تبحث الدراسة سوسيولوجيا إعلام الثورات العربية في المهجر من خلال رصد سياقات نشأته وتطوره ووظائفه ومحددات خطابه و“أيديولوجيته” وعلاقته بمحيطه المحلي ومشكلاته؛
باعتباره ظاهرة اتصالية وسياسية نشأت في ظروف استثنائية للاستجابة لحاجات إعلامية ومعرفية وثقافية تخص الجمهور الذي يتعرض لهذا الإعلام.
الجزء الثاني
الحالة الليبية: التجاذب والصراع الرمزي
شهدت ليبيا تأسيس عشرات القنوات والصحف والإذاعات إثر ثورة 17 فبراير/ شباط 2011، بعد أن كان نصيبها من الإعلام في عهد القذافي عدة قنوات حكومية أبرزها الجماهيرية والليبية، وصحف مثل الجماهيرية والزحف الأخضر والفجر الجديد، بالإضافة إلى مجموعة الغد التي أطلقها سيف القذافي. وقد لجأ العديد من القنوات الفضائية الليبية للعمل في الخارج بسبب هشاشة البنية التحتية للإعلام، وضعف المهارات المهنية للصحفيين الليبيين، وقبل كل ذلك بسبب الفوضى الأمنية والمخاطر التي تواجه العاملين في الإعلام، حيث تمت مهاجمة العديد من القنوات التليفزيونية، وأهمها: “العاصمة” و“ليبيا الدولية” و“الوطنية” و“بنغازي تي في” و“النبأ” و“ليبيا الحرة“، وسجَّل المركز الليبي لحرية الصحافة 338 حالة اعتداء بحق الصحفيين ووسائل الإعلام خلال الأعوام الخمسة التي تلت الثورة الليبية.
ولم تحظ الصحف الورقية بتأثير واسع في المجتمع الليبي بعد الثورة، بينما سيطر الطابع السلفي على الإذاعات المسموعة، مثل إذاعات: طريق السلف والكلمة الطيبة والتبيان وأهل الحديث والأثر…إلخ، وجاءت إذاعة الوسط وموقعها الإلكتروني اللذان يبثان من القاهرة بتمويل إماراتي ليكونا الأهم في مجالي الإذاعات المسموعة والمواقع الإلكترونية.
أما القنوات الفضائية فكانت ذات حضور لافت في المشهد الإعلامي الليبي بعد الثورة، وإن ظل معظمها يبث من الخارج.
وبخلاف ما قام به الباحث عند تناوله للقنوات المؤيدة للثورة في كل من مصر وسوريا، فإنه في الحالة الليبية سيتناول القنوات المرتبطة بطرفي الصراع، وذلك بسبب الوضع الخاص الذي تشهده البلاد، واختلطت فيه الأوراق بشكل كبير خاصة مع ظهور العديد من الصراعات ذات الخلفية الجهوية والأيديولوجية…إلخ.
وبشكل عام، قسَّم الأكاديمي محمد الأصفر القنوات الليبية إلى:
ـ قنوات منحازة إلى الحكومة الانتقالية والبرلمان بطبرق مرتبة ترتيبًا تنازليًّا حسب نسبة انحيازها؛ وهي قنوات الكرامة، وليبيا أولًا، وليبيا الدولية، وصوت القبائل، وليبيا 24، وليبيا تي في، وبنغازي تي في، والدردنيل.
ـ قنوات أخرى منحازة إلى حكومة الإنقاذ والمؤتمر الوطني بطرابلس مرتبة ترتيبًا تنازليًّا حسب نسبة انحيازها؛ وهي قنوات مصراتة، والنبأ، وتوباكتس، وليبيا لكل الأحرار، و17 فبراير، والتناصح، وفزان تي في، وبانوراما.
وتأسست قناة “ليبيا لكل الأحرار” مع انطلاقة ثورة 17 فبراير/شباط 2011، ومقرها الرئيسي بالدوحة كما أن لها مقرًّا ثانيًا ثانويًّا في طرابلس (وتحولت في بداية 2018 إلى إسطنبول)، وبدأت بخط تحريري مناصر للثورة، ومنذ نهاية 2012، تبنَّت خطًّا مؤيدًا للإسلاميين بشكل خاص.
بينما تأسست قناة “النبأ” في 20 أغسطس/آب 2013، بتمويل من حزب الوطن بزعامة عبد الحكيم بلحاج، وتبنت خطًّا تحريريًّا مناصرًا لفصيل من الثوار الإسلاميين يتزعمه عبد الحكيم بلحاج، ولها مقرات في طرابلس وإسطنبول.
أما قناة “التناصح” فتأسست في فبراير/شباط 2014 بتمويل من دار الإفتاء برعاية المفتي، الشيخ الصادق الغرياني، الذي يتولى نجله، سهيل الغرياني، وظيفة مدير عام القناة، ويغلب عليها المحتوى الديني بالإضافة إلى بعض البرامج السياسية التي تركز على التحذير من الحكم العسكري وتحشد لدعم مناهضي حفتر في بنغازي، وتبث من مدينتي طرابلس وإسطنبول.
أما قناة “ليبيا روحها الوطن“، فتأسست في ديسمبر/كانون الأول 2014 عبر عارف النايض، سفير ليبيا في أبوظبي، والمعروف بقربه من السياسي الليبي، محمود جبريل، وتتخذ القناة خطًّا تحريريًّا منحازًا للتيار الليبرالي، وكثيرًا ما تقدم مواد تتبنى الفكر الصوفي خاصة في المناسبات الدينية، وعُرفت بمناصرة شبه دائمة لخليفة حفتر، لكنها تخفُتُ في بعض المحطات التي يشتد فيها الخلاف بين حفتر وتيار عارف النايض.
وتعتبر القناة التي تبث من العاصمة الأردنية إحدى أقوى القنوات الليبية انتشارًا؛ حيث تستضيف الأطراف المختلفة في برامجها الحوارية.
ومن عَمَّان أيضًا بدأت “قناة 218” المنوعة في البث منذ أكتوبر/تشرين الأول 2015، قبل أن تنبثق منها قناة “ليبيا 218 الإخبارية“، في منتصف أكتوبر/ تشرين الأول 2017، بخط تحريري مناصر للتيار العلماني في ليبيا، ويترأس تحريرها الصحفية الليبية، هدى السراري، المعروفة بطرحها لأفكار واجهت جدلًا محليًّا واسعًا، فيما يتولى إدارة القناة الإعلامي الليبي، زوجها مجاهد البوسيفي، وتقدم القناة دعمًا إعلاميًّا لخليفة حفتر.
أما قناة “ليبيا أولًا“، ومقرها القاهرة، فتأسست في أبريل/نيسان 2011 بتمويل من رجل الأعمال الليبي، حسن طاطاناكي، لتصبح منبرًا لثوار شرق ليبيا، قبل أن تتحول إلى مناصرة خليفة حفتر وتُعرف بخطابها العدائي تجاه الإسلاميين. وقد تم إغلاقها، في أكتوبر/تشرين الأول 2015، بسبب اختلاف مالكها مع حفتر. وفي 3 مايو/أيار 2016، ظهرت قناة “ليبيا الحدث” لتستكمل الدور الذي بدأته “ليبيا أولًا” لكن من بنغازي هذه المرة وبتمويل من رجال أعمال مقربين من حفتر.
وبدورها، تأسست “قناة ليبيا 24” في أكتوبر/تشرين الأول 2013، في العاصمة البريطانية بتمويل يشرف عليه مقربون من نظام القذافي ويمتلكها الإعلامي عبد السلام المشري، وتتبنى خطًّا تحريريًّا يحرِّض بشكل مباشر ضد ثورة 17 فبراير/شباط ويدعو لعودة نظام القذافي في شخص ابنه سيف .
…
البقية في الجزء الثالث
***
محمد مرسي محمد ـ حاصل على الماجستير في الإعلام والدراسات الثقافية من معهد الدوحة للدراسات العليا. عمل لأكثر من عشرة أعوام في إنتاج الأخبار بعدد من القنوات الفضائية العربية، كما أنتج مجموعة من الأفلام الوثائقية، ونشر عددًا من الأبحاث في مجال الإعلام والاتصال.
___________