بقلم عبد السلام الراجحي

تمر علينا الذكرى الثانية للتوقيع على الاتفاق السياسي الليبي بالصخيرات المغربية، والذي كان هدفه الأول إنهاء الأزمة الليبية بشكلها المسلح.

وجرى الاتفاق برعاية الأمم المتحدة، ولاقي دعما كبيرا من قبل الدول الكبرى خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي.

ورغم أنه حظي بدعم دولي وأممي كبيرين، إلا أنه واجه حملة تشويش وعرقلة من قبل تيارين متضادين لبعضهم البعض، الأول تيار طرابلس ويقوده رئيس المؤتمر الوطني العام نوري أبوسهمين، ونائبه عوض عبدالصادق، ورئيس حكومة الإنقاذ الوطني المنبثقة عن المؤتمر خليفة الغويل، والتيار الآخر كان تيار طبرق ويقوده رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، وكتلة السيادة الوطنية، وقائد قوات مجلس النواب خليفة حفتر.

واستطاع التيار الوطني المدني الداعم للوفاق وكذلك أعضاء المؤتمر الوطني في طرابلس بفرض الاتفاق وحكومته، في حين استمر فشل أعضاء مجلس النواب والتيار الوطني في برقة وعلى وجه الخصوص بطبرق، وجرت ممارسة العنف والبلطجة على حد سواء كوسيلة أمتهنها كل من عقيلة صالح وحفتر لإفشال أي تحرك داعم للاتفاق ومنع اعتماد حكومة الوفاق عدة المرات.

ورغم كل هذه الممارسات المناهضة للاتفاف تمكن اتفاق الصخيرات وبدعم دولي ومحلي لا متناهي من أن يصمد على مدى عامين، وأنا أجزم أنه سيظل ساري المفعول حتى يذهب الليبيين إلى الاستفتاء على دستور دائم، ومن ثم إلى صناديق الاقتراع لانتخابات رئاسية وتشريعية نهاية عام 2018، أو في الربع الأول من عام 2019.

وبعد عامين من عمر الاتفاق، نستطيع تقييم نجاحات الاتفاق وإخفاقاته، فرغم الدعم الدولي المستمر حتى اليوم والدعم الشعبي الذي حظي به خلال العام الأول والذي تراجع لاحقا بعد الإخفاق الكبير الذي سجله في معالجة أزمات الملف الاقتصادي والخدمي، والتي يرجع رئيس المجلس الرئاسي فائر السراج أسبابها دائما لعدم تعاون محافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير مع حكومة الوفاق الوطني،

فاذا اعتبرنا حقيقة أن للمحافظ يدا في هذا الإخفاق فالجزء الأكبر يتحمله السراج شخصيا حيث استمرت حكومته في العمل دون وزير للاقتصاد لأكثر من 17 شهرا والسؤال هنا.. كيف يمكنك كرئيس للحكومة أن تنجح في تحسين الواقع الاقتصادي السيئ دون وزير للاقتصاد على رأس وزارته؟..

وفي غيابه تمكن المصرف المركزي بالاستفراد ولوحده العمل على فتح الاعتمادات المصرفية بالدولار واليورو طوال تلك المدة، واستغرب من فائز السراج كونه يكثر الشكوى من الكبير وفي المقابل يمنحه مساحة شاسعة وصلاحيات مفتوحة للعمل في اختصاصات حكومته!!.

أيضا الاخفاق الآخر لرئاسي الوفاق هو تبطؤه وتخبطه في إصدار قرارته كونه القائد الأعلى للجيش الليبي حيث تأخر وعلى مدى أشهر في تكليف رئيس للأركان، وأيضا تسميته لأمراء المناطق العسكرية خصوصا المنطقة العسكرية طرابلس والمنطقة العسكرية سبها، وذلك في وقت يعيش فيه الجنوب الليبي حالة انتهاك من قبل المعارضة المسلحة السودانية والتشادية، بالإضافة لإعادة عناصر تنظيم الدولة صفوفه بالجنوب، ولعامين كاملين لم يكلف السراج رئيس لديوان الحكومة بالجنوب، مما تسبب في انعدام كامل للخدمات الأساسية لمدن وقرى الجنوب المهمش.

عدم حسم السراج أمره وتكليف قيادة عسكرية للجنوب كان وراء إفشال استكمال الأعمال بمحطة أوباري الكهربائية، فبعد اختطاف المهندسين الأتراك والجنوب إفريقيين توقف عمل الشركات المنفذة للمحطة، وغادرت كل الأطقم والكوادر التابعة لهذه الشركات، وليومنا هذا مازال مصير المهندسين الأتراك مجهولا.

والملفت في الأمر أنه مع كل هذه الإخفاقات هناك نجاحات تمكن الاتفاق السياسي  من تحقيقها في محطات كثيرة، أبرزها ملحمة البنيان المرصوص التي قضت على نواة المشروع الإرهابي المتطرف لعناصر تنظم الدولة في سرت وحظي بدعم ومشاركة طيران كبرى دول العالم عسكريا الولايات المتحدة الأمريكية.

أبطال البيان المرصوص الذين طالما عمل الإعلام المدعوم إماراتيا ومصريا على وصفهم بـ”المتشددين الإرهابين” أصبحوا حليفا قويا على الأرض لقوات طيران الولايات المتحدة الأمريكية الدولة المسؤولة على تصنيف ووضع قوائم الجماعات الإرهابية دوليا.

الاتفاق أيضا، نجح في عودة الشرعية لعاصمة الدولة وعودة كثير من السفارات الأجنبية، والاتفاق نجح في إيقاف المعارك بمدن الغرب الليبي، وعمل على المصالحة بين مدنه وعودة نازحي مدن ككله والشقيقة، وتطور الحديث اليوم عن المصالحة بين تاورغاء ومصراتة، ليدخل حيز التنفيذ، فعودة نازحي تاورغاء أصبحت قريبة، كما نجح الاتفاق السياسي أيضا بإعادة إنتاج وتصدير النفط الذي توقف لسنوات ثلاث ما تسبب خسائر تفوق 160 مليار دولار أمريكي.

الاتفاق تمكن من حشر مشروع عسكرة الدولة في زاوية حجمت دور مموليه بالمال والسلاح والإعلام من دول إقليمية، وجرت محاصرته ضمن المناطق التي انطلق منها المشروع، بل واكتشف المواطنين في مدن الشرق الليبي فشله أمنيا وعسكريا.

خلال هذين العامين نجح الاتفاق في دق المسمار الأخير في نعش مشروع خليفة حفتر وحلمه بالسيطرة العسكرية على العاصمة خاصة بعدما سيطرت قوات حكومة الوفاق على مدن وقرى سهل الجفارة وورشفانة، في وقت كان العمل على قدم وساق لكتائب حفتر والجبهة الشعبية لتحرير ليبيا للعمليات العسكرية والوجهة والهدف باتجاه العاصمة ومدن الغرب الليبي.

الاتفاق جعل من العاصمة طرابلس من الأكثر المدن الليبية أمنا وآمان وحرية في التعبير والاختلاف والتنوع، وزيارة رئيس حزب تحالف القوى الوطنية محمود جبريل خير دليل، والذي دأب على وصفها بمرتع لـ”الإرهابيين” من سنوات مضت.

بعد عامين نجح الاتفاق بأن لا تكون في طرابلس منطقة خضراء أو أرضا لقوات القبعات الزرقاء.

بعد عامين يعمل داعمي الاتفاق إلى عودة المسار الديمقراطي من جديد بعد نجاح أعضاء هيئة صياغة الدستور في نهاية يوليو الماضي بتمرير المشروع، ونحن في انتظار الاستفتاء عليه كما عادت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات إلى عملها من جديد وفتحت باب تحديث سجل الناخبين لتعيد الأمل للكثيرين في عودة سلطة الاختيار للشعب ولتعود جذوة شعلة روح فبراير من جديد.

***

عبد السلام الراجحي ـ كاتب ليبي

____________

مواد ذات علاقة