بقلم عبد المطلب الوحيشي

بعد المعذرة عن طول المقالة … فهي إلى المهجرين … لكم أنتم … الذين أخرجتم من ديار بنغازي .. وإلى أولئك … الذين ظاهروا على إخراجكم .. لربما ينبض لهم عرق !

***

دعني أخبرك عن الذين تنكرت لهم … أخوتك وأصحابك … أهلك وجيرانك …رفاقك وصحبك … الذين تعرفهم أكثر من نفسك … دعنى أخبرك عنهم
هم أبناء مدينتك … الذين سُلبت أرزاقهم ، وهُدمت بيوتهم ، واغتصبت أملاكهم…
وهم الذين رضيت بتهجيرهم، وهم الذين خذلتهم … وهم الذين ناصرت الظلمة عليهم..

لكن قبل ذلك ….أقول لك

إن إنتماء المرؤ لا يقدم ولا يؤخر في الفضل أو السبق ولا يزيد في شأنه أو رفعته عند الله سبحانه .. وإنما هي أفعال وأقوال وأعمال ومسلك…
يا أيها الذي أضاع الطريق …. لا ينفع الأنسان أن فسدت مقاصده في أن يكون من الإخوان المسلمين ولا أخوان سنوسية أو حتى من أخوان الرحباني !

والآن أقرأ… أقرأ مقالة مشفق … وأسمع تذكرة ناصح .. لعل قلبك يخفق … ولربما دمعتك تسيل !

فهذه قصة ”مهجري بنغازي“ مختصرة جداً… أحداثها، نفس أحداثك … قصتهم مرآة تعكس أيامك وأعوامك…

ولدوا كأسلافهم وأسلاف أسلافهم وعاشوا في ”كوة الملح“…منذ عقود وعقود وعقود..
من لدن (يوسبريدس) ، إلى برنيق ، من بني سليم وبني هلال… تحفهم بركة الولي الصالح

قطعت لهم الصرة ”خيرية..، و“قلعت النفس“ لهم ”بنت عنان..وكتب لهم الفقي (ماماش) حجاب ”القبول“
وزار ذكورهم ”سي أبريك الطهار“ فأصبحوا على السنة
مشطت بناتهم عقائص مدهونة بزيت الزيتون و ”المرون..
و“تكحلت عيونهن بكحل ”هندي..ولعبت الصغيرات ”بالخلالات“ و“النقيزة!

وأصابهم مثلك ”الجليجلو“ و“النمنم“ … فأرسلت كل أم صغيرها وبنتها إلى من كانت ”نافس“ لتحلب في عيون البعض .. وصر كل واحد منهم ”فحمة ونص قرش في خرقة“ ليرميها في جانب الزقاق.
واستنشقوا هواء “السيكام.. وظللت سماؤهم “أسراب “البوحوام” و”الخليش” و”أم بسيسي.

هم الذين جلسوا في الخلوات وجلدتهم ”فلقة الفقي“، وتعلموا الحرف والرقم في ”المهدوي“ و“بن عيسى“ و“بنغازي“ و“التوريللي“ و“سي سالم“ و“الأمير“ و“الأميرة..هم الذين مسحوا اللوح في ”جامع تفاحة“، و“كاربنيري“، و“المسطاري“ ومساجد المدينة.

دخلوا مثلك ”للبرنتشي“ و“٩ أغسطس“ و“الشرق“ و“النهضة“ و“الهايتي“ و“ليبيا“…صفقوا مثلك ”للبطل“ وهاموا مثلك في ”الفرخة“…و صنعوا سيوفاً مثل سيف (سبارتكوس)، …كرهوا مثلك صورة (ترا فاصوليا) واحتفظوا بصورة (الهندياني) واتعبهم البحث عن صورة ”جوني كوبر.

اشتروا ”فخاخاً“ من سي (علي بابا) و“النجار“…ونصبوها في ”الخربة“ وخافوا من (ضو السكار).

وضعت أمهاتهم ”القهوة“ على ”فجخات الرأس“ مرات لاتحصى … و تحملت نفس الرؤوس ”بخاخة الفليت“ من مفتشي الصحة المدرسية … واشتروا أول ”كاويش“ من ”سي حسين أعبيدة“، و“العفاس..وتزينت بناتهن ”بماكسي“ من ”هندام.

انتشوا بالمولد و”البغدادي“، وصدحوا حتى الثمالة ”يا حمامة يا برية“ وراء ”الشيخ مرسي..وحفظوا عن ظهر قلب كل ماغناه ”سويدة“ و ”سي علي.. و“الهتش“ و“احميدة درنة..ورددوا أغاني ”ديمس روسوس“ و“بيري وايت..

هاموا في ”الأهلي“، وعشقوا ”النجمة“، ولعبوا ”للهلال“ وصفقوا ”للنصر“ وهتفوا لنمر ”التحدي..زعلوا ”لاعتزال ”المكي والشريف“، …واشتروا مثلك ”كرة عشر قروش“ واختارو فريق الشارع، ولعبوا في كل ”تركينة.

كبرت شنباتهم مثلك … وربى كل منهم ”وشكة“ فوق رأسه .. ووضعوا مثلك نقطاً من ”البوطاس“ على سروايل ”الجينز“ الوحيد.. فتحوا قمصانهم عند مرور بنات ”خديجة الكبرى“ و“بنغازي“ و“النموذجية.. اشتروا من سي ”عوض كشلك“ دليل ”الف رسالة حب“، و“تعلم الإنجليزية في ثلاثة أيام..

شاهدوا مثلك فيلم (قصة حب) عدة مرات، وأخفوا دموعهم حينما ماتت (جيني) وكتبوا بالإنجليزية على كل كراساتهم مقالة حبيبها (أوليفر): ”الحب أن لا نقول أبداً أننا آسفون!

تقشرت جلودهم من ملح ”الشابي“ و“المنقار“ و ”جليانة“… لم يتخلوا أبداً عن سندوتشات ”سي زايد“ و ”سي خليفة“ و“اشتيوي“ و“أحميدة فاصوليا“… ولن تخطئ العين وقفتهم في ميدان ”الشجرة“ وعند ”الرياضى“ و“بياصا كاني“ و“شارع السكة“و ”أدريان بيلت.

أحبوا أهل المدينة وناسها… وشوارعها وإزقتها… وأحياءها وثراها، وكل شئ فيها… حفظوا ”سوق الظلام“ شبراً بشبر… ولم يملوا ”سوق الجريد“ و“سوق الحوت“ و“الحدادة“ مطلقاً…

عشقوا ”الصابري“، و“أخريبيش..وزهوا ”بالبركة“ و“سي حسين“ والسكابلي، وتفاخروا ”بالبلاد“… و ذرعوا مثلك كل ركن في ”السلماني“ و“بن يونس“ و“الماجوري“ و“المحيشي“ و“سي يونس“…

ولهم بعدد شعر الرأس صحبة في ”السبالة“ و“رأس اعبيدة“ و“الزيريعية“ و ”بوزغيبة“… وما غابوا عن موطأ ”الرحبة“ و ”الفويهات“… وما نسوا أبداً مواسم الحصاد في ”القوارشة“ ،….

مثلك كانت ”زرداتهم“ في ”البكور“ وشوطئ ”قنفودة“ و“قاريونس“ … رسموا قلباً وسهماً مثلك على إشجار الجبل الأخضر.
ماتنازلوا عن ”شربة رمضان“ و“الروينة“، و“عصبان الشمس“ ولا فول ”العاشوراء“ و“العصيدة.

هم الذين صلوا ”التراويح“ وراء ”شياب البركة“ من قبل أن يعرف ”السديس“ كتابة الحرف.
زفت عرائسهم يوم الخميس، وربما غنت لهن ”مريانة“ و“بنت بشير“ و”الفونشة“ في حنتهن !.. ولبست الفاتنات ”العبروق.. و عبق ”الجاوي والوشق“ كل الأركان…

مشوا في ”الغيطة“ … ورقصوا ”بالشملة“، وصاحو بأعلى صوت ” اليوم حنة وبكرا نجيبوها
صلوا وراء الجنائز في ”المصلى“ و”سي عبيد“، ومشوا ”بالعروسية“…ونقروا الطار في ”الرفاعية“…وأوقدوا الشموع في ”أبحيح.

أشعلوا ”الشواي“ في ”الميلود“…. وانقسمت فتياتهن صفين … ليغني الصف الأول: ” بريلا بريلا بريلا والسلطانة جتكم..وليرد الثاني : ”وأيش تجيبولها“…ولتستمر قصة الهوى العذري.

كبرت شورابهم، وزادت اللحية … وتضاعف جمال الكعاب منهن … واستقر الذكر والكتاب في صدور حفظة كثر منهم وحافظات.

ودارت رحاة الزمن … ليأتي مسخ معه قردة … فيأد أحلامهم … ولينصب الباغي مشانق لأخوتهم … وليقذف الباطل بفتياتهم في زنازين ”بوسليم“…. لكن عهدهم ماض، وسنتهم ماكنة، ومابدلوا تبديلا.

صبروا وصابروا… ونافحوا وكافحوا … وليحلو بفمهم طعم الشقاء في سبيل التنغيص على ملة الطاغوت وكلابه…

لكن رحاة الزمان .. لا تنفك إن تدور… ووعد الله نافذ … فكانت ”فبراير“ ، والتقى النصر والود على أمر قد قدر.. فقدموا الغالي والثمين ودفعوا المهج والأنفس والأبناء.. وظهر أمر الله….

ثم ماذا…

ثم جاءت أحذية العسكر… فخلع اللاعقون عليهم لقب ”الدواعش“ ليستحلوا فيهم كل شئ .… هل تريدني أن أكمل القصة … لا اعتقد .. أنت تعرف كل شئ وتعرف أنهم أطهار ، وتعرف أنهم ”ملح المدينة“، والعقد الوضاء على جيدها..“خيخي وابن خيخي“…و“ أحضور مغطوسين في مرق أبوادي.. لم يرضوا ظلماً وما استكانوا أبداً… لهم عزة نفس غريبة … ولهم آنفة ساحرة..

فإن نزل دمعك … فتيقن أنك عرفت الطريق … وأطلب الصفح منهم … فأنهم طيبون وطيبات .. عفيفيون وعفيفات … ومباركون ومباركات ..

فيا أيها المباركون والمباركات، لا تخفوا دموعكم … فدموعكم أطهر من الأشباه، واستسمحكم، فلقد بعثت على لسانكم السؤال إلى ”بنغازي“، لعلها ولعلها ، وقلت لها:

يـــــــــادار زاعـــل منــــك
عليـك غبت عنك، وما نشــدتي كنـك .. كــيف دوتـك ؟؟

ياطـول مـا جيـتـك ولــي بكيـتـي..
وبكيت مـن مشاكيـك اللـي بكنـك.
وباكـي عليـك ومـا عـلـي بكيـتـي
يـادارهــم مـاكـنـت هـــك انـظـنـك
صاحـب وفـي ومعـاي مـا وفيـتـي
قصرت اخطـاي عليـك مـا شغلنـك

يـــادار زاعـل منــــك… !!!!

____________

المصدر: صفحة الكاتب على الفسيبوك

مواد ذات علاقة