بقلم عمر بوشاح
ترسيخ ثقافة الحوار لدى المجتمعات من أهم الركائز والقيم الحاكمة، وغيابها له تأثيرات وخيمة ومأساوية، قد تصل إلى الحروب الأهلية أو ترسيخ للدكتاتورية المطلقة، والتي تعتبر أساس كل فساد (سياسي أو اقتصادي أو أخلاقي …).
الحوار المجتمعي الجاد والعميق يصل إلى قاع الاختلاف، وجوهر المشاكل، ليجد مشتركات يمكن البناء عليها وترسيخها. وقد وصلت لهذه القناعة مختلف شعوب الأرض، بعد معاناة طويلة من الاستبداد والدكتاتورية والقمع والحروب الأهلية.
لتجلس في نهاية المطاف على طاولة الحوار، وتدستر مشتركاتها، وتضع الحلول وأنصافها لنقاط الخلاف.
تجارب ما بعد الربيع العربي لازالت حاضرة في الاذهان ونماذج الحوارات المجتمعية والسياسية، تختلف وتتقاطع على حسب طبيعة المجتمع، والبيئة السياسية المكونة له.
لقد رأينا نماذج ناجحة للحوار السياسي على رأسها التجربة التونسية والتي أهم ما حققته هو إبعاد شبح الحرب الأهلية عن البلاد وغل الأيدي الخارجية العابثة بالمسار الديمقراطي في تونس.
بينما النموذج المصري يجسد حالة الفشل المجتمعي والسقوط الاخلاقي للنخب العريقة المصرية، والتي خاضت معركة صفرية استخدمت فيها كل الوسائل لإزاحة خصومها من المشهد، حيث تم إجهاض كل محاولات الحوار السياسي بين التيارات المختلفة في مصر، مما ترتب عليه ترك الفرصة للاستبداد أن يعود بأقبح صوره بعد ثورة يناير العظيمة.
أما الوضع في ليبيا يختلف بشكل كبير، حيث أن البيئة السياسية في ليبيا تفتقد للبنية التحتية بسبب الظروف التي مرت بها ليبيا خلال العقود الماضية من الاستعمار وحتى ثورة فبراير.
فغياب الحياة السياسية الناضجة بعد الاستقلال، وغيابها بشكل كامل بعد انقلاب سبتمبر، كان السبب الرئيسي في حالة السيولة المجتمعية وغياب المؤسسات والتيارات السياسية التي تستند إلى قواعد شعبية واسعة.
حيث عمل النظام السياسي الاستبدادي السابق على تخوين كل عمل سياسي يختلف مع فكر النظام ومشروعه (من تحزب خان)، ورفض وطارد كل الأصوات السياسية المعارضة لنظام الحكم، مما ساهم في إسقاط ثقافة الحوار من الذهن المجتمعي الليبي.
جاءت ثورة فبراير كثورة شعبية عارمة تفتقد للقيادة السياسية التي كان من المفترض أن توجه البوصلة إلى الدولة الديمقراطية المدنية حلم الليبيين الأحرار.
برزت مجموعة من الأحزاب والتيارات السياسية بعد ثورة فبراير، وعملت على تشكيل قاعدة شعبية، تستطيع من خلالها تكوين وزن سياسي محلي ودولي، ولكن هذه الهدف المستعجل ساهم في خلق حالة من الاستقطاب، السياسي المبكر والانقسام العمودي داخل المجتمع الليبي، والذي كان بدوره له الأثر البالغ على المشهد السياسي والاقتصادي وحتى الاجتماعي في ليبيا.
حاولت بعثة الأمم المتحدة من خلال مبعوثها السابق السيد طارق متري فتح حوار سياسي، وجمعت مجموعة من التيارات والاحزاب السياسية والنخب والسياسيين واستطاعت أن تجلس الجميع على طاولة واحدة، وفي وقت مبكر كان يمكن خلاله تجنيب البلاد الكثير من الخسائر المادية والبشرية.
غياب الوعي والمسئولية الوطنية، لدي الكثير من النخب السياسية التي تدعي بأنها تحمل لواء الدولة المدنية، و آثرت المعادلة الصفرية بعد انطلاق عملية الكرامة وتوقعت بأن العسكر يقوموا بمهمة إقصاء خصومهم السياسيين على غرار ما حدث في مصر، وإخلاء الساحة لهم، لذلك رفضوا العودة إلى طاولة الحوار، وأفشلوا كل جهود المبعوث الأممي حسب ما أورد ذلك في كتابه (مسالك وعرة) بعد انتهاء مهمته في ليبيا.
لتبدأ بعد ذلك فصول من الحوار المسلح من أطراف الصراع في ليبيا خسرت خلالها ليبيا الكثير ، وكان بالإمكان تجنب ذلك لو توفرت الحكمة والمسئولية الوطنية لدى النخبة الليبية.
وبعد اقتناع الجميع باستحالة الحسم العسكري، لأي طرف في ليبيا عادوا من جديد في حوار سياسي برعاية أممية تحت إشراف المبعوث الأممي السابق برنالدينو ليون، ولمدة عام كامل في مدينة الصخيرات المغربية لينتج عن ذلك اتفاق سياسي ليبي برعاية أممية ودعم دولي من أجل توحيد مؤسسات الدولة، وانهاء حالة الانقسام السياسي، كخطوة أولى نحو الاستقرار.
وبعد مرور أكثر من عامين من توقيع الاتفاق وتعنت بعض الاطراف السياسية والعسكرية وعلى رأسها رئيس مجلس النواب وقيادة عملية الكرامة، و بدعم اقليمي من الجمهورية المصرية ودولة الامارات العربية ،استطاعوا افراغ الاتفاق من محتواه، والمحافظة على حالة الانقسام السياسي والمؤسساتي وحالة الانهيار الاقتصادي المترتبة على ذلك.
جاء المبعوث الاممي الاخير السيد غسان سلامة بخطة أممية جديدة لاحتواء الجميع تحتوى على عدة مسارات منها ما هو موازي، ومنها ما هو بديل، وربما يتحول الموازي إلى بديل.
على رأس الخطة مشروع المؤتمر الوطني الجامع والذي تحدث عنه المبعوث الاممي بعدة صيغ مختلفة واحيانا متناقضة. بهدف جمع جميع الليبيين المهمشين والذين همشوا أنفسهم والفاعلين على طاولة الحوار من جديد.
مما ساور الجميع الشكوك حول طبيعة المؤتمر وطرح الكثير من الاسئلة حوله، وهل يعتبر المؤتمر مجرد حدث؟
أم هو جسم سياسي جديد مؤقت بديل عن الاجسام الحالية؟
وما طبيعة مخرجات هذا المؤتمر؟
وهل تعتبر الزامية للمؤسسات الرسمية؟
وأين موقعها من الاتفاق السياسي الليبي؟
إلى الان تصر البعثة الاممية على أنها تلتزم التزام كامل بالاتفاق السياسي وعدم تجاوز المؤسسات المنبثقة عنه.
بينما يعتبر البعض بأن المؤتمر الجامع القادم هو مسار بديل لمسار تعديل الاتفاق السياسي بعد فشله بين مجلس النواب والدولة، وهو عبارة عن حوار سياسي جديد واسع وشامل لجميع الليبيين من خلال الملتقيات التشاورية التي تحدث الان في مختلف البلديات الليبية وتشرف عليها منظمة الحوار الانساني برعاية بعثة الامم المتحدة.
هذه الملتقيات التشاورية وظيفتها تلخيص ما وصل إليه الليبيون في هذه الاجتماعات ووضعها أمام المؤتمر الجامع الذي سيشكل بعد رمضان القادم لتكون الورقة الاساسية للتوافق حولها.
***
عمر بوشاح ـ عضو المجلس الأعلى للدولة
___________