم كالإسلام ,,, ولا أعرف مصلحا أدب رؤساء الدول وكبح جماحهم وقمع وساوس الكبرياء والاشتهاء في نفوسهم كما فعل ذلك نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم , لقد كسر القيود وحرر العبيد, ووضع التعاليم التي تجعل الحاكم يتحرى العدل والمحكوم يكره الضيم .
أجل لقد فعل ذلك كله , وليس يغض من حقيقته عمق الفجوة بين الحاكم والمحكوم في بلادنا المريضة المهيضة ؛ البلاد التي لا تعرف اليوم أترف من أمرائها وأتفه من فقرائها ).
***
زهرة سليمان أوشن ـ باحثة ليبية
___________