د. الحسين الشيخ العلوي
يبدو من خلال التوجه العام الذي اتخذه مبعوث الأمم المتحدة بليبيا، غسان سلامة، أن هناك مسارًا أمميًّا جديدًا للتعاطي مع الأزمة، ومن مظاهره تحديث خارطة طريق تُطبَّق خلال سنة والتواصل مع جميع الفرقاء وهم لاعبون كثر، ويقرأ هذا التقرير مجمل خيوط هذه التطورات.
***
الجزء الثالث
خارطة انتشار أنصار النظام السابق
شملت الحرب الأهلية التي مرت بليبيا منذ فبراير/شباط 2011 وحتى الآن جميع العائلات والأسر الليبية، وأدت إلى اصطفافات حادة، حتى داخل الأسرة الواحدة؛ حيث انقسم أفراد بعض الأسر بين جزء مع هذا الفريق وجزء آخر مع ذاك الفريق. ومع هذا، هناك مدن بكاملها تُصنَّف على أنها مناصرة للنظام السابق، نظرًا إلى كون غالبية سكانها من المؤيدين للنظام السابق:
-
في المنطقة الغربية من ليبيا
1. يتركز أنصار النظام السابق في مدن بني وليد وورشفانة والعزيزية والجميل ورقدالين والأصابعة والمشاشية وتاورغاء.
2. لهم حضور معتبر في مدن ترهونة وسرت وصرمان ودرج.
3. أعداد كبيرة في مدن طرابلس وزليطن والخمس ومسلاتة والقربوللي، لكنها دون فعالية نظرًا إلى إحكام ميليشيات فبراير السيطرة على هذه المدن، ولسياسة تكميم الأفواه وتضييق الخناق.
-
في المنطقة الشرقية من ليبيا (برقة)
1. يتركز أنصار النظام السابق في منطقة الواحات (جالو وأوجلة وجخرة) وهراوة والنوفلية.
2. حضور معتبر في مدن بنغازي وإجدابيا والبريقة وبشر وبن جواد والكفرة.
-
في المنطقة الجنوبية من ليبيا (فزان)
تعتبر منطقة فزان معقلًا لأنصار النظام السابق:
1. سيطرة كاملة لأنصار النظام في مدن وقرى غات وبركت والقرضة الشاطئ والفقهاء وأم الأرانب وتراغن والقطرون وزلة ومرزق.
2. أغلبية في مدن سبها وسوكنة وهون وودان وزلة وبراك الشاطئ.
3. حضور معتبر في مدن أوباري وغدامس وبنت بية ووادي عتبة والعوينات.
الأذرع السياسية لأنصار النظام السابق
-
المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية
تشكَّل في مدينة العزيزية بغرب ليبيا، في 25 مايو/أيار 2014، ويتكون من قرابة ثلثي المجالس القبلية في ليبيا، رغم أن قبيلة ورفلة كبرى القبائل الليبية، والتي توجد تقريبًا في كافة مناطق ليبيا، لا تنضوي تحت لواء هذا المجلس.
وقد تم اختيار الدبلوماسي الليبي السابق، العجيلي البريني (من قبيلة ورشفانة في الغرب الليبي)، لرئاسة هذا المجلس صحبة نائبين، هما: علي أبو سبيحة (من قبيلة الحساونة في الجنوب الليبي)، وعبد الحميد الكزة (من قبيلة العواقير في الشرق الليبي).
ويتكون المجلس من عدة لجان متخصصة، أهمها لجنة التواصل الخارجي، التي يقودها مقرر اللجنة الناشط السياسي، محمد عمر بن جديرية، الذي يعتبر أحد أنشط أنصار النظام السابق، والباروميتر والمحرِّك الخفي لمعظم تحركات وتنسيقات كتلة أنصار النظام خلال الأشهر الأخيرة.
ليس للمجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية ذراع عسكرية، وفي الوقت الراهن يعتبر الواجهة الأكثر تقبلًا من قبل المجتمع الدولي، وبات له حضور في المناسبات والفعاليات الدولية وآخرها اجتماع رئيس جمهورية الكونغو، وهو رئيس اللجنة الإفريقية رفيعة المستوى حول ليبيا، ساسو نقيسو، بقصر المؤتمرات بالعاصمة برازافيل بوفد من المجلس الأعلى للقبائل مكون من 48 شخصًا، يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2017. وتقول المؤشرات إن المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية قد يكون طرفًا في أية تسوية قادمة للأزمة الليبية.
-
الحركة الوطنية الشعبية الليبية
تعد الحركة الوطنية الشعبية الليبية أول تنظيم سياسي شكَّله أنصار النظام السابق، وقد أعلنت عن نفسها في 15 فبراير/شباط 2012 كحركة سياسية. وضمَّت بعض قيادات النظام السابق، وأبرزهم: مصطفى الزايدي (الرئيس)، ومحمد العرفي، وعمران أبو كراع، وموسى إبراهيم. ومعظم قيادات الحركة الوطنية انسحبوا منها ولم يتبق منهم غير مصطفي الزايدي، الذي أضحي محسوبًا على خليفة حفتر، عندما وجد نفسه خارج حسابات كتل وتيارات أنصار النظام السابق. وليس للحركة الوطنية الشعبية الليبية ذراع عسكرية.
-
التجمع الوطني الليبي
هو تنظيم سياسي اعتمد في بدايته على مجموعة من بعض أعضاء الحركة الوطنية، إضافة إلى مجموعات أخرى لها توجهاتها السياسية المرتبطة بثورة فبراير/شباط 2011، ويختلف عن الحركة كونه لا يعمل كمعارضة، بل يُعَرِّفه القائمون عليه بأنه إطارٌ مدني سياسي يجمع الليبيين تحت المظلة الوطنية الموحدة.
وأعلن التجمع عن نفسه كجسم سياسي في شهر فبراير/شباط 2015 من داخل ليبيا. وإن اعتُبر التجمع الوطني الليبي من التنظيمات المحسوبة على النظام السابق إلا أنه اعتمد في عمله السياسي التعامل والتواصل المباشر مع الأجسام السياسية الرسمية في الدولة كمجلس النواب والحكومات التنفيذية المختلفة بما في ذلك حكومة الوفاق والمجلس الرئاسي، بل ورحب بالاتفاق السياسي الذي تم في الصخيرات أواخر 2015، عكس معظم تنظيمات أنصار النظام السابق التي رفضت الاعتراف باتفاق الصخيرات.
ليس للتجمع الوطني الليبي ذراع عسكرية، وقادة التجمع الوطني الليبي، شباب الصف الثاني من قيادات النظام السابق، أبرزهم: سعد الزهيو وعبد المنعم اللموشي.
-
جبهة النضال الوطني الليبي
تأسست في 12 سبتمبر/أيلول 2015، وتضم عددًا من القيادات الليبية السابقة، من أمثال: أحمد قذاف الدم، وإبراهيم الغويل، ومحمد سعيد القشاط، وعمر الحامدي. والتنظيم يدور حول شخصية أحمد قذاف الدم المتشدد في أطروحاته والرافض التعامل مع مخرجات فبراير/شباط، ولا قواعد له داخل أنصار النظام السابق.
وليس لجبهة النضال الوطني الليبي ذراع عسكرية.
-
الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا
تعد الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا آخر تنظيمات أنصار النظام السابق من حيث تاريخ التأسيس أو الإعلان عن نفسها؛ حيث برز اسمها في عام 2016 وارتبطت منذ البداية باسم سيف القذافي، وهي عبارة عن جسم هلامي؛ حيث لا بيانات صادرة ولا إحصائيات معروفة عن طبيعة مكوناته، ولا تُعرف لهذه الجبهة قيادات ذات مناصب وظيفية محددة.
ولم تنشر هيكلها التنظيمي ومشروعها السياسي بل اعتمدت على ما تمثِّله رمزية وجود سيف على رأسها من نقطة قوة كما يرى مؤسسوها.
ويشاع أن للجبهة الشعبية لتحرير ليبيا ثلاث أذرع عسكرية. وتتصارع حاليًّا داخل الجبهة عدة فصائل وأجنحة. وزاد من الغموض الذي يلف طبيعة وماهية الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا، صمت سيف القذافي وتواريه عن الأنظار حتى الآن.
***
استحقاقات المرحلة الراهنة
في هذا السياق المليء بالفاعلين السياسيين والقبليين والجهويين تواصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بقيادة المبعوث الأممي، غسان سلامة، التنسيق ومتابعة الحوارات، وإجراء اللقاءات والتواصل مع الجميع دون استثناء، بمن فيهم أنصار النظام السابق وأنصار الملكية.
ويحاول غسان سلامة ضبط الأمور وتجنب التسويف والمماطلة من غير مبرر. وتقول التسريبات عن لقاءات سلامة مع أبرز الشخصيات الليبية إنه يسعى إلى تشكيل مجلس رئاسي مصغر من رئيس ونائبين، وتشكيل حكومة موحدة قبل حلول العام الجديد.
ومن ثم يشرع في المرحلة الثانية من خارطة الطريق الأممية في شهر فبراير/شباط 2018 والتي تليها المرحلة الثالثة في سبتمبر/ أيلول 2018، لتكون نهاية المرحلة الانتقالية في ليبيا.
حتى الآن ظل التدخل الخارجي في تحديد الأسماء المرشحة للمناصب في حدوده الدنيا وترُكت الأمور لمجلسي النواب والدولة. وأبرز استحقاقات هذه المرحلة هي:
1. تشكيل المجلس الرئاسي والحكومة الموحدة
المجلس الرئاسي: أبرز الأسماء المرشحة للمجلس الرئاسي، هي: عبد الرحمن شلقم، وعقيلة صالح، وفائز السراج، وكمال حذيفة، وحميد حومة، وعبد الرحمن السويحلي، ومحمد البرغثي، وعبد المجيد سيف النصر، وأبو صلاح شلبي، وإدريس المغربي، وسليمان سويكر.
والمتوقع أن يكون عقيلة صالح، وهو الأوفر حظًّا، رئيسًا للمجلس، وأن يكون نائباه: عبد المجيد سيف النصر (عن الجنوب) وفايز السراج (عن الغرب).
الحكومة التوافقية: أبرز الأسماء المرشحة لرئاسة الحكومة التوافقية، هي: بشير صالح، وعلي زيدان، وفتحي المجبري، وعبد الحميد دبيبة، والشيباني بوهمود، وعارف النايض، ولعل أوفرهم حظًّا لرئاسة الحكومة، هما: عارف النايض وبشير صالح.
2. مؤتمر المصالحة:
حُدِّد فبراير/شباط 2018 موعدًا لإقامته داخل ليبيا، ومن المتوقع أن يشارك فيه قرابة 800 شخص موزعين على النحو التالي:
-
200 شخص يتم ترشيحهم من قبل مجلس النواب.
-
200 شخص يتم ترشيحهم من قبل مجلس الأعلى للدولة.
-
400 شخص، تضم أنصار النظام السابق وأنصار الملكية، ومؤسسات المجتمع المدني، والأقليات (الأمازيغ والطوارق والتبو).
3. الانتخابات البلدية والنيابية والرئاسية :
حُدِّد شهر سبتمبر/أيلول 2018، موعدًا لإجراء انتخابات بلدية ونيابية ورئاسية، تكون نهاية المرحلة الانتقالية في ليبيا.
4. قضية الهجرة غير الشرعية:
أدى نشر تقرير عن سوق النخاسة في ليبيا عبر قناة السي إن إن، في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، إلى اندلاع موجة تنديد دولية، ومظاهرات غاضبة في العديد من العواصم، رافق بعضها عنف وحرق لسفارات ليبية، قابلها نكران تام من قبل الجهات الرسمية الليبية التي سارعت إلى نفي الموضوع، جملة وتفصيلًا، وإرجاعه إلى نظرية المؤامرة.
وقد قالت الخارجية الليبية (حكومة طرابلس): إن مزاعم الانتهاكات قيد التحقيق، وعلى المجتمع الدولي المساعدة في الحل بدلًا عن “التشهير“.
في حين قال الناطق الرسمي باسم حكومة الوفاق (حكومة طرابلس): إنها مؤامرة دولية الغرض منها النَّيْل من سمعة الدولة الليبية والتمهيد لعملية دولية لتوطين المهاجرين في ليبيا.
هذه القضية وحَّدت الليبيين كافة؛ حيث يرى معظم الليبيين أنها قضية ملفقة، وأنها بداية لأمر مُبيَّت للنَّيْل من ليبيا. بعد أسبوعين من نشر التقرير، اجتمع مجلس الأمن بخصوص القضية وخرج بتوصيات مفادها ضرورة تولي هيئات دولية الإشراف وإدارة مراكز إيواء المهاجرين، وبعد أيام قليلة، انعقدت، في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، القمة الإفريقية–الأوروبية في أبيدجان، وخيَّمت عليها قضية المهاجرين في ليبيا.
وكانت أبرز توصيات تلك القمة بالخصوص إعادة 3800 مهاجر كل أسبوع من ليبيا، على نفقة الاتحاد الأوروبي. وللعلم بلغ عدد المهاجرين في ليبيا نصف مليون مهاجر، من 24 دولة، حسب البيانات الرسمية في ليبيا.
***
د. الحسين الشيخ العلوي ـ باحث وجامعي موريتاني مهتم بالشأن المغاربي وقضايا الساحل.
_____________